زوجات المعتقلين السوريين.. بين مرارة الواقع وقسوة الانتظار

عدد المعتقلين في سجون قوات النظام السوري يقدّر بنحو 92 ألف معتقل

عدد المعتقلين في سجون قوات النظام السوري يقدّر بنحو 92 ألف معتقل

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 12-12-2017 الساعة 10:26


تقول خديجة، ذات الـ 35 عاماً، إن زوجها (سامي) صاحب الـ 39 عاماً، اعتُقل قبل نحو ثلاث سنوات على أحد حواجز قوات بشار الأسد داخل مدينة دمشق، مؤكدة أن أخباره انقطعت منذ ذلك الحين.

وبينما هي شاردة في الأفق البعيد، تضيف خديجة لـ "الخليج أونلاين"، أنها بحثت عن زوجها كثيراً، لكنها لم تجد له أثراً في أي مكان، رغم المبالغ الكبيرة التي دفعتها للوسطاء في سبيل الحصول ولو على معلومة صغيرة تؤكد لها حياته أو موته.

وتتابع الشابة السورية حديثها وهي تحتضن صغارها الثلاثة (عمر، وسناء، وسلام): "ترك لي (سامي) هؤلاء الصغار بلا مساعد أو معيل، ولا أدري كيف سأتمكّن من تربيتهم وحمايتهم وأنا وحيدة، بعد أن أنفقت كل مدّخراتي وبعت ما كنّا نملكه من أرض".

مشيرة إلى أنها باتت تعيش على مساعدات الجمعيات الخيرية وبعض معونات الأقارب من المغتربين.

وتؤكد خديجة أنها تلقّت أكثر من عرض للزواج، لكنها رفضت لأنها مصرّة على انتظار زوجها، سواء كان حياً أو ميتاً، كما أنها لا تتخيّل نفسها مع شخص آخر غيره، ولن تسمح لأحد أياً كان بأن يتحكّم في مصير أطفالها، كما تقول.

خديجة ليست القصة الوحيدة، فهناك كثيرات مثلها وكلهن يعشن المأساة نفسها. فهناك سناء (30 عاماً)، وهي أم لطفل وحيد عمره خمس سنوات، وهي لا ترى حرجاً في الزواج مرة أخرى بعد أن انقطعت أخبار زوجها المعتقل في سجون النظام منذ نحو أربع سنوات.

- حيرة

وفي حديث لـ "الخليج أونلاين"، تقول سناء: "ما دام أمر الزواج لا يعارض الدين ولا العرف، وهو حق مباح للمرأة التي يتغيّب عنها زوجها لفترة طويلة، فما المانع؟"، لافتة إلى أنها سألت شيخاً حول هذا الموضوع، فطلب منها أن تدخل في عدة شرعية مدتها أربعة أشهر وعشرة أيام إذا كانت ترغب بالزواج.

وتضيف: "دخلت في العدة بشكل فعلي، وسأتزوج بعد انتهائها من شاب تقدّم لها".

أما صباح (28 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال، فتعيش صراعاً بين وفائها لزوجها الذي أمضت معه نحو عشر سنوات، وبين رغبتها بأن يحمل معها شخص آخر المسؤولية في تربية أولادها.

وتقول في حديث لـ "الخليج أونلاين"، إن زوجها معتقل منذ نحو سنتين، وهي لا تعرف عنه شيئاً، مشيرة إلى أنها تلقّت معلومات عن طريق بعض المعتقلين الخارجين من سجون النظام بأنه مات تحت التعذيب، لكنها لم تتسلّم أياً من أوراقه الرسمية.

وأضافت صباح: "إذا وجدت الشخص المناسب الذي يتكفّل بمساعدتي في تربية أطفالي فسأقبل بالزواج منه؛ لأنني تعبت من تعرّضي لمختلف أشكال التحرّش والأقاويل"، مؤكدة أن الارتباط الشرعي برجل "يحميها"، "أرحم من كل هذا الانتظار لرجل بات مصيره مجهولاً".

- للأمهات نصيب من المعاناة

ولا تقف القصص عند الزوجات، فهناك الحاجّة فضّة الحسين (65 عاماً)، التي تقول إن زوجة ابنها المعتقل تركت أطفالها الخمسة وتزوّجت من أول رجل تقدم لها.

