الصقر في الخليج.. تقام له المهرجانات وتصدح به حناجر الشعراء

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/wZ2xNR

للصقر عند الخليجيين مكانة عظيمة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 16-02-2020 الساعة 11:40

يقول الحطيئة في قصيدة له: "تفادى كُماة الخيل من وقع رمحه.. تفادي خشاشِ الطير من وقع أجدل"، وفي هذا البيت بيان قوة الممدوح وحسن ضربه بالرمح؛ حتى إن الفرسان لتتجنب ملاقاته في الحرب، وتتفاداه تفادي صغار الطير للصقر، وكأن رماح الممدوح مصوَّبة بدقة الصقر في أثناء الوقوع على فرائسه.

يتبين من البيت السابق للحطيئة ورود ذكر الطير في الصورة الشعرية التي شبَّه فيها دقة رماح الممدوح، بدقة الصقر في رؤيته فرائسه وقدرته الفائقة على اصطيادها.

ويقول ذو الرمة: "أمير أبي موسى ترى القوم حوله.. كأنَّ هم الكروان أبصر بازياً"، وأراد ذو الرمة أن يبين من خلال هذا البيت الشعري، حال القوم وهُم بين يدي الأمير، وهيبتهم له، فوصفهم بطائر الكروان حينما يرى طائر الصقر.

ذلك بعضُ ما جاء في أشعار العرب القديمة عن الصقور، التي ضربوا بها المثل في القوة والهيبة والمنعة والكبرياء والسيادة.

وتذكر المصادر أن أول من صاد بالصقر هو الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، حيث كان واقف يوماً عند صياد عمد إلى نصب شبكة للعصافير، فانقض الصقر على العصفور وأكله، فأخذه ووضعه في بيت وأوكل إلى أشخاص إطعامه وتدريبه على الصيد.

وبينما كان الصقر معه ذات يوم انقضَّ الصقر على أرنب وأخذه، فأحبّه، وصار العرب يستخدمونه وسيلة للصيد.

الصقور في بلدان الخليج

الحديث عن الصقور يعني حتماً التطرق إلى العلاقة الوثيقة التي تربط الخليجيين بذاك الجارح القوي المهيب الحساس، الذي يعتبره العرب رمزاً للكرامة والعز والقوة والمنعة.

وتعتبر تربية الصقور بالنسبة لشعوب الخليج هواية يستمتع بها كل من بالمنزل؛ بل إنه في بعض الحالات يعتبر الصقر جزءاً من العائلة.

والصقر حاضر بقوة في الشعر النبطي الذي تشتهر به شعوب الخليج، وينال مكانة كبيرة بينهم.

ومن أقوالهم فيه: "طير السعد من كفه الدم شلال.. بالمخلب الساطي عطيب المضاريب.. ولا يغرّك بالرخم كبر الأزوال... وكبر النسور المهدفات المحاديب".

ومما قيل أيضاً: "طيور الحرار إلها مكانة وتعبار.. وقدره يعرفه كل من عاش معها.. قدره يعرفه صاحب الميز والكار.. ليا ذعذع الوسمي شنوده جمعها".

 

أنواع مختلفة

وللصقور أنواع عديدة، وتختلف سلوكياتها وطرق صيدها باختلاف المناطق التي تعيش فيها.

فهناك صقور تعيش في المناطق المتجمدة مثل صقر الجير، وهناك صقور بالمناطق الجبلية الساحلية كصقر الشاهين.

ومن الصقور تلك التي تعيش في المنحدرات الحادة العالية كصقور الحر.

ولا يمكن تمييز جنس الصقر عن طريق لون الريش أو الشكل، فإناث الصقور غالباً ما تكون أكبر حجماً من الذكور.

ونزولاً عند بداية تاريخ ارتباط أهل الخليج بالصقور، كان الأجداد على تلك الأرض منذ قرون طويلة يعتمدون على الصقور في صيد الطيور والحيوانات لتوفير طعامهم، أو بيع صيدهم، فكانت حينها تمثل مصدر رزق لعدد كبير من السكان.

وهنا كان لازماً أن تنشأ علاقة قوية بين الصقر وصاحبه وهي علاقة لا تعقد بسهولة؛ بل هو ارتباط صعب، وقد يفك الصقر ارتباطه وعلاقته بصاحبه إذا ما شعر بشيء من اللامبالاة.

