هل يمضي العراق قدماً نحو التطبيع مع "إسرائيل"؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/1kP8PX

التطبيع مع "إسرائيل" بدأ يأخذ حيزاً من النقاش عراقياً

Linkedin
whatsapp
الجمعة، 20-11-2020 الساعة 21:45
- من أول من أطلق الحديث حول التطبيع مع "إسرائيل"؟

نائب رئيس الوزراء الأسبق بهاء الأعرجي.

- ماذا طرح الأوروبيون على الكتل البرلمانية العراقية الكبرى؟

دعم سياسي واقتصادي وأمني مقابل التطبيع وقبول "صفقة القرن".

- هل هناك تحركات عراقية تجاه "إسرائيل" وتجاوب من الأخيرة؟

ثلاثة وفود عراقية قامت بزيارات سرية إلى "تل أبيب"، ورفعت الأخيرة اسم العراق من قائمة الأعداء وأجازت التبادل التجاري معه.

- ماذا فعلت حكومة العراق بحق الجالية الفلسطينية على أراضيها؟

ألغت قانوناً ينص على "معاملة الفلسطيني كالعراقي في الحقوق حتى تحرير التراب الفلسطيني".

- ما أبرز مؤشرات التقارب بين العراق و"إسرائيل"؟

استعمال مفردة "إسرائيل" بدلاً من "الكيان الصهيوني" في الكثير من الأدبيات العراقية.

- كيف علقت الحكومة العراقية على التطبيع الإماراتي الإسرائيلي؟

"شأن إماراتي داخلي".

مع استمرار موجة التطبيع التي ركبتها ثلاث دول عربية مؤخراً، وترقب لانضمام أخرى، ورد اسم العراق بين أحاديث التطبيع، ليشكل صدمة على مستوى العراق والمنطقة، التي طالما استذكرت تاريخ البلد وبطولاته في الحروب العربية مع دولة الاحتلال، وبكونه أول من قصف "إسرائيل".

فقد أثارت تصريحات نائب رئيس الوزراء العراقي السابق بهاء الأعرجي، حول قيادة المرجعية الدينية في النجف جهوداً للتوصل إلى اتفاقية سلام بين العراق و"إسرائيل"، ردود فعل كبرى في الداخل والخارج.

وخرجت التصريحات في وقتٍ كثفت فيه "إسرائيل" من زياراتها لدول الخليج وإبرامها اتفاقيات تطبيع علنية، وهو ما أخذ موقعه السياسي تزامناً مع زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى بريطانيا وعدم الإعلان عن المباحثات التي جرت مع رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون.

وبحسب مراقبين في الشأن السياسي فإنه من غير المعقول أن تكون تصريحات الأعرجي محض آراء شخصية في بلد تصول وتجول فيه مليشيات موالية لإيران، إلى جانب أن المرجعية الدينية لم تُصدر بياناً تستنكر فيه تصريحات الأعرجي، ما يجعل الباب مفتوحاً أمام التساؤل حول موقفها، فضلاً عن تصريحات سابقة لبرلمانيين وزيارة آخرين إلى "إسرائيل".

العراق إسرائيل

في ذات الوقت سرّبت مصادر عراقية قريبة من الكتل السياسية الكبرى في البرلمان أن وفوداً من دول الاتحاد الأوروبي وصلت إلى العاصمة بغداد وأبلغت القيادة العراقية باستعدادهم لتقديم دعم سياسي واقتصادي وأمني مقابل قبول مشروع دولي مدروس ومرتبط بـ"صفقة القرن" التي طرحتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشرط أن يكون التطبيع مع "إسرائيل" هو أحد أركان هذه الصفقة والمشروع.

وبحسب تلك المصادر التي تحدثت لـ"الخليج أونلاين"، فقد انقسمت الكتل النيابية بين مرحبٍ بالمشروع ورافضٍ له، بالرغم من زيارة 5 نواب عراقيين لـ"إسرائيل" وتعبيرهم عن استعدادهم للتعاون وعقد اتفاقية للسلام، الذي من شأنه أن ينقذ البلاد من أزماتها، ويخلص العراق من سطوة إيران.

تصريحات مثيرة للجدل

بهاء الأعرجي في تصريحاته خلال لقاء مع قناة "آي نيوز"، في 15 أكتوبر 2020، أكد معرض ردّه على سؤال حول إمكانية عقد اتفاقية السلام بين العراق و"إسرائيل" أن "العراق مهيأ جداً، وكل الطرق مهيأة نحو اتفاقية السلام"، وأضاف لمقدم البرنامج: "وأزيدك علماً: من الممكن أن يصدر قرار التطبيع من النجف لا من بغداد".

