بين السخرية والخوف.. هكذا غيّر فيروس كورونا نمط حياة التونسيين

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/JvrXxy

227 مصاباً بكورونا في تونس حتى 27 مارس 2020

Linkedin
whatsapp
الجمعة، 27-03-2020 الساعة 16:47

على وقع ضجيج الخوف والهلع من فيروس كورونا، الذي أحدث رجةً قويةً بعثرت حياة الشعوب، تغير نمط حياة التونسيين، الذين دخلوا، منذ تسجيل أول حالة إصابةٍ في 2 مارس 2020، في دوامةٍ من الخوف والرعب الممزوج بتعليقات ساخرةٍ، فسّرها مختصون في علم الاجتماع برد فعلٍ عكسي لمحاولة الهروب من الواقع، للتخفيف من حالة الهلع.

ومع ارتفاع عدد الإصابات المؤكدة بـ"كورونا" إلى 227، حتى الجمعة 27 مارس 2020، بينهم 6 وفيات، أقرت السلطات التونسية جملةً من الإجراءات المشددة للسيطرة على هذا الوباء؛ إذ قررت فرض الحظر الصحي الشامل، وأجبرت الشعب على عدم مغادرة المنازل، قبل أن تغلق المدارس والجامعات، وكذلك المطاعم والمقاهي، وتأجلت كل الأنشطة الثقافية والرياضية، ولم تبقَ غير محلات بيع المواد الغذائية والصيدليات مفتوحة؛ إلى أجلٍ غير معروف.

إجراءات استصعبها أغلب التونسيين الذين أكدوا أنهم وجدوا صعوبة في التأقلم مع الوضع الجديد، خاصة بعد منع التجمعات، وحظر إقامة الحفلات، وغلق الأسواق الأسبوعية، لكنهم سيلتزمون بتطبيقها لحماية أنفسهم من إمكانية انتقال عدوى الفيروس إليهم، فيما يتعمد جزء منهم السخرية منها، وخرقها لمحاولة ممارسة حياته العادية.

سخرية سوداء ولهفة غير مبررة

ما إن أعلن وزير الصحة التونسي عبد اللطيف المكي، تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا لدى شخص أربعيني عائد من إيطاليا حتى أغرق التونسيون مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات ساخرة، ونكتٍ مضحكةٍ، تصدّرها وسم "لقد أتت"، كتقليدٍ ساخرٍ للغة العربية التي يلتزم باعتمادها رئيس البلاد قيس سعيد في كل خطاباته وتصريحاته الإعلامية، وكأنّها ردة فعل عكسية لما يجب أن يكون.

وأحدث بعض التونسيين مجموعةً على موقع فيسبوك باسم "مصابي فيروس كورونا في تونس"، يتبادلون فيها التعليقات الفكاهية والساخرة من الفيروس ومن الإجراءات التي تقوم بها السلطات التونسية لمواجهة تفشي الوباء.

كورونا

النكت الساخرة التي أطلقها تونسيون اعتبرها الباحث في علم الاجتماع، سامي نصر، وسيلة دفاعية، أو محاولة لـ"قهر القاهر"، مشيراً إلى أنّ هذا النوع من السخرية ينتشر عادةً خلال الأزمات الاجتماعية في حال لم تكن تمثل خطراً على المجتمع.

وأضاف نصر في تصريحه لـ"الخليج أونلاين" أنّ الشعب يحاول التغلّب على هذه الأزمة معنوياً، خاصةً أنّها تعبر عن حيوية التونسيين مثلها مثل الاحتجاج والتظاهر، وهي تحمل عدة رسائل مبطنة، لافتاً إلى أنّ الساخرين ينقسمون إلى جزئين؛ أحدهما يعاني فوبيا الخوف، والثاني يتصرّف باستهتار.

كما تناقل رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهافتاً وتدافعاً على متاجر المواد الاستهلاكية في تونس، حيث هرع المواطنون لتخزين حاجياتهم من مواد غذائية أساسية خوفاً من انتشار فيروس كورونا، الأمر الذي دفع منظمة الدفاع عن المستهلك إلى التدخل للحد من اختلال توازن السوق.

وعمدت بعض الصيدليات إلى الرفع في بعض المواد، في الوقت الذي أقبل فيه التونسيون على اقتناء الكمامات والمطهرات الطبية بعدما كانت مفقودة لأيام عديدة ومحل طلب ملح من المواطنين، وهو ما وصفه المسؤولون بأنه "استغلال للوضع" من قبل أصحاب الصيدليات وغيرهم من التجار.

خوف يحكمه الوعي

هذا الوباء الذي أحدث هزةً قويةً في العالم بعثر نمط حياة الشعب التونسي، وأدخلهم في دوامةٍ من الخوف والرعب، إذ باتوا يتبعون إجراءاتٍ وقائية مشددة بوجه هذا الفيروس، وأجبرهم على اتّباع قواعد صحية مشددة، كما غير عاداتهم الاستهلاكية اليومية.

ولأن مواقع التواصل الاجتماعي باتت الملجأ الوحيد للتونسيين الملتزمين بالحجر الصحي الشامل الذي فرضته السلطات، للتفاعل مع الخارج ومتابعة المستجدات، فقد أطلق عدد كبير من المسؤولين والأطباء والسياسيين التونسيين وسم "شد دارك" (ابق بمنزلك)، لتوعية التونسيين بضرورة الالتزام بالحظر الصحي وملازمة بيوتهم، لتجنب الاختلاط بالناس، ومن ثم تسجيل أقل عدد ممكن من المصابين، ولتسهيل عمل السلطات في السيطرة على هذا "الطاعون الأسود".

تونس

وتعوّد السكان سريعاً على الوقوف صفاً واحداً وبانتظام، مع ترك مسافة الأمان خلال الوجود بالمحلات التجارية، ودخلوا في حركية يسودها الحذر والسعي إلى التنظيم في التنقلات وقضاء الحاجيات، فركنوا إلى نظام الطوابير، ومسافة المتر الفاصلة بين الأشخاص أمام المراكز التجارية الكبرى والصيدليات والبنوك وغيرها، بينما خفت الحركة بشكل واضح في السوق المركزية للخضراوات والغلال والأسماك وحوله.

هذا السلوك الواعي وصفه المختص في علم النفس الاجتماعي محمد الجويلي، بالتقدير الإيجابي للظرف الذي تمر به البلاد، لافتاً إلى أن كل دول العالم، ومن ضمنها الدول المتقدمة، واجهت صعوبة في فرض سلوك معين يلتزم به الجميع في نفس الوقت.

واعتبر الجويلي في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن التونسيين لم يقتنعوا في بداية الأمر بملازمة منازلهم وعدم الخروج منها، ووقع التقيد بإجراءات الحكومة بدرجات متفاوتة، لكن بتقدم الوضع اقتنعت الغالبية الكبرى بذلك، وهو ما يعتبر مؤشراً إيجابياً، على تفشي الوعي المجتمعي لدى المجتمع التونسي.

مدن معزولة ومساجد دون مصلين

الحياة تغيرت كثيراً في تونس؛ فقد قلّت الحركة بشكلٍ واضحٍ في الطرقات، بعد أن قررت السلطات منع التنقل بين المحافظات، وعزلت بعض المدن على غرار مدينة جربة، والقلعة، ومحافظة سوسة، وبنزرت.

ويقول في هذا الصدد سفيان شعباني، صاحب سيارة خفيفة، إنه لازم المنزل ولم يعد باستطاعته نقل العاملات في القطاع الفلاحي إلى الضيعات للعمل فيها؛ لأن أعوان الحرس الوطني قد حجزوا رخصة قيادته، وكذلك أوراق السيارة؛ بتهمة خرق الحظر الصحي الشامل، والتنقل دون موجبٍ قانوني.

كو

وأضاف الشعباني في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، أنه لن يفقد عمله وحده، بل أيضاً المزارعات اللاتي يؤمنَّ قوتهن وقوت أطفالهن بهذا العمل محدود الدخل، كما سيتضرر أغلب الفلاحين التونسيين إذا ما تواصل تطبيق هذا الإجراء.

ولأول مرة في تونس أغلقت جميع المساجد أبوابها واكتفى المؤذنون برفع الأذان، استجابة لقرار رئيس الحكومة بمنع صلاة الجماعة، بما في ذلك صلاة الجمعة، ضمن حزمة من الإجراءات للسيطرة على تفشي فيروس كورونا.

وأثار هذا القرار غضب عدد من التونسيين، الذين اعتبروا غلق مصانع الكحول أولى من غلق المساجد، إذ كتب أسامة قميدان أن الدولة عاجزة عن وقف بيع الخمور، ولا تقوى إلا على غلق المساجد وعلى رجال الدين، فيما تساءل محمد أمين بن بوبكر: "هل غلق المساجد التي لا يدخلها إلا الطاهرون أهم وأولى من غلق الفضاءات التجارية والأسواق؟".

مكة المكرمة