تواجه تحدي الهويّة.. ماذا تعرف عن طائفة "البوماك" المسلمة؟

تاريخها وثقافتها ما زالا غائبين عن الكثيرين

تاريخها وثقافتها ما زالا غائبين عن الكثيرين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 14-08-2017 الساعة 13:41


في قرى مترامية الأطراف على سفوح جبلية، تنتشر بيوت كثيرة مسقوفة بالقرميد الأحمر، وبين أزقتها أناس يجوبون الشوارع بألوان ملابسهم الزاهية، في مشهد يرسم تفاصيل هوية تصارع لإظهار نفسها على خريطة العالم.

ألوان وزخارف مختلفة أصبحت جزءاً أصيلاً تعبّر عن ثقافة طائفة "البوماك" وهويتهم التاريخية. وعلى الرغم من أقليتها فإن تاريخها وثقافتها ما زالا غائبين عن الكثيرين.

و"البوماك" طائفة مسلمة بلغارية تقطن مناطق في دول البلقان (جبل رودوبي، وتراقيا الغربية، وجبل بيرين، وفاردار)، وتتوزع على قرى جبلية صغيرة منتشرة على طول بلغاريا، خاصة في المناطق الجنوبية.

10

9

2

1

تتميز طائفة "البوماك" بحبها الألوان الفاتحة والمختلطة، التي تظهر على الدوام في لباسهم التقليدي الذي يختلف بشكل بسيط من قرية إلى أخرى.

وجرت العادة أن يحرصوا على ارتداء اللباس التقليدي داخل حدود قراهم، كما يتميزون بحبهم للموسيقى خاصة في المناسبات والأعياد.

11

8

- الهوية المركبة

وتتركب شخصية "البوماك" من مزيج من الهويات المرّكبة: إذ يدينون بالإسلام ويقيمون الشعائر الدينية المستمدة من المذهب الحنفي (أحد المذاهب الإسلامية الأربعة) الذي دخل بلغاريا في عهد العثمانيين.

وهم أيضاً يستمدون أسماءهم من العربية؛ فتجد في ذكورهم محمد، وخليل، وفائق، ويوسف، كما تنتشر في أوساط الإناث أسماء فاطمة، وآمنة، وعائشة، وزينب.

الهوية المركّبة يمكن ملاحظتها كذلك من أسماء العائلات المنتشرة هناك، فتجد عائلة "عربوفي" (نسبة إلى العرب)، و"بوشناقوفي" (نسبه للبوشناق)، وتسميات أخرى يعتقد كثيرون أنها ترجع للتفاعل الإنساني مع باقي دول العالم.

"إفجينيا إيفانوفا" أستاذة الأنثروبولوجيا والثقافة في الجامعة البلغارية الجديدة، تؤكد في كتابها "البوماك آراء ونظريات لهويتهم المعاصرة"، ظاهرة انتسابهم إلى البلغار والأتراك والعرب، لكنهم لم يأخذوا حقهم من الدراسة الأكاديمية لتأكيد ذلك.

لكن "إيفانوفا" ترجع سبب تعدد الهويات داخل المجتمع البوماكي إلى المصالح السياسية وانعكاساتها في منطقة البلقان.

وعن ميّزاتهم تقول، إنهم يرتبطون بالهوية الجبلية الزراعية، فأغلب قراهم متوزعة على سفوح الجبال البلغارية التي لجؤوا إليها عبر القرون الماضية.

- التعليم الديني

مع بداية حكم النظام الشيوعي للبلاد سنة 1945، كانت نسبة الأمية مُرتفعة جداً لدى طائفة البوماك، وكذلك فإن التعليم الديني كان متدنياً، هكذا يقول الأكاديمي والداعية الإسلامي في بلغاريا "سلوي مراد".

ولـ"الخليج أونلاين" قال مراد: "إن التعليم الديني للبوماك يحتاج إلى توضيح على مدى قرن من الزمان على الأقل، نظراً لما مرّ به خلال النظام الشيوعي".

