"بنت مكة" تُشعل غضباً.. هل بدأ الانقسام يظهر في السعودية من الانفتاح المفرط؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/mN21dx

الأمير خالد أصدر قرارات منافية لمسيرة الانفتاح

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 21-02-2020 الساعة 18:01

لعل مسيرة الانفتاح التي تجري بشكل متسارع في مدن السعودية، والتي يقودها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لا تعجب بعض أركان الحكم في عائلة آل سعود، خصوصاً مع الجدل الذي تثيره في صفوف المواطنين بين رافض ومتقبل أو صامت على تحول البلاد.

وربما يوجد الكثير من الرافضين للوضع الحالي في المملكة الذي قلب المدن السعودية رأساً على عقب خلال سنوات قليلة فقط، مع قدوم الملك سلمان بن عبد العزيز إلى الحكم، مطلع عام 2015، والتأسيس لحقبة جديدة برفقة نجله محمد الذي يتصدر غالبية المشهد.

أمير مخالف

ولعل أكثر من يبدو من الأمراء مخالفاً للتوجه العام لدى السلطات السعودية هو أمير منطقة مكة المكرمة، خالد الفيصل، الذي يعطي قرارات جدية بين حين وآخر لملاحقة مرتكبي مخالفات باسم الانفتاح داخل المملكة، خصوصاً مع حالات الجدل والغضب التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي رافضة حالة التغيير السريعة الجارية في البلاد.

ومن آخر قرارات خالد الفيصل التي توضح ما يجري توجيهه بإيقاف المسؤولين عن إنتاج "فيديو كليب" لأغنية راب تحمل اسم "بنت مكة"، معتبراً أنه مقطع "يسيء إلى عادات وتقاليد أهالي مكة المكرمة، ويتنافى مع هوية وتقاليد أبنائها الرفيعة".

ونشر حساب "إمارة منطقة مكة" على تويتر، يوم الخميس (20 فبراير الجاري)، توجيهات الفيصل، وشملت إحالة المنتجين للجهات المختصة للتحقيق معهم وتطبيق العقوبات بحقهم.

و"بنت مكة" أغنية راب انتشرت على قناة "أصايل سلاي" بموقع "يوتيوب"، تضمنت تلميحات لـ"جمال فتيات مكة ودلعهن وأوصافهن"، مع مقارنات وفخر وما إلى ذلك.

وجرى تصوير فيديو الأغنية داخل مقهى في مكة المكرمة، برفقة أطفال وشباب أدوا رقصات مختلفة على وقعها، بالإضافة لوجود شاب وفتاة على إحدى طاولاتها، في ظاهرة جديدة لم تكن موجودة في البلاد.

وانتشر جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي ضمن وسم "لستن بنات مكة"، الذي نشرته "إمارة منطقة مكة"، إذ هاجم آلاف المغردين العاملين على الأغنية، معتبرين أنها لا تصلح في مكة إنما في تكساس الأمريكية، مطالبين بالتحرك لإيقاف هذه الإساءات المقصودة والمبرمجة.

وقال أحد المغردين: إن "وضع حد لهذه الإساءات المقصودة والمبرمجة لأشرف بقاع الأرض لا يتم بالنواح والاستنكار والقهر والهاشتاغات، وأعتقد أن مشغلي الفتيات الراقصات يضحكون الآن على قهركم، وربما الكليب الثاني سيكون على سطح الكعبة من يعلم؟".

فيما أضاف آخر بالقول: "هؤلاء هن بنات مكة، فـ(عادة الخليف) عادة جميلة مشهورة عن أهل مكة في يوم عرفة، فبينما ينشغل الرجال من أهل مكة بخدمة الحجيج في المشاعر، تنشغل النساء والفتيات والأطفال من أهل مكة بالعبادة في ساحات الحرم كي لا تخلو من المتعبدين".

وسخر أحد المغردين من المقطع بالقول: "لا كلمات عدله (جيدة)، لا صوت، لا شكل، لا استايل لبس، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها".

في حين كانت بعض التعليقات عنصرية تجاه عِرق المغنين لا الفكرة العامة، معتبرين أنّ الذين قاموا بتمثيل الأغنية أفارقة ذوو بشرة سوداء وليسوا من أهل مكة.

فقالت إحداهن: "والله ماني شايفة مكة فالموضوع! أنا شايفة أفريقيا كلها متجمعة، إلى متى وهالأجانب يتكلمون بهوية مكة والحجاز والغربية إلى متى؟ افتخروا بأصولكم الأفريقية يا أخي! ما تجمعكم بمكة أي صلة غير أنكم وافدون ومخلفات حج، فيا غريب كُن أديب !لا أنتي ولا الي (الذي) معاك يمثلونا".

واعتبر آخر أنه "فيديو غبي وإن دل فهو يدل عن فئة دونية لا تنتمي لمكة، وبنات مكة أشرف مما ذكر، وهذه نهاية الإحسان للأجانب، ونتمنى من الجهات المختصة ممثلة في سمو الأمير خالد إنزال أكبر العقوبات، وأولها النكد من جنسياتهم، والضرب بيد من حديد لكي يكونوا عظة وعبرة لغيرهم".

