واشنطن وموسكو.. هل تتحول العلاقة من الصراع إلى تقاسم النفوذ؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LPbxbY

مراقبون يرون أن موسكو وواشنطن ستتفقان على تقاسم النفوذ

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 26-05-2019 الساعة 10:51

اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، بالعداء والتنافس في مختلف ملفات ومناطق العالم خصوصاً في الشرق الأوسط؛ وهو ما يرتكز على التنافس بين البلدين منذ أن كان الاتحاد السوفييتي يتقاسم زعامة العالم مع الولايات المتحدة، باعتبارهما أكبر قوتين على الأرض.

روسيا خليفة الاتحاد السوفييتي، الذي تم حلّه في عام 1991، ورثت هاجس العداء مع الغرب عموماً ومع أمريكا خصوصاً، هذا الهاجس تعمَّق بشكل كبير بعد تفجُّر الأزمة الأوكرانية، وإقدام موسكو على احتلال شبه جزيرة القرم وضمها إلى أراضيها عام 2014، حيث سعت واشنطن وحلفاؤها في أوروبا الغربية إلى فرض عقوبات على الروس والسعي لمحاصرتهم اقتصادياً.

ثم جاءت خطوة نشر نظام الدرع الصاروخية، ومحاولة حلف شمال الأطلسي "الناتو" التوسع باتجاه الدول التي كانت تشكّل حلف "وارسو" المنهار؛ لتُعمِّق حالة العداء بين الغرب وروسيا، ودفعها في عهدها الحالي بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين إلى البحث عن سبل لتعزيز وجودها، وتحوُّلها إلى قوة عظمى، ليس عسكرياً فحسب، بل في الجوانب الاقتصادية والسياسية والعلمية.

بوتين وجد في هشاشة منطقة الشرق الأوسط، والضعف والتردد اللذين أصابا أمريكا بسبب حربي أفغانستان واحتلال العراق، فرصةً لوضع موطئ قدم والتأسيس لمرحلة توسُّع وبناء شراكات مع دول كانت حليفة للاتحاد السوفييتي مثل سوريا ومصر والعراق، ومحاولة مزاحمة أمريكا و"الناتو" في أحلافهما الاستراتيجية كما هو حاصل مع تركيا.

جملة هذه الأمور جعلت العلاقة بين واشنطن وموسكو تتحول إلى علاقة صراع وتنافُس محموم، شابها عديد من محطات التوتر، وكان آخرها اتهام روسيا بمحاولة التدخل في الانتخابات الأمريكية.

ذوبان الجليد

اعتبر مراقبون زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو لروسيا، الثلاثاء (14 مايو 2019)، ولقاءه الرئيس بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، بعد الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأمريكي والروسي، بدايةً لذوبان الجليد في العلاقة بين الطرفين.

حيث أعلن بومبيو من منتجع سوتشي الروسي، أن الرئيس دونالد ترامب ملتزمٌ تحسين العلاقات المشتركة بين البلدين، ويسعى إلى إيجاد سبل للتعاون مع روسيا.

وقال: إن "أمريكا وروسيا لديهما مصالح مشتركة، وإن البلدين لديهما قضايا يعملان فيها معاً، ويمكنهما التعاون في المسائل الشائكة وبمجال الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي".

من جهته أكد لافروف أن موسكو وواشنطن تواجهان مشكلات تتطلب تدابير عاجلة وحلولاً طويلة الأجل، وضمن ذلك قضايا الأمن الاستراتيجي وتسوية الأزمات، وأن بلاده مستعدة لفتح صفحة جديدة في العلاقات المتوترة بسبب عدد من القضايا، بينها نزع السلاح وإيران.

وخاطب لافروف ضيفه الأمريكي بالقول: إن "الوقت قد حان لبدء بناء نموذج جديد للتفاهم المتبادل، يكون مسؤولاً وبنَّاءً (...)؛ فعدم الثقة يعيق أمننا وأمنكم".

ملفات الشرق الأوسط

وليد شفيق، الباحث بمجال العلوم السياسية في جامعة "هلسنكي" الفنلندية، قال: إن "هذه التصريحات الإيجابية بين الجانبين أتت في وقت وصلت فيه الخلافات الروسية الأمريكية إلى أعلى درجاتها بكثير من الملفات، وفي مقدمتها الملفان السوري والإيراني".

وأضاف في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "يمكننا أن نعتبر هذا التواصل بين واشنطن وموسكو بعد فترة انقطاع طال أمدها، بداية لذوبان الجليد الذي أجج عديداً من التوترات الإقليمية والدولية".

واستدرك شفيق: "ولكن هذه التصريحات الإيجابية لا تعني بالضرورة حدوث توافُق في كل الملفات الخلافية، خاصةً ملف أوكرانيا وشبه جزيرة القرم"، مشيراً إلى أن "وزير الخارجية الأمريكي أكد أن عقوبات بلاده التي فُرضت على روسيا في أعقاب أزمة القرم، ستستمر رغم التقارب بين الجانبين".