ويشير إلى أن المسلمين، وخاصة المعلّمين وأئمة في المساجد، تعرضوا للاضطهاد خلال تلك الفترة.

ويزيد بالقول: "بعض الذين اهتموا بالتعليم الديني سُجنوا، وبعض آخر هُجّرَوا إلى خارج البلد أو إلى مناطق أخرى داخل بلغاريا".

وبقي وضع التعليم الديني في البلاد هكذا حتى سقوط النظام الشيوعي سنة 1989، بحسب مراد.

- شهادة اضطهاد حيّة

طائفة البوماك تعرضت لحملات اضطهاد من قبل النظام الشيوعي، وهنا تروي المواطنة البلغارية خديجة غيتوفا (57 عاماً) قصتها مع محاربة الهوية.

وفي شهادة حصرية لـ "الخليج أونلاين" تقول خديجة: "عام 1972 كان عمري 12 عاماً، جاءت أوامر من الحزب الشيوعي بتغيير كشوفات أسمائنا في المدرسة من العربية الإسلامية إلى السلافية"، وتضيف: "تغير اسمي من خديجة إلى آنا".

وتذكر أن الأهالي رفضوا ذلك، وبدؤوا بمخاطبة السلطات المعنية من خلال رسائل احتجاجية، لكن "دون جدوى".

عدم التعاطي مع رسائلهم دفع البوماكيين إلى تنظيم مظاهرة، لكنها قوبلت بالفض من عناصر الجيش البلغاري، وتطور الأمر إلى اقتحام قرية "كورنيستسا" (تعيش فيها خديجة) وإطلاق النار على الناس.

وتزيد بالقول: "كان والدي من قادة المظاهرة. اقتحم الجيش بيتنا واعتقلوه، وبقي في السجن 12 عاماً دون السماح بزيارته خلال العامين الأولين".

"هجرونا قسرياً إلى شمال بلغاريا مدة 3 سنوات، مع عائلات أخرى شاركت في تلك الاحتجاجات"، تضيف خديجة.

*فيديو يظهر لحظة إعلان البرلمان البلغاري إعادة حق المسلمين بأسمائهم القديمة

- مفاهيم خاطئة

يروج اعتقاد لدى كثيرين بأن البوماك أشخاص منغلقون يرفضون الاندماج والتفاعل مع الآخرين، إلا أنهم يمتازون بطبع ودود وكريم، ويتقبلون الجنسيات والأقليات والشعوب الأخرى.

وبحسب مطلّعين على الثقافة البوماكية فإنهم ينأون بأنفسهم على سبيل الحماية؛ نظراً لما تعرضوا له من اضطهادات وانتهاكات خلال فترة الحكم الشيوعي.

ويشيع للبعض أن تقاليد البوماك وهويتهم محصورة بقرية واحدة تسمى "ريبنوفو" الواقعة على جبل الرودوب الغربي.

وعن ذلك يوضح الباحث في الفكر الإسلامي البلغاري، ولي زومان، لـ "الخليج أونلاين" بالقول: إن "اختزال الصورة المنقولة للعالم عن البوماك وتقاليدهم بقريةٍ أمر لا يصدق وغير منطقي".

7

3

- مستقبل الهُوية

ويتخوف كثير من المنتمين إلى طائفة البوماك من مستقبلها؛ إذ إنها تشكل أقلية في المجتمع البلغاري وباقي دول البلقان.

ويترواح عدد أفراد الطائفة بين 250 و300 ألف شخص فقط في بلغاريا، لكنه يمكن أن يزيد إذا ما جرى أخذ المهاجرين منهم إلى دول العالم مؤخراً بالحسبان.

وفي هذا السياق يعود "مراد" للحديث بالقول إن "تجاوز التحديات سيرسم مستقبلاً مشرقاً لهذه الطائفة".

وأضاف موضحاً: التحديات "أولها الحفاظ على الهوية المسلمة في وسط مجتمع غير قابل للتعددية، والثاني يتمثل في اندماج البوماك بكل جوانب الحياة مع الحفاظ على هويتهم".

مكة المكرمة