ويبدو أن هذا التصريح أثار حفيظة المقربين من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، حيث اتهم الأعرجي حساب "صالح محمد العراقي" على "تويتر" بأنه وزير الصدر، فيما وصف الأخير في تغريدته بأنه "عدو النجف"، موجهاً تهديداً صريحاً قائلاً: "إن لم يتأدب أدبناه".

وعلق بهاء الأعرجي، القيادي السابق في التيار الصدري، على التهديد لـ"الخليج أونلاين" منتقداً الهجوم عليه، لافتاً إلى وجود من أسماهم "خصوماً" يحاولون تحريف كلامه، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن تصريحاته "كانت للتنبيه وليست للمطالبة بالتطبيع مع إسرائيل، وأنفي أن يكون المقصود بكلامي المرجع الديني علي السيستاني، أو مقتدى الصدر".

وتساءل عن الازدواجية والتحيز، مستشهداً باشتراك حزب الله اللبناني في مفاوضات ترسيم الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، قائلاً: إنه "يمضي ضمن اتفاقية معلنة"، مشيراً إلى أنه "على الرغم من ذلك لم يتعرض الحزب للتخوين أو الاتهام نتيجة ذلك".

وأكمل موضحاً: "فلماذا تتهم القيادات الشيعية في العراق وتشوه صورتهم أمام جمهورهم"، وخلص إلى "ضرورة الانفتاح على الدول الأخرى في سبيل إنقاذ اقتصادنا، بشرط ألا يتم اختراق سيادة الدولة العراقية".

من جانبه قال مختص في العلاقات الدولية برئاسة الوزراء، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ"الخليج أونلاين": "إن سياسة العداء المزيف، والشعارات الوهمية التي تحرض على محاربة إسرائيل لم نجنِ منها خلال 50 عاماً سوى التأخر والتخلف والتراجع على المستويين العربي والإسلامي".

وشدد على ضرورة أن يدرك العراق "مدى أهمية الانفتاح الدبلوماسي وعدم خلط الأوراق السياسية؛ فدولة إسرائيل لديها إمكانية بدعم الدول الصديقة وتخليص العرب من هيمنة إيران".

وأشار إلى أن "معطيات اليوم وتغيير موازين الخرائط والقوى الدولية والعالمية تفرض على الجميع إجراء مراجعة لأدبيات الرفض والتأييد في إنتاج وصناعة المواقف السياسية"، كاشفاً أنه "من مصلحة العراق عقد اتفاقية السلام مع "إسرائيل"؛ بهدف تصفير الخلافات وبدء التعاون الاقتصادي للتخفيف من حدة العجز المالي في ميزانية الحكومة".

وبيّن أن هذا الأمر في غاية الأهمية؛ بعد "هبوط أسعار النفط، والعقوبات الأمريكية على القادة المنتمين لفصائل مسلحة تأخذ أوامرها من إيران"، مطالباً بـ"عدم إضاعة فرصة إنقاذ المجتمع العراقي من أزماته".

خلاف شيعي

بدورها علقت شخصية دينية كانت تدرس في الحوزة بالنجف الأشرف -رفض الكشف عن اسمه لكون عائلته لا تزال تعيش في العراق- بالقول إن تصريحات الأعرجي "لا تعبر عن المرجعية الدينية في النجف، أو مقتدى الصدر، وهناك خلافات بين الأعرجي والمرجعية والتيار الصدري، الذي كان ينتمي إليه الأعرجي في وقت سابق عندما كان نائباً لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي".

وأوضح لـ"الخليج أونلاين" أن هذا التوجه يهدف لاستمالة المنزعجين من التبعية الإيرانية نحو الصف الأمريكي، لذلك خرجت الأسرار الداخلية للكتل الشيعية التي تحكم البلاد وتحاول تطبيع علاقاتها مع "إسرائيل"، ثم تخدع جمهورها باستنكار التطبيع".

وأضاف: إن "المرجعية العراقية موقفها واضح، وهي تنتمي لإيران سياسياً وفكرياً، لكن حدث انشقاق في البيت الشيعي، لذلك أصبح توجه الأحزاب السياسية نحو التطبيع سراً، أما توجه المرجعية الدينية فبرفض التطبيع، وهذا يشير إلى وجود اتفاق ضمني لكسب المنبر الديني، وحصد المناصب السياسية في الانتخابات القادمة صيف 2021".