شفيق يرى أن "تصاعُد الدور الروسي في عهد الرئيس بوتين بمنطقة الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية، ولَّد حالة من الامتعاض والتوجس في دوائر صنع القرار الأمريكي على مختلف الصُّعد".

وأضاف: "التدخل الروسي لمصلحة نظام الأسد بسوريا، في ظل التخاذل الأمريكي الذي اتسم به الموقف في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والتردد بعهد الرئيس الحالي ترامب، أسهم في تثبيت أركان النظام، ونجاحه في إفشال الثورة والتغلب على سائر خصومه؛ ومن ثم إجهاض الخطة الأمريكية التي دُعمت إقليمياً لإسقاط النظام".

وأكد أن "هذا ما جعل سوريا تتحول إلى تابع لموسكو، التي أوجدت موطئ قدم لها في المياه الدولية الدافئة".

الباحث في مجال العلوم السياسية يرى أن "هذا الوضع المستجد في الشرق الأوسط اضطر واشنطن إلى التعامل مع الأمر الواقع، والاعتراف بأن روسيا هي الفاعل الأساسي إن لم يكن الوحيد في الملف السوري، وهذا بدوره دفع إلى إعادة رسم الخريطة الدولية والنفوذ في العالم بعد ثلاثة عقود من الهيمنة الأمريكية المطلقة".

علاقة أشبه بحقل ألغام

من جانبه شبَّه أحمد اليطوي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الحسن الثاني المغربية، العلاقات الأمريكية الروسية بـ"حقل الألغام" الذي يتقدم فيه الجانبان ببطء وحذر، في ظل الملفات الساخنة المختلف عليها بين الجانبين، وأهمها سوريا وإيران وأوكرانيا وفنزويلا؛ ومسألة نزع السلاح.

اليطوي قال في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "إذا كانت القضية السورية في قلب مسائل التوتر بين واشنطن وموسكو، فإن هناك قضايا ساخنة أخرى عالقة بين الطرفين، أهمها مشكلة أوكرانيا، وحشد القوات الأمريكية وحليفاتها من حلف الناتو على الحدود الغربية لروسيا".

وأضاف: "على الصعيد الدولي هناك مسألة إيران، وتعامُل الولايات المتحدة المنفرد مع القضية دون مراعاة مصالح روسيا، التي تعد إيران بالنسبة لها من أهم مرتكزات العمل بالشرق الأوسط، إلى جانب ما تحققه من عائدات استثمارية في إنشاء المفاعلات النووية وإدامة تلك المفاعلات وتشغيلها ومدّها بقِطع الغيار والخبرات".

اليطوي تابع يقول: "قضية فنزويلا هي أحدث الإشكالات بين الطرفين، وأشكُّ في إمكانية وصولهما إلى توافق، على المدى المنظور، لحلّ الأزمة، عكس بقية المسائل العالقة: ملف التعامل مع كوريا الشمالية، وموضوع استقرار التوازن الاستراتيجي، ومسألة الصواريخ الاستراتيجية النووية في قطاع المحيط الهادي وشرقي آسيا".

وختم أستاذ العلاقات الدولية حديثه لـ"الخليج أونلاين" بالقول: إن "مجمل المؤشرات تؤكد أن واشنطن وموسكو توصلتا إلى قناعة بأن مصلحتهما في المرحلة الراهنة تقتضي تقاسُم النفوذ خصوصاً في الشرق الأوسط، بدل الصراع الذي عقَّد عديداً من الملفات بالمرحلة السابقة، وأوصل العلاقة بينهما إلى طريق مسدود، خصوصاً بعد أن سلَّمت أمريكا بالدور الفاعل الذي فرضته روسيا الجديدة في عهد بوتين".

يشار إلى أن أولى ثمرات التحول من الصراع إلى تقاسُم النفوذ بين موسكو وواشنطن، تجسَّدت في توافُق الطرفين على صيغة خروج بالمأزق السوري من عنق الزجاجة، من خلال التوافق على حلٍّ سياسي قريب.

وقال بومبيو للصحفيين بمطار سوتشي بعد لقائه الرئيس الروسي، في 15 مايو الجاري، إنه توصل مع بوتين إلى "أفكار بنَّاءة للغاية حول السبل الواجب سلوكها في سوريا، والأمور التي يمكننا فعلها معاً، حيث لدينا مجموعة من المصالح المشتركة حول كيفية دفع الحل السياسي قدماً".

وأضاف: "هناك العملية السياسية المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2254 والتي تم تعليقها، وأعتقد أننا نستطيع الآن أن نبدأ العمل معاً على طريقة تكسر هذا الجمود".

مكة المكرمة