فوضى الإعلام تجعل من "ضيوف الضرورة" نجوماً في مصر

غالبية من يظهرون على شاشات مصر لا يملكون المؤهلات

غالبية من يظهرون على شاشات مصر لا يملكون المؤهلات

Linkedin
whatsapp
الأحد، 17-09-2017 الساعة 20:18


شهدت الساحة الإعلامية المصرية، عقب ثورة يناير 2011، زخماً إعلامياً غير مسبوق، تحول خلال السنوات الأربع الماضية إلى ما يشبه الفوضى، حيث قدّمت الشاشات المصرية أشخاصاً كثراً بوصفهم محللين سياسيين، أو خبراء قانونيين أو عسكريين، من دون امتلاك هذه الوجوه تاريخاً يؤهلهم لتقديم أسمائهم للجمهور مقرونة بأي من هذه الأوصاف.

مؤخراً، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، أن وسائل إعلام مصرية تستضيف مدير مطعم في الولايات المتحدة على أنه خبير في السياسة الأمريكية.

وأشارت الصحيفة إلى أن المصري - الأمريكي، حاتم الجمسي، بعد أن ينتهي البث ويخلع سماعات الأذن، يفتح باب الأستوديو المؤقت ويعود إلى وظيفته، إذ يمتلك مطعم "لوتس دلي" في حي ريدجوود كوينز بولاية نيويورك، ويقدم الساندويتشات، وخاصة البيض منها، والبيرة، موضحة أن قلة من زبائنه أو مشاهديه في مصر يعلمون بوظيفته الأخرى.

هذا الأمر لا يقلل من شأن الجسمي، الذي أطلع الصحيفة الأمريكية على ملابسات ظهوره على الشاشات، فضلاً عن تأكيد إعلاميين مصريين قدرته على تحليل الواقع السياسي الأمريكي، إلا أنه يكشف حقيقة أن تعذر أي قناة مصرية في إيجاد متخصص ما للحديث في أمر ما فإنها تسارع للبحث عمن يسد هذا العجز، مسبغة عليه الصفة المطلوبة في الضيف (محلل سياسي، خبير علاقات دولية، خبير قانوني)، أياً كانت خلفية "ضيف الضرورة" هذا.

المتابع للمشهد الإعلامي المصري سيجد أن كثيرين ممن لا تعرف خلفياتهم باتوا يخرجون على الجمهور لقراءة المواقف أو التصريحات أو الأحداث وتفكيكها وتشريحها، بل ولتقديم رأيهم ورؤيتهم لما يجب وما لا يجب فعله، مستندين في ذلك إلى تقديم القنوات لهم بوصفهم "محللين"، أو "خبراء"، في الشأن المتعلق بموضوع النقاش.

اقرأ أيضاً :

مصري يبيع ساندويتشات صباحاً وخبير بالشأن الأمريكي مساءً

- من الظل للأضواء

الأكثر غرابة أن الاستعانة بـ"ضيوف الضرورة"، جعلت من بعضهم مسؤولين حاليين أو أعضاء في البرلمان، فضلاً عن امتلاك بعضهم لاحقاً فضائيات خاصة.

البداية كانت مع سامح شكري، وزير خارجية مصر الحالي، والذي كان سفيراً سابقاً لبلاده في واشنطن منذ العام 2008 وحتى إحالته للتقاعد عام 2012.

منذ اندلاع تظاهرات 30 يونيو 2013، والتي عزل الجيش على إثرها الرئيس محمد مرسي، المنتخب ديمقراطياً، بدأ شكري في الظهور بقوة للدفاع عن الموقف المصري وتحديداً عبر فضائية "سي بي سي"، المصرية، قبل أن ينتشر في بقية القنوات كالنار في الهشيم.

تبنى شكري، ومنذ اللحظة الأولى لعزل مرسي، موقفاً مؤيداً لكل ما يجري، وكان يخرج على الشاشات مطالباً بمنح أمثاله من الدبلوماسيين مساحة إعلامية تمكنهم من "توضيح الصورة" للعالم الخارجي، واستمر في ذلك حتى اختاره رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب وزيراً للخارجية في أول حكومة شكّلت بعد تولي عبد الفتاح السيسي رئاسة البلاد، وهو المنصب الذي ما زال يشغله.