تسريبات غير معلنة

"الخليج أونلاين" تواصل مع مستشار في وزارة الخارجية طلب عدم ذكر اسمه، حيث علق قائلاً: "إن الكتل السياسية الكبرى، من ضمنها الشيعية والكردية والسنية، لا ترى مشكلةً في التطبيع مع إسرائيل، ويرون أنّ فساد المنظومة الحاكمة هو الخطر الحقيقي".

وأوضح المستشار أن الحكومة العراقية تعترف بأن على الأحزاب الإسلامية تحمل مسؤولية الفساد والتدهور الاقتصادي والسياسي منذ عام 2003.

وأوضح أنه نتيجةً لعجزها بالحكم بعدالة وكفاءة "ستمضي نحو خيار التطبيع لإيجاد بدائل دبلوماسية وتشكيل تحالفات مع إسرائيل، حتى بصورة غير علنية، إذ سيأتي الوقت لإظهار ذلك للشعب العراقي".

وربط المستشار مسألة السلام بين "إسرائيل" والعراق بالصراع الدولي بين أمريكا والصين، والتقارب الإيراني الروسي الصيني، ما يجعل واشنطن ترغب في إقامة سلام بين بغداد و"تل أبيب"؛ لتحييد العراق عن هذا المحور عبر توجيه ضربة إلى إحدى مسلَّمات إيران وهي العداء لـ"إسرائيل"، والذي تبني عليه جزءاً كبيراً من مشروعيتها في البلاد العربية.

البرلمان العراقي

وحول إمكانية عقد سلام بين الجانبين قال المستشار في الخارجية العراقية: "الأعرجي يمثل جهات سياسية في الحكومة وخارجها؛ فهو مقرب من نوري المالكي وهادي العامري، وكان قيادياً في التيار الصدري، وهناك حراك داخل أوساط وجهات فاعلة في العراق للتحرك تجاه إسرائيل، وهناك مسؤولون مهمون وأعضاء برلمان زاروا إسرائيل والتقوا بجهات فاعلة".

وتابع: "إذا ما تذكرنا شخصيات الوفد العراقي التي وصلت عام 2019 إلى إسرائيل فسنستطيع فهم مؤشرات التطبيع القادمة، وهؤلاء النواب أو الأشخاص من طرفهم كانوا ضمن الوفود التي زارت إسرائيل".

وعدد بعضاً من تلك الأسماء وهي: أحمد الجبوري وأحمد الجربا عن محافظة نينوى، وخالد المفرجي عن محافظة كركوك، وجميعهم من المكون السني، إضافة إلى النائبة الشيعية عالية نصيف عن بغداد.

كما تطرق المستشار إلى "علاقات النواب الأكراد ولقاءاتهم المتكررة مع مسؤولين من "إسرائيل" داخل أربيل عاصمة إقليم كردستان، حيث إن الخطة الأمنية والاستخبارية يُشرف عليها خبراء إسرائيليون ويرسلونها لحكومة الإقليم، وهذا كان واضحاً أيام إعلان استفتاء إقليم كردستان عام 2018، ودعم إسرائيل الكامل لخطوة الانفصال".

علاقات مضرة

من جهته قال القيادي في جبهة الإنقاذ والتنمية العراقية أثيل النجيفي لـ"الخليج أونلاين": "التطبيع مع إسرائيل مضر للعراق أكثر مما هو نافع؛ لعدة أسباب، منها أن الدول التي طبعت العلاقة مع إسرائيل، كمصر والأردن، كانت في حالة حرب مباشرة مع تل أبيب، ولهذا كانت بحاجة إلى مغادرة حالة الحرب، كما كانت تحتاج إلى دعم واشنطن لغرض تسليح الجيش، وغيرها". 

وبيّن النجيفي: "لكننا في العراق ليس لدينا أي مصلحة مباشرة للتطبيع مع إسرائيل، بل على العكس، فهذا التطبيع يتسبب في إثارة مشاكل داخلية كبيرة في العراق".

وحذّر من أن "هذا التطبيع سوف يسبب عملية انشقاق كبيرة في الوضع العراقي بين السلطة والشعب"، مؤكداً أن "الحكومة العراقية في غنى عن إحداث مثل هذه الأزمات، خاصة بهذا الوقت الحساس، ولهذا فالتطبيع سيكون له ضرر كبير على العراق والعراقيين".

مؤشرات تقارب

في وقت كشفت فيه وزارة الخارجية الإسرائيلية النقاب عن زيارات سرية قامت بها ثلاثة وفود عراقية إلى "تل أبيب"؛ فقد أعلن وزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون عن شطب العراق من قائمة "دول العدو"، وهي التي تشمل لبنان وسوريا والسعودية واليمن وإيران، لكنه وقّع مرسوماً يجيز التبادل التجاري مع العراق.

وكانت "تل أبيب" قد مهدت لزيارة الوفود العراقية والتبادل التجاري بإطلاق الخارجية الإسرائيلية، مطلع مايو 2018، صفحة على "فيسبوك" و"تويتر" باسم "إسرائيل باللهجة العراقية". وقالت في تغريدة على "تويتر": إن "هذه الخطوة تهدف لخلق تواصل وحوار مثمر بين الشعبين الإسرائيلي والعراقي وإظهار الوجه الحقيقي لإسرائيل".

وبهذا الصدد قال خبير اقتصادي في مجلس النواب العراقي لـ"الخليج أونلاين": "هناك تاريخ حافل يجمع اليهود ببلاد الرافدين بعد أن عاشوا فيها أكثر من 2500 عام، إذ إن المنحدرين من بلاد الرافدين لا يزالوا يحملون ذكرياتهم ومساهماتهم في بناء العراق الحديث، ولم تكن تل أبيب بعيدة عن بغداد، إذ يرى الجانبان أن الأوضاع في المنطقة تغيرت ليتم توقيع اتفاقية على استيراد 19 مليون برميل نفط سنوياً من آبار ومحطات في مناطق واسعة من العراق؛ أبرزها البصرة وصلاح الدين ونينوى بالإضافة لكركوك وأربيل".

وتابع الخبير بأن "إسرائيل ساعدت حكومة العراق سراً، خاصةً في المجال العسكري، كما درّبت قوات جهاز مكافحة الإرهاب والبيشمركة (قوات كردية) وزودتها بالسلاح أثناء عمليات التحرير ضد تنظيم داعش عام 2017، بالمقابل حصلت تل أبيب على مساعدات استخبارية عن العراق وإيران وعلى هجرة اليهود الذين عاشوا في العراق".

من جانبه يصف مسؤول في جهاز الاستخبارات لـ"الخليج أونلاين" أن "العلاقات الثنائية بين العراق وإسرائل تمضي نحو العمل المشترك، على أثر حذف الدولة العراقية لعبارة من الجواز العراقي مفادها بأنه يسمح لحامل هذا الجواز بالسفر إلى كافة دول العالم ما عدا إسرائيل".

وأشار إلى أنه بذلك "رفعت السلطات العراقية الحظر عن زيارة إسرائيل، وهذا ما لم ينتبه إليه الشعب العراقي، الذي عليه أن يدرك كيف تمضي العلاقات الدبلوماسية الخارجية".

وتعقيباً على تبادل وفود التطبيع بين "تل أبيب" ودول عربية وإسلامية، والتطورات على الساحة السياسية الإقليمية، يقول المسؤول في جهاز الاستخبارات العراقي: "لا تستطيع الحكومة العراقية المضي نحو إعلان علاقاتها مع إسرائيل في الوقت الحالي؛ بسبب الاضطراب السياسي داخل المنظومة الحكومية".

وأوضح أن استمرار التعاون المعلوماتي والأمني يدل على "اتفاق الطرفين على بناء السلام وتجسيد هذه الخطوة الدبلوماسية في مشاريع اقتصادية في المستقبل القريب، خاصة بما يتعلق بملف الاستثمارات في المناطق المحررة".

تسويق التطبيع

لا يبدو أن قطار التطبيع الذي انطلق أخيراً من بعض دول الخليج سيكون بعيداً عن المرور ببغداد، فعلى الرغم من الصورة القاتمة التي تشهدها الساحة العراقية، والصراع الإقليمي والدولي الذي يتحكم بكثير من تفاصيلها، فإن قراءة متأنية لتفاصيل المشهد ربما تجعل المراقبين يخرجون بنتيجة أن التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ عراقياً، ربما "لن يكون بعيداً".

وتواصل فريق تحقيق موقع "الخليج أونلاين" مع نائب في البرلمان العراقي عن اللجنة القانونية؛ إذ أكد وجود تحركات جدية نحو تعزيز العلاقات بين العراق و"إسرائيل"، قائلاً إنه هذه الخطوة "تتعرض لضغوطات كثيرة بسبب النفس الشعبي العام للجمهور العراقي الذي يرفض التطبيع، وهناك قيادات لديها تشكيلات عسكرية مرتبطة بإيران تمتنع عن توقيع اتفاقية سلام عراقية إسرائيلية".

وأوضح أن بوادر التقارب جاءت باستعمال مفردة "إسرائيل" بدلاً من "الكيان الصهيوني" في الكثير من الأدبيات العراقية، وتم استخدام دولة "إسرائيل" في الخطابات السياسية، خاصة بعد التطبيع الأخير من قبل دول خليجية بارزة في المشهد الإقليمي.

وتابع عضو اللجنة القانونية الذي طلب عدم ذكر اسمه بالقول: "الجانب الثقافي كان حاضراً؛ حيث أنشأت الخارجية الإسرائيلية صفحة (إسرائيل باللهجة العراقية)، فضلاً عن نشر فيديوهات مختلفة عن يهود العراق، وإنتاج فيلم سينمائي طويل عن واقعة الفرهود والترويع التي تعرض لها يهود العراق عنوانه (طير حمام) وباللهجة العراقية، وتصاعدت مطالبات الجالية العراقية في إسرائيل بمنحهم جنسيات عراقية".

وأكمل: "تاريخياً بدأت العلاقات الثنائية أثناء احتلال العراق عام 2003، إذ تعاون عدد من القوى العراقية خارج العراق مع أمريكا في سبيل التوقيع على الدستور العراقي الجديد الذي تم التصويت عليه عام 2005 بإشراف أمريكي، وعلينا أن ندرك أن من يتعاون مع الولايات المتحدة لا بُد أن يقترب من إسرائيل لأنها الحليف الاستراتيجي الأقوى في المنطقة للأمريكان".

وحول أبعاد العلاقات الخارجية أجاب البرلماني العراقي بالقول: "كُشف المستور عندما حدثت المشادات الكلامية والاشتباك بالأيادي في مجلس النواب العراقي بسبب زيارة النائب مثال الألوسي إلى إسرائيل، والتي انتهت بإنهاء عضويته من مجلس النواب، بيد أن المحكمة الاتحادية في العاصمة بغداد أعادت له العضوية وعدت قرار مجلس النواب قراراً غير دستوري، وهذا يُضاف للتوجيه الدبلوماسي بين العراق وإسرائيل، بالرغم من رفض أغلبية الأحزاب لعملية التطبيع".

خطوات قديمة

بهذا الصدد تحدث المحلل السياسي صفوان فخري لـ"الخليج أونلاين" في تصريح: "إن خطوات الحكومة العراقية مع دولة إسرائيل قديمة، وبدأت منذ سنوات عبر زيارات سرية مختلفة من ممثلين من أغلب الأحزاب السياسية، وعلى رأسهم تيار المعارضة، لكن لا يستطيع هذا التيار الإفصاح عن التحركات الدبلوماسية؛ وذلك لأن اللوبي الإيراني يسيطر على أبرز الكتل الحزبية في البرلمان العراقي، ويبتز النواب ويحرّك عادةً مذكرات إلقاء القبض بتلفيق اتهامات غير صحيحة".

كما تابع فخري: "التطبيع مع إسرائيل هو خطوة دبلوماسية إيجابية حالها حال التعاون المشترك بين أي دولتين في العالم، وحتى إن الحكومة الفلسطينية تمضي نحو تعزيز مشاريع التعايش السلمي والانسجام المجتمعي مع إسرائيل، لذلك يجب على العراق أن يتعامل مع اتفاقية السلام على أنها جزء من الانفتاح الخارجي، وهذا سيصب في مصلحة الاستقرار الأمني والإنقاذ الاقتصادي للبلاد".

وحذّر بحسب تعبيره: "إذا ما خسرنا كل التحالفات الدبلوماسية فسنبقى في دائرة الصراع، لذلك على إيران أن تكف عن التلاعب بمقدرات الشعب العراقي وعن تحريضهم على القتال، ومحاولة توريط العراق ليكون ساحة للمواجهة الدموية كي تبقى مسيطرة على الأحزاب السياسية في البلاد، وتبرر تنفيذ خططها التوسعية في المنطقة".

وعلى ذات الصعيد صرح عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي مختار الموسوي لـ"الخليج أونلاين" قائلاً: "تمضي أغلب الدول الخليجية نحو التطبيع، لكن العراق لا يرى مصلحته في هذا التعاون الذي سيضمن بقاء مناصب الحكام والزعماء، لكن الشعوب ستكون ضحية هذه السياسيات الدبلوماسية التي ربما ستؤدي إلى صراعات بين إيران وإسرائيل على الأراضي العراقية، وإذا ما رضينا نحن العراقيين بالتطبيع فهذا يعني أننا نعترف بالكيان الصهيوني الذي اغتصب أراضي الفلسطينين واحتلها وانتهك حقوق الإنسان بحق تقرير المصير".

كما أشار الموسوي إلى أنه "لا يمكن نسيان قضية فلسطين؛ فهي جزء من إرث المسلمين في العالم، والمقاومة لن تتنازل عن نضالها في سبيل الدفاع عن القدس المحتلة، وتستمد تعليماتها ودعمها من المرجعية الدينية في النجف، وتتشارك المقاومة مهمة مناصرة الشعب الفلسطيني مع جمهورية إيران".

وقال: "من الأفضل أن تدرك الحكومة العراقية خطورة التطبيع مع إسرائيل؛ لأن الأخيرة ستحاول التقرب والحصول على معلومات استخبارية وتنفيذ أجندات خارجية لصالح أمريكا، ثم تزرع جواسيس في داخل مؤسسات الدولة"، مطالباً "الطبقة السياسية بأن تركز على إصلاح شأنها الداخلي وحل الأزمات الاجتماعية في داخل العراق بدلاً من الانضمام إلى قافلة التطبيع التي ستدخلنا في صراعات سياسية جديدة".

أين القضية الفلسطينية؟

ينقسم السياسيون والمراقبون العراقيون بين مؤيدٍ للقضية الفلسطينية ومستنكرٍ لـ"إسرائيل" من جهة، وبين رافضٍ لاستغلال فلسطين كشمّاعة من أجل الحصول على المكاسب والتوسع العسكري لصالح الموالين لإيران من جهةٍ أخرى، حيث تغيب القضية بسبب الصراعات الداخلية التي يعيشها العراقيون، والذين يميلون نحو الانشغال بالأزمات الداخلية ومنحها الأولوية القصوى، ثم الالتفات لمشاكل الجيران ومحاولة دعمها ومناصرتها.

وبخصوص موقف الحكومة يقول مسؤول في لجنة الاتصالات والإعلام النيابية لـ"الخليج أونلاين" بأن "القضية الفلسطينية أصبحت شمّاعة للحكومات العراقية المتعاقبة، فكل حزب وتشكيل سياسي يحاول تركيب خطاباته الجماهيرية كي يستغل مشاعر الشعب العراقي؛ لأنه يدرك أن كل من يرتبط بأمريكا سيرتبط بإسرائيل، لكن الحقيقة مختلفة؛ فالكتل النيابية في البرلمان لا تكترث للقضية الفلسطينية، وهناك جولات وزيارات متواصلة ومكثفة لأغلب القياديين، وأبرزهم ينتمي لتيار الحكمة وائتلاف دولة القانون والحزب الديمقراطي الكردستاني".

ويتابع: "ما لا يعرفه الرأي العام أن الحكومة العراقية ألغت مركز الدراسات الفلسطينية، الذي يعد من أهم مراكز الأبحاث في العراق منذ عام 1967، والذي كان معنياً بدراسة الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، وألغت أيضاً القانون رقم (202) الذي ينص على معاملة الفلسطيني كالعراقي في الحقوق إلى حين تحرير كامل التراب الفلسطيني".

وأدى ذلك إلى إلغاء البطاقة الغذائية الشهرية التي كانوا يحصلون عليها أسوة بالعراقيين، وتم إخراجهم من دائرة التنافس على فرص العمل والتوظيف الحكومي والتعليم والخدمات الصحية وغيرها، يقول المسؤول النيابي.

الكاظمي

وأجرى فريق "الخليج أونلاين" لقاءً مع أحد الفلسطينيين المقيمين في العراق، وهو الباحث الحقوقي سامي الخطيب؛ إذ قال إن الوضع القانوني لفلسطيني العراق بعد 2017 أصبح مجهولاً.

وأشار إلى معاناة المقيمين من غياب توصيف قانوني واضح، خاصةً بعد صدور قرار من الحكومة العراقية، برقم (76) لعام 2017، والذي ألغى القرار (202) لعام 2001 القاضي بمعاملة اللاجئ الفلسطيني معاملة العراقي.

وتابع الخطيب: "فقد اللاجئ الفلسطيني الامتيازات القانونية، وضاع توصيفه القانوني؛ فلا حصل على صفة لاجئ إنساني ولا لاجئ سياسي، حيث يعيش في العراق قرابة 4000 لاجئ فلسطيني".

ويعيش هؤلاء في ظروف صعبة، "بعد الإجراءات التي اتخذتها حكومة العراق بحقهم، والتي سحبت كل الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها في عهد صدام حسين، ومن أهمها إلغاء مستحقات اللاجئين من بدل الإيجار وتوفير العلاج الطبي ودفع مستحقات التعليم".

بالعودة للمسؤول العراقي الذي تحدث عن تناقض الخطابات الحكومية العراقية، قال: "يجب ألا تنسى الحكومات المتعاقبة أن العراق وقّع اتفاقاً عام 1949 مع الأمم المتحدة عُرف باتفاق بيروت، والذي تعهدت بغداد فيه بالإشراف الكامل على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في العراق، وتقديم المساعدات لهم، مقابل عدم دفعها لأي تبرعات أو مساهمات مالية للأونروا".

واستمر في تصريحه: "تناقضات التحركات السياسية من قبل أكبر الأحزاب العراقية تمثلت بزيارات متكررة سنوياً على شكل وفود عراقية تصل إلى إسرائيل في مهمات رسمية غير معلنة، وهذا بحد ذاته يفتح المجال لمعرفة حقيقة التطبيع العراقي - الإسرائيلي".

وأشار إلى أن "هذا يتنافى مع القانون الدولي العراقي، والذي ما زال يعتبر الدولة العراقية في حالة حرب مع إسرائيل؛ لأن العراق الدولة الوحيدة التي شاركت في حرب 1973 ولم يوقع مع إسرائيل على اتفاقية هدنة أو سلام، ومجرد وصول الوفود السياسية إلى تل أبيب ولقائها مع وزارة الخارجية هناك يعطي مؤشراً على غياب القضية الفلسطينية من مخططات الأحزاب العراقية".

الموقف الإيراني

يتفق مراقبون للشأن العراقي على أنه من غير المرجح أن يحدث تقارب عراقي - إسرائيلي طالما ظلّت اليد الطولى لإيران في العراق، التي تتخذ من معاداة "إسرائيل" وسيلة لاختراق قلوب الجماهير المسلمة، وتبرير هيمنتها بالقوة على لبنان، كما أن النظام الإيراني يتخذ العداء لـ"إسرائيل" غطاءً لتبرير وجوده.

وعن الموقف الإيراني يشرح أحد أبرز المفاوضين في مجال بناء السلام وحل النزاعات في البرلمان العراقي لـ"الخليج أونلاين" بأن "الدور الإيراني في العراق تعرض لضربة قاصمة منذ اغتيال الجنرال في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وتشديد العقوبات الأمريكية على إيران، كما أن مؤسسة الحشد الشعبي المدعومة من إيران، والتي تحظى باحترام الكثير من العراقيين وتقديرهم، باتت تريد الابتعاد عن الزعماء التقليديين الذين استغلوا الحشد، واختزلوا شخصياته في قادة الأجنحة والفصائل العسكرية التابعة لهم، والذين وظّفوه في خدمة مصالحهم".

ويردف المفاوض الحكومي الذي طلب عدم الإشارة لاسمه تجنباً للابتزازات وقال: "إن الخطة الأمريكية لطرد النفوذ الإيراني، واستهداف الفصائل الموالية له، غير واضحة حتى الآن، والحقيقة أنّ العراقيين مثلما انتظروا القوة الأمريكية للخلاص من نظام صدام حسين عام 2003، فهم اليوم ينتظرون القوة نفسها للخلاص من نفوذ الفصائل الموالية لإيران".

ويؤكد: "لذلك نجد أن الجانب السني والتيار المدني في العراق يؤيد عقد اتفاقية التطبيع، ويقوم بتوجيه الجماهير للاعتراف بإسرائيل، وإقامة علاقات دبلوماسية معها؛ امتعاضاً من الدور العربي السلبي نحو العراق، بسبب دعم جهات عربية لآلاف الانتحاريين في العراق وتمويلهم، ومواقف الدول العربية المتخاذلة من الحصار الذي فرض على العراق عام 1991".

وجهات نظر متناقضة

السفير العراقي لدى واشنطن فريد ياسين، أشار في أغسطس 2019، إلى عدم ممانعة بلاده التطبيع مع "إسرائيل". فيما عقّبت الخارجية العراقية على التصريحات بقولها: "تناقلت وسائل الإعلام تصريحات غير مناسبة على لسان السفير العراقي في واشنطن، ويهم وزارة الخارجية أن توضح أنّ الدولة، ووسائل إعلامها، تولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية، التي غالباً ما تمثل محوراً أساسياً في المؤتمرات واللقاءات التي يحضرها ممثلونا ووفودنا في الخارج".

وبالرغم من تناقض الخطابات فإن بيان الخارجية العراقية لم ينفِ إمكانية عقد سلام مع "إسرائيل".

الكاتب السياسي سامح صبري علّق على تخبطات الحكومة العراقية لـ"الخليج أونلاين" قائلاً: "هناك بوادر عراقية رسمية نحو توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، ومنها تعليق رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي حول اتفاقية السلام الإماراتية - الإسرائيلية، حيث وصفها بأنها شأن إماراتي داخلي".

ويرى صبري "إمكانية عقد اتفاقية سلام بين العراق وإسرائيل، لكنها تتوقف على فصل البيت الشيعي عن الهيمنة الإيرانية، وإعادة ترتيبه، وربما يأتي تطبيع العلاقات مع إسرائيل ضمن خطة أمريكية للقضاء على النفوذ الإيراني، والقضاء على المليشيات الموالية لها، وهو ما ظهر خلال التهديدات الأمريكية بالردّ على الفصائل التي تستهدف التحالف الدولي والبعثات الدبلوماسية الأمريكية".

في حين تحدث محامٍ في مجلس القضاء الأعلى لـ"الخليج أونلاين" وقال: إن "المادة 201 في قانون العقوبات العراقية تنص على الإعدام لكل من أيّد أو روّج لمبادئ صهيونية أو انتسب إلى أي من مؤسساتها أو ساعدها مادياً أو أدبياً أو عمل بأي كيفية لتحقيق أغراضها، لكن هذه المادة ما زالت معطلة حالياً نتيجة الضعف الذي أصاب الدولة العراقية بعد العام 2003 بسبب الانقسام بين مكوناتها".

وتابع المحامي: "عندما لا تُطبق مواد في الدستور العراقي فهذا يعطي مؤشراً حول تحركات سياسية غير معلنة، لذلك على الحكومة أن تظهر مواقفها بشكل صريح تجاه التطبيع وتصارح شعبها، الذي وصل إلى مرحلة البحث عن المنقذ من أزماته الأمنية والاقتصادية، والحكومة الجديدة بقيادة الكاظمي تحاول إقامة التوازن بين علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل للتخلص من ضغوط إيران وابتزازها للعملية السياسية وتحكمها بأقوى الأحزاب في البرلمان العراقي".

العامري

ولا يبدو أن قضية التطبيع تحظى بإجماع داخل العراق، فقد قال القيادي سعد السعدي في تحالف الفتح الذي يقوده أحد أبرز قيادي هيئة الحشد الشعبي هادي العامري، لـ"الخليج أونلاين": "من غير المستبعد سعي بعض دول الخليج، والولايات المتحدة الأمريكية، إلى ضم العراق إلى الدول التي تسعى إلى التطبيع مع إسرائيل، لكن هذا الأمر لن يحصل؛ فالقوى السياسية والشعبية لن تسمح بذلك مهما كان السبب والدوافع".

وشدّد السعدي: "لن نسمح بأن يكون العراق مؤيداً لعمليات تطبيع كهذه، كما أن الحكومة العراقية مُطالبة بموقف صريح وعلني من عملية التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، فالدستور العراقي واضح، ويمنع إقامة أي علاقات واتصالات مع الكيان الصهيوني".

خيطٌ رفيع وتلويحٌ جريء يربط حديث العقوبات الأمريكية على الدولة العراقية ومسار التطبيع الخليجي مع "إسرائيل" بشكل علني ورسمي. حيث تشير الرسائل التحذيرية الأمريكية إلى سعي إدارة دونالد ترامب لحجز مقعد لبغداد في قافلة المطبعين مع "إسرائيل"، والجائزة انسحابٌ بالمقاييس العراقية، لكن في حقيقة الأمر يعتبر ذلك انتصاراً لواشنطن على إيران في صراعها الإقليمي في المنطقة.

أما الجواب العراقي فيدخل في خانة التعقيد بين مؤيدٍ للتