وقف مع فلسطين وظل محايداً بأزمة الخليج.. مواقف من حياة السبسي

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LrdJbq

وصل السبسي للحكم بطريقة ديمقراطية ومات وهو في منصبه موتاً طبيعياً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 25-07-2019 الساعة 16:16

عاصر المشهد السياسي في تونس منذ عهد الاستعمار الفرنسي، وتدرج في مناصب سياسية مختلفة حتى دخول قصر الرئاسة في قرطاج، عام 2014، ليرحل اليوم الخميس، عقب 5 سنوات من الحكم.

الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، وصل إلى الحكم بطريقة ديمقراطية، ومات وهو في منصبه ميتة طبيعية، عن عمر ناهز الـ93 عاماً، دون انقلاب عليه أو تعرض له، وذلك في ظل أنظمة عربية سلطوية ورئاسات تخطّت الديمقراطية لتصل للحكم.

السبسي رجل يرى مراقبون أن اعتباريته الذاتية تطغى على كثير من المعطيات الأخرى بمحيطه، ووزنه الشخصي ساهم -بشكل أو بآخر- في تغيير ملامح الخريطة السياسية للمحطات الفارقة بتونس.

وعرف الرئيس الراحل بمناصرته للقضية الفلسطينية وللحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولطالما تطرق لها خلال خطاباته. 

السبسي

أزمة الخليج والمرأة والدستور

وكان للسبسي خلال مسيرة حكمه العديد من المواقف التي حفظت له؛ ففي أزمة الخليج (حصار قطر في يونيو 2017) التي وقعت بين الأشقاء، اختار السبسي موقفاً حيادياً، مكتفياً بالتعبير عن ثقته فيما أسماه حكمة قادة الدول الخليجية لتجاوز الخلافات القائمة، واصفاً هذا الوضع "بالخلافات بين الإخوة داخل العائلة الواحدة".

وأكد السبسي أنه ليس من الضروري أن تكون لتونس مواقف متشنجة تجاه طرف دون آخر في مثل هذه القضايا، في إشارة إلى حصار قطر من قبل السعودية والبحرين والإمارات ومصر بتهمة دعم الإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة وتعتبره محاولة للسيطرة على سيادتها.

وفي أحد اللقاءات معه من قبل إذاعة "جوهرة إف إم"، في العام 2014، بيّن السبسي أن بلاده لها العديد من المشاكل مع الإمارات والبحرين ومصر، بينما قال إن قطر هي البلد الوحيد التي لا يوجد لتونس معها مشاكل، وتابع: "نحن بلاد صغيرة، وإمكانياتها متواضعة".

وعبّر السبسي عن رغبته في تنقيح الدستور، وخاصة فيما يتعلق بالنظام السياسي المتبع في البلاد وجعله نظاماً رئاسياً يمنح للرئيس سلطات إضافية.

ومع تأكيد التزامه بضمان حرية التعبير والصحافة في البلاد، عبر السبسي في بعض الأحيان عن عدم تفهمه انتقادات بعض وسائل الإعلام له.

إلى ذلك، قدم السبسي مقترح مشروع قانون يعفي الأشخاص الضالعين في الفساد زمن حكم الديكتاتورية من المحاسبة أثار جدلاً وتم تعديله لاحقاً ليشمل الموظفين في الدولة المتورطين في قضايا فساد إداري.

ووجهت للرجل في السنوات الأخيرة من عهدته الانتخابية انتقادات حول محاولته "توريث" السلطة لنجله حافظ قائد السبسي، ولكنه كثيراً ما كان ينفي ذلك.

وكانبتله مواقف حاول من خلالها مناصرة المرأة؛ إذ ألغى السبسي مرسوماً يمنع زواج التونسية المسلمة من غير المسلم، كما أعلن، في أغسطس 2018، دعمه لمشروع قانون غير مسبوق في العالم العربي يضمن المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً في البلاد.

بدايات حياته

ولد السبسي في 29 نوفمبر 1926، بضاحية سيدي بوسعيد شمالي العاصمة التونسية، ويشير تاريخ أسرته إلى أنه من أحفاد أحد المماليك الوافدين من جزيرة سردينيا (الإيطالية حالياً)، والذي كان مكلفاً بتنظيم طقوس تدخين التبغ لباي تونس حينها، وحاز الرجل ثقة حاشية الباي، وتزوج إحدى قريباته، وصار من أعيان البلاد.

ولم يكن السبسي بعيداً عن الحركة الوطنية التونسية إبان الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956)، حيث تقول حركة "نداء تونس"، في سيرة ذاتية للسبسي نشرتها إبان انتخابات 2014، إنه انخرط في الحزب "الحر الدستوري التونسي" حين كان في الـ15 من عمره.

وللسبسي بنتان وولدان، أبرزهما حافظ، الذي يقود حزب "نداء تونس" الذي أسسه الأب، في يونيو 2012.

ومنذ فجر الاستقلال، وتحديداً في أبريل 1956، أصبح السبسي موظفاً سامياً مكلفاً بالشؤون الاجتماعية في ديوان الحبيب بورقيبة، الذي كان حينها يتقلد منصب رئيس وزراء أول حكومة تونسية.

وطوال العهد "البورقيبي" تقلد السبسي عدة مهام سامية (1956 ـ 1987)، حيث عيّن مديراً للأمن، في يناير 1963، إثر محاولة انقلابية فاشلة حاول تنفيذها بعض معارضي بورقيبة، في ديسمبر 1962.

وفي 1969، شغل مهام وزير الدفاع، ثم سفيراً لدى فرنسا عام 1970، وبعدها وزيراً للخارجية عام 1981.

ولم يبتعد السبسي، المحسوب على "البلْدية" (أرستقراطية العاصمة الذين تنحدر منهم وسيلة بن عمار زوجة بورقيبة) عن المهام السامية لأكثر من 5 سنوات، حين طرده بورقيبة من الحزب عام 1974؛ بسبب "خلافات حول دمقرطة الحزب من الداخل"، ولم يعف عنه حتى عام 1979.

ومع صعود زين العابدين بن علي للسلطة، لم يشغل السبسي مناصب هامة سوى رئاسة مجلس النواب (البرلمان)، في الفترة من 1989 إلى 1991.

غير أن السبسي لم يغادر الحزب الذي أصبح مع وصول بن علي للسلطة يسمى "التجمع الدستوري الديمقراطي"، بدلاً من "الحزب الاشتراكي الدستوري"، حيث حافظ السبسي على عضويته، وكان في لجنته المركزية حتى 2003.

السبسي

الثورة والسبسي والسياسة

قبل 14 يناير 2011، تاريخ هروب بن علي، من تونس وسقوط نظامه، لم يكن السبسي، الذي اقتصر نشاطه منذ 1991 على الاهتمام بشؤون مكتب محاماته الكبير بالعاصمة التونسية، يحلم بالعودة إلى أروقة قصر الحكومة، ومنها إلى قصر قرطاج.

ومع إصرار المعتصمين بمحيط قصر الحكومة، في فبراير 2011، على استقالة رئيس الحكومة حينها، محمد الغنوشي، دعا الرئيس المؤقت الناطق الإعلامي في وزارة التربية والتعليم، وهو رفيق السبسي في الحكم منذ خمسينيات القرن، الباجي قايد السبسي، إلى ترؤس حكومة مؤقتة تمهيداً لانتخابات مجلس تأسيسي يكتب دستوراً جديداً للبلاد.

تقول روايات إن حركة "النهضة" (إسلامية) التي فازت بانتخابات المجلس التأسيسي، في أكتوبر 2011، كانت قد وعدت السبسي بالرئاسة شريطة ضمان عدم تزييف النتائج.

غير أن ضرورة تشكيل ائتلاف حكومي التي فرضتها نتائج تلك الانتخابات جعلت الحركة عاجزة عن الوفاء بوعدها، وأسندت الرئاسة إلى المنصف المرزوقي، رئيس حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" (يسار قومي) صاحب المركز الثاني بالاقتراع.