وكان وفق ذلك، على صاحب الصقر أن يكون بارعاً في علاقته مع صاحبه الصقر، ومراعياً لمشاعره، وأن يجالسه ويخالطه فترات طويلة.

تجارة ومنافسات ومهرجانات

بمرور الزمن، تحوَّل الصقر إلى رمز من رموز منطقة الخليج العربي، بعد أن ورث الناس هناك حُب هذا الطائر، حتى صارت تربيته هواية تتشرب حبَّها الأنفس، ويمارسها الناس بشتى أعمارهم.

وفضلاً عن كونها هواية، تحولت تربية الصقور إلى واحدة من بين الاستثمارات المربحة، التي يقبل عليها سكان الخليج.

وتبدأ الحركة الشرائية للصقور في الانتعاش بمعظم الأحيان، مع بدء موسم الصيد بحلول الشتاء، حين يزداد وقتها الطلبُ، علاوة على حلول موسم الفرائس المختلفة، من طيور الحبارى وغيرها.

وهنا يبدأ البحث عن أفضل السلالات من حيث القوة والمهارة، بالإضافة إلى هذا فإن أسعار الصقور تتوقف على مواصفاتها من حيث السلالة والحجم واللون.

واليوم في بلدان الخليج هناك اهتمام كبير بإقامة منافسات رياضية محلية ودولية للصقور، وتعرف تلك الرياضة في الخليج بـ"الصقارة"، ولها أيضاً أسماء محلية مثل البيزرة، وهي من الرياضات التراثية القديمة.

أنواع الصقور

بشكل عام يمتاز الصقر بصفات عديدة، ومزايا فريدة جعلته متميزاً عن بقية الطيور والجوارح.

فبالإضافة إلى كونه يُعد من أسرع الجوارح، فهو صياد صبور، يتحمل الجوع والعناء، ويتميز بوقفة شامخة وحدّة بصر قوية وعينين جميلتين، ويتمتع أيضاً بالذكاء والقوة والشجاعة والشيمة، إضافة إلى أنه حساس لا يرضى أن يهمله صاحبه.

والصقر مثل الهجن والخيل له سُلالات كثيرة، أهمها: الحر، والشاهين، والوكري، والهيثم، والمعرجي، والقطامي، والأسعف، والزهدم.

وأحب العرب هذا الطائر العجيب، وشبّهوه برجالهم وأولادهم، فهو لا يسكن إلا في الأماكن الشامخة من الجبال العالية، ويمتلك الذكاء القوي الذي مكّنه حتى من معرفة الاسم الذي يُنادى به، وكذلك معرفة صاحبه بعد تدريبه، فضلاً عن أنه يفهم لغة الإشارة.

وتعتبر الصقور من أثمن الطيور سعراً، خاصةً الحر الأبيض والحر الأشقر، الذي يعد أكثر السلالات تفضيلاً لدى الصقارين؛ لما يتمتع به من الكفاءة والبراعة في القنص، وأيضاً لجَماله وحسن منظره، ومن صفاته: حاد النظرة وطويل الرقبة، يده كبيرة وعظمها متين، وريشه خفيف يميل إلى الدقة، ومتوسط الحجم.

الأمثال الشعبية

عند العرب أيضاً كان الصقر حاضراً في الأمثال، كذلك المثل الذي أُخذ من قصة مشهورة في الخليج، وتقول القصة: إن صياداً خرج ومعه صقر نادر إلى البر، كي يصيد من الرزق ما كتب الله له، ولكن عندما كان هذا الصقر الغالي الثمين يطارد الحباري اختفى عن أنظار صاحبه خلف جبل شاهق وهو يلاحق فريسته.

اتجه الصياد إلى المكان الذي اختفى فيه الصقر، وعندما وصل وجد رجلاً عند إبله، فسأله الصياد: هل مرَّ عليك طير؟ فقال الرجل: نعم، لقد وجدت طيراً يلحق طيراً وأنا الآن أشويهما.

فكان رد فعل الصياد أنه فوجئ بهذا الموقف الأليم الذي حدث لصقره الثمين، وعندما شاهد بالفعل صقره يُشوى في النار قال متحسراً: "صحيح، اللي ما يعرف الصقر يشويه".

مكة المكرمة