سعيد حساسين، بدأ الظهور على الشاشات المصرية كمتخصص في الطب البديل (طب الأعشاب)، قبل أن يتحول إلى خبير في الشأن السياسي ثم انتهى به الحال نائباً في البرلمان الحالي.

قبل وصوله للبرلمان، أسس حساسين فضائية "العاصمة"، والتي آلت ملكيتها لشركة "فالكون جروب"، في أغسطس 2017، وتولى إدارتها المتحدث السابق باسم الجيش العميد محمد سمير.

والمعروف أن عمل شخص بالجيش لا يجعل منه خبيراً عسكرياً، تماماً كما أن عمل شخص بالقانون لا يجعل منه فقيهاً دستورياً، لكن هذه هي الحال اليوم في مصر.

عبد الله المغازي، واحد ممن كان لهم حضور طاغ على الشاشات إبان ثورة يناير 2011، بوصفه فقيهاً دستورياً، وقد حصل على كرسي في برلمان 2012، ثم كان واحداً من أبرز وجوه 30 يونيو 2013.

المغازي، الذي يعرف نفسه دائماً بأنه "فقيه دستوري"، لا يُعرف على وجه الدقة متى ولا أين ولا في أي تخصص حصل على رسالة الدكتواره في القانون الدستوري، فضلاً عن معرفة كيفية تحوّله إلى فقيه دستوري.

هناك فقهاء دستوريون ظهروا على شاشات مصر، لكنهم كانوا يمتلكون مستندات منحهم هذا اللقب (فقيه دستوري)، ومن هؤلاء الفقيه الدستوري إبراهيم درويش، الذي يعرف بأنه الأب الروحي للمحكمة الدستوية المصرية وكاتب نصوصها، والذي شارك أيضاً في كتابة عدد من دساتير الدول الأخرى، ومنها دستور تركيا عام 2011، وقد منحته الولايات المتحدة جنسية شرفية.

هناك أيضاً الفقيه الدستوري الراحل ثروت بدوي، وهو شأنه شأن درويش، وقد شارك في كتابة الدستور المصري عام 2012.

الأمر نفسه ينسحب على خبراء استراتيجيين مثل اللواء عادل سليمان، مدير منتدى الحوار الاستراتيجي، واللواء عبد الحميد عمران، والعميد السابق صفوت الزيات، واللواء أحمد عبد الحليم، وكلهم لهم مشاركات ومساهمات دولية تجعلهم يستحقون لقب "خبير"، بامتياز.

أما غالبية الخبراء الاستراتيجيين الذين يملؤون الشاشات حالياً فلا يمتلكون من المؤهلات سوى لقب "ضابط سابق"، وهو لقب ليس كافياً لمنح صاحبه لقب خبير برأي البعض.

أحد العاملين في حقل الإعلام يقول لـ"الخليج أونلاين"، إن ضابطاً سابقاً بالجيش كان يعمل مؤذناً لمسجد مدينة "التوفيق" لضباط الجيش بمدينة نصر شرقي القاهرة، وخلال بحث أحد مراسلي القنوات الأجنبية العاملة بالقاهرة عن خبير عسكري يعطيه رأياً في أحد التقارير، طرح عليه أحد الصحفيين اسم هذا الضابط؛ لا لشيء إلا لكونه ضابطاً سابقاً.

ولمّا لم يجد المراسل بديلاً، يقول المتحدث، استعان الصحفي بالرجل الذي بات فيما بعد يملأ الشاشات حضوراً كـ"خبير عسكري"، قبل أن ينتهي به الحال نائباً في البرلمان هو أيضاً.

أما عبد الله المغازي، فيقال إنه خريج كلية الحقوق جامعة القاهرة وإنه حاصل على دبلوم الدراسات العليا منها، وحسب، وبالرجوع لمعلوماته المسجلة على صفحته الرسمية على فيسبوك، لن تجد حتى طبيعة مؤهله ولا سنة حصوله عليه.

الأمر نفسه ينسحب على رئيس حزب الاستقلال أحمد الفضالي، الذي منحه الإعلام المصري لقب "مستشار"، رغم أنه لم يجلس على منصة القضاء يوماً.

العارفون بالفضالي، يقولون إنه كان موظفاً في اللجنة الدينية بمجلس الشعب خلال حكم حسني مبارك، وإنه كان قريباً من رئيس المجلس آنذاك أحمد فتحي سرور.

خلال أحداث الثورة، واجه الفضالي اتهامات بالوقوف وراء قتل المتظاهرين فيما عرف بـ"موقعة الجمل"، وانتشرت له فيديوهات وهو يدفع أموالاً للبلطجية لقاء هجومهم على ميدان التحرير الذي كان في وقتها يغصّ بالمتظاهرين.

حالياً يعتبر الفضالي واحداً من أبرز أذرع السيسي السياسية، وقد حظي بما لم يحظ به كثيرون مثله، رغم محاولاتهم المخلصة، وهو اليوم يقود حملة لتمديد الرئاسة، ومنح السيسي ولاية ثانية دون انتخابات، وما يزال الإعلام المصري يقدمه بوصفه مستشاراً دون أي سند.

من بين الذين ملؤوا الشاشات عقب ثورة يناير، كان الخبير الاقتصادي الراحل صلاح جودة، والذي كان الضيف الأبرز والأكثر ظهوراً للتعليق على الموضوعات والأوضاع الاقتصادية، بل ولتقديم رؤى مستقبلية وحلول لمشكلات مصر الاقتصادية، قبل وفاته في نوفمبر 2015.

جودة، الذي تؤكد مصادر لـ"الخليج أونلاين" أنه كان من أصحاب المؤهلات فوق المتوسطة، كان يعرف نفسه بأنه المستشار الاقتصادي للمفوضية الأوروبية الدولية، غير أن عملية بحث بسيطة على الإنترنت ستظهر أن سفارة الاتحاد الأوروبي بالقاهرة نفت هذا الزعم في مايو 2013، وقالت في بيان: إن جودة "لا يمثل أي مؤسسة تابعة للاتحاد أو أي من الوفود المختلفة".

- فوضى

الإعلامية المصرية سمية الشناوي، ترى أن ما يحدث هو جزء من الفوضى الكبرى التي تضرب البلاد بكل قطاعاتها، مؤكدة أن الإعلام المصري يعيش أزمة عميقة لا تقتصر عند حد إفساح المجال لضيوف غير مؤهلين وحسب، وإنما تمتد إلى منح الفرصة لمعدّين ومذيعين، يجهلون أبجديات الإعلام، حسب قولها.

الإعلام تحول إلى "سبّوبة" بنظر العاملين فيه، تضيف الشناوي، ومن ثم فإن انشغال القائمين على الإعداد بأكثر من عمل في أكثر من مكان يدفعهم للتعامل مع الضيوف من منطلق "ملء الفراغ".

هذا فضلاً عن "جهل" كثير من القائمين على الإعداد ليس بطبيعة الضيف وإنما بطبيعة المهنة، كما تقول الشناوي، التي تشغل منصب كبير مراسلي قطاع الأخبار بالتلفزيون المصري.

وتتابع الشناوي حديثها: "هناك أيضاً متلازمة الموافقة الأمنية التي تمتد لكل شيء، بما في ذلك الضيوف المسموح لهم بالظهور، ومن ثم فإن إسباغ أي صفة على أي ضيف دون سند، ليست مشكلة ما دام مصرحاً له بالظهور، وهذا يسري على الإعلام الحكومي والخاص".

لكن هذا لا يجعل من كل الوجوه التي تظهر على الشاشات المصرية ضيوف ضرورة، فثمة خبراء حقيقيون وفقهاء كبار يظهرون على الجهمور، لكن كثيراً من هذا الظهور يخضع إما لعلاقات شخصية أو لتوجيهات من الدولة؛ إذ إن كثير من الخبراء ذوي الثقل والتاريخ لا يسمح لهم بالظهور لأنهم يغردون خارج السرب.

مكة المكرمة