وفي حديث لـ "الخليج أونلاين"، لفتت الحسين إلى أن زواج زوجة ابنها "أثر في نفسها؛ لأنها لم تكن وفيّة لزوجها الذي كان يحبها كثيراً"، كما أنها تلومها لأنها "لم تفكّر في مصير أو مستقبل أولادها الذين تركت تربيتهم لعجوز مثلي لا تكاد تقوى على خدمة نفسها".

ووصفت الجدة تصرفات زوجة ابنها بأنها "كانت في منتهي الأنانية"، ولا تشعر بالمسؤولية تجاه أطفالها، مشيرة إلى أنها "لم تسمع عن أمّ تنسى فلذات كبدها وتكون بهذه القسوة من أجل العيش مع رجل آخر".

اقرأ أيضاً :

بسبب غياب المدرسة والأسرة.. أطفال سوريا عرضة للانحراف والتطرّف

- معاناة غياب المعيل

الباحثة الاجتماعية غادة العبد الله، أكدت أن الحرب السورية "أفرزت عشرات الآلاف من الضحايا من النساء والأطفال الذين أصبحت تتقاذفهم المصائر المختلفة، في مجتمع تحكمه عادات وتقاليد صارمة، وخاصة في نظرته للمرأة بشكل عام، وللأرملة والمطلقة والمتغيّب عنها زوجها بشكل خاص".

وفي حديث لـ "الخليج أونلاين"، تضيف العبد الله: "هذه الشريحة من النساء تعيش معاناة مضاعفة نتيجة غياب المعيل الرئيسي، ونتيجة الظروف الاقتصادية والمادية الصعبة التي تجبرها على النزول إلى سوق العمل".

وبسبب الحاجة فإن أولئك النساء يقبلن بممارسة أعمال تخالف طبيعتهن الأنثوية أحياناً، وبعيدة عن مقر سكنهن، ليجدن أنفسهن مجبرات على الاختلاط بالرجال والمرور على حواجز قوات النظام، التي لا تدخر جهداً في التعرّض والإساءة للمرأة عندما يعرفون أنها زوجة معتقل، كما تقول الباحثة.

وتؤكد العبد الله أن المرأة التي تكدح من أجل تأمين لقمة أولادها في غياب المعيل الأساسي "باتت تتعرّض للكثير من الأقاويل والإشاعات التي تمسّ سمعتها، وتتعرّض لكل أشكال التحرّش، ما جعلها في حيرة من أمرها وعاجزة عن اتخاذ قرارات مصيرية في حياتها".

ولفتت إلى ضرورة أن "يُترك للزوجة التي يتغيّب عنها زوجها لسنوات طويلة حرية الاختيار بين الارتباط برجل آخر أو البقاء، دون أي ضغوط من أطراف خارجية. لأن ذلك يدخل في إطار الحرية الشخصية". كما أن أمر الزواج "لا يخالف الشرع ولا ينتقص من قيمة العادات والتقاليد أو يضرّ بها"، بحسب العبد الله.

- شروط الطلاق

المحامي عبد القادر الشيخ محمد، أكد أن المحاكم الشرعية في سوريا، سواء في المناطق الخاضعة لسلطة النظام أو تلك الخاضعة لسلطة المعارضة، "تتخذ من مرور سنة كاملة على غياب الزوج دون معرفة مكانه أو عنوانه شرطاً لطلب الطلاق والتفريق".

وأضاف محمد لـ "الخليج أونلاين"، أن المحاكم الشرعية، سواء في مناطق النظام أو مناطق المعارضة، تتلقّى يومياً عشرات دعاوى الطلاق من زوجات معتقلين ومغيّبين قسرياً مجهولي المصير والمكان.

وأوضح أنه وبسبب ارتفاع عدد المغيّبين والمعتقلين، الذي تجاوز المئتي ألف معتقل، وفق إحصائيات غير رسمية، فإنه "لا يرى مانعاً أدبياً أو أخلاقياً من زواج زوجة المعتقل من رجل آخر"، مؤكداً أن في ذلك "حماية للمرأة وحصانة لها".

ودعا محمد منظّمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية إلى القيام بحملات توعية في المجتمعات المحلية لشرح حقوق زوجات المعتقلين والمغيّبين، والعمل على تغيير نظرة المجتمع لهن، والاستجابة لمتطلباتهن، وإيجاد وسائل حماية لهن ولأطفالهن.

يشار إلى أن عدد المعتقلين في سجون قوات النظام السوري يقدّر بنحو 92 ألف معتقل، وفق إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان. في حين تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى أن العدد يتجاوز ذلك بكثير.

مكة المكرمة