أما منصب رئيس المجلس التأسيسي فقد آل إلى مصطفى بن جعفر، الأمين العام لحزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات"، الذي حل ثالثاً بالاقتراع نفسه.

"مقلب" لم يتأخر السبسي في الثأر ممن تسبب فيه؛ حيث دعا بعد شهر واحد من تسلم حكومة حمادي الجبالي (الأمين العام لحركة النهضة) مقاليد السلطة، في بيان صدر في يناير 2012، إلى "ضرورة العمل من أجل تصحيح المسار".

وفي يونيو 2012، أسس السبسي حزب "نداء تونس" الذي جمع الرافضين لحكم "الترويكا" (نسبة للثلاثي الحاكم: حركة النهضة، وحزبي المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل).

وضم حزب السبسي يساريين قدامى ونقابيين ومنتسبين إلى حزب التجمع المنحل، من أجل الدفاع عن "المشروع الحداثي"، حتى إن جزءاً هاماً من قيادة حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، وريث الحزب الشيوعي التونسي، انسلخوا من حزبهم ليسهموا في تأسيس "نداء تونس".

وفي طريقه نحو الحكم نسج السبسي، الخبير بالساحة السياسية التونسية وتناقضاتها، علاقات وتحالفات علنية وسرية، تمهيداً لمساره نحو قصر الرئاسة.

وإثر العمليات الإرهابية التي هزت البلاد، واغتيال معارضين بارزين، في فبراير ويوليو 2013، تم إعلان تشكيل جبهة للإنقاذ ضمت "نداء تونس"، والجبهة الشعبية (ائتلاف يساري)، من أجل إنهاء حكم "الترويكا".

في حين أطلقت 4 منظمات محلية، أبرزها "الاتحاد العام التونسي للشغل" (المركزية العمالية)، في أكتوبر 2013، حواراً وطنياً كان أهم مخرجاته تشكيل حكومة تكنوقراط تعوّض حكومة "الترويكا".

السبسي

"الخطان المتوازيان" يلتقيان

أثناء التصعيد بين النهضة وخصومها في جبهة الإنقاذ، عُقد في باريس، منتصف أغسطس 2013، لقاء سري بين الباجي قايد السبسي، ورئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي، صيغت فيه -بحسب مراقبين- توجهات المرحلة المقبلة بالبلاد.

وتخلت "النهضة" عن قانون تحصين الثورة، الذي كان سيمنع كل من تحمّل مسؤولية في حزب بن علي من الترشح للانتخابات.

كما جرى التخلي عن شرط السن الأقصى للترشح للرئاسة (75 عاماً)، وهو ما كان سيجهض، في المهد، حلم السبسي برئاسة تونس، في خطوات ساهمت إلى حد كبير في إيجاد مناخ ملائم للتعايش بين حزبي "نداء تونس" و"النهضة".

ورغم انحياز قواعد "النهضة" لمنافس السبسي "المرزوقي"، في الدور الثاني من انتخابات الرئاسة في ديسمبر 2014، فإن الاقتراع انتهى بفرش السجاد لعبور السبسي نحو قصر قرطاج.

السبسي

"الدولة" بدل "المغامرة"

ضغوط وإغراءات عديدة حاولت زعزعة تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وفق تقارير إعلامية تحدثت عن "قوى معادية لثورات الربيع العربي"، وقوى محلية "استئصالية"، إلا أن السبسي لم يتخلَّ عن خيار التعايش وتجنيب البلاد صراعات شبيهة بتلك التي عصفت ببلدان قريبة.

ويجمع خبراء كثيرون على أن تونس، بعد انتخابات 2014، قادها "الشيخان"، في إشارة إلى السبسي والغنوشي.

تعايش غالباً يستحضر من خلاله التونسيون تصريحاً عقب الثورة قال فيه السبسي: "النداء والنهضة عبارة عن خطين متوازيين لا يلتقيان إلا بإذن الله.. وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله".

وعن ذلك "اللقاء" يعتبر السبسي أن مصلحة تونس هي التي اقتضت التوافق، وصنعت التقاطع.

السبسي

السبسي

السبسي

مكة المكرمة