وعلق الأكاديمي أحمد بن راشد بن سعيد على المقطع قائلاً: "عرض الراب هذا الذي قدّمته من أسمت نفسها بنت مكة يسيء بالفعل إلى بلد الحرمين. لكن محاسبتها ومنتجي الفيديو ليست كافية، لأنها مجرد مسكّن، فالمحيط يشجع على مثل هذه الأعمال، وإنك لا تجني من الشوك العنب. أما القول إن البنت ومن معها ليسوا سعوديين فهو عنصرية، وفرار من سيئ إلى أسوأ.

دعم شعبي

ونال الأمير خالد الفيصل دعماً شعبياً واضحاً على مواقع التواصل لقراره بإيقاف القائمين على الأغنية، مؤكدين أنه ينتصر لهوية الحجاز الإسلامية الأصيلة.

فقال أحد المغردين: "سمو الأمير ينتصر لهوية الحجاز الأصيلة، ولعادات وتقاليد وثقافة الحجاز، ويعطي درساً بحزم للجميع للحفاظ على الهوية السعودية بصورة عامة، لعدم المساس بها بعد إساءة بنت مكة".

وبيّن أحدهم أيضاً: "بلدنا بخير ما دام فيه مسؤولون أمثال خالد الفيصل يتحملون الأمانة ويرفضون كل ما يسيء لمجتمعنا وعاداتنا ويشوه سمعة بلدنا، الشعب السعودي يستنكر هذه الأفعال الشاذة لذا قال لستن بنات مكة، وتفاعل المسؤول الأول في مكة يؤكد ذلك".

وللأمير الفيصل قرارات مشابهة ومخالفة لنهج الانفتاح الذي تسير عليه المملكة في الوقت الحالي، فقد سبق له أن أغلق مرقصاً بعد انتشار مقطع مصور لمواطن سعودي يشتكي من وجوده قرب بيته في مدينة جدة التابعة لمنطقة مكة المكرمة.

وأظهر المقطع المواطن السعودي وهو يقول: "على مدار الأسبوع ما نعرف نرقد"، ثم يفتح باباً ويسمع منه صوت الموسيقى والأغاني، وتساءل منفعلاً: "كيف أربي بناتي؟ أنا عندي 3 بنات أكبرهن في المتوسط".

وتساءل المواطن في المقطع: "هل هذا شرع 2030؟ أم شرع (مفتي المملكة الراحل) الشيخ عبد العزيز بن باز، و(الشيخ الراحل) محمد بن صالح العثيمين؟".

وبعد تسبب المقطع بإثارة جدل واسع على مواقع التواصل، أصدر أمير منطقة مكة المكرمة، الأمير خالد الفيصل، قراراً بإغلاق المكان محل الشكوى.

وأفادت إمارة منطقة مكة عبر حسابها الرسمي على موقع تويتر "بتوجيه أمير منطقة مكة خالد الفيصل.. شرطة المنطقة تغلق مطعماً تصدر منه أصوات الموسيقى داخل منطقة سكنية وإحالة مالكه للجهات المختصة".

وكانت ردود الفعل بغالبيتها تؤيد المواطن السعودي في خوفه من الانفتاح الجاري في المملكة، وتدعم قرار خالد الفيصل في إغلاقه، وتشكره على ذلك، الأمر الذي يكشف مدى الانزعاج الكبير في الشارع والمجتمع السعودي مما يجري في البلاد من تغيرات جذرية.

ولا يُعرف مدى تأثير قرارات الأمير السعودي على النهج العام السائد في المملكة، خصوصاً في ظل الصلاحيات الواسعة التي حصلت عليها هيئة الترفيه التي تدير دفة التغيير وعلى قرب من ولي العهد.

وتشهد المملكة، منذ وصول بن سلمان إلى السلطة بتوليه ولاية العهد، في يونيو 2017، حالة جديدة غير مسبوقة في المجتمع؛ تجسّدت في انفتاح هائل بمجالات الموسيقى والغناء والمرأة، في حين قيّد من جانب آخر الأصوات الرافضة لهذا الانفتاح.

ودعم بن سلمان سلسلة قرارات قضت بالتخلّي عن عدد من القوانين والأعراف الرسمية التي اعتمدتها البلاد على مدار عقود، أبرزها السماح للنساء بقيادة السيارة، وكذلك دخولهن ملاعب كرة القدم، فضلاً عن إقامة عرض للأزياء وافتتاح دور سينما، إضافة للحفلات الصاخبة والمختلطة، وهو ما واجه انتقادات شريحة واسعة من المجتمع.

وأودع في السجون مجموعة من أبرز الدعاة السعوديين وأكثرهم شهرة على مستوى العالم الإسلامي؛ في خطوة هدفت إلى منع الآراء المضادة، وإن كانت تصدر من شخصيات دينية معتبرة.

يشار إلى هيئة الترفيه التي تقود مسيرة الانفتاح في المملكة تحت إشراف مقربين من ولي العهد، تنال نقداً واسعاً من قبل المجتمع السعودي الذي تراه يعبث في أخلاقياته وعاداته وتقاليده.

مكة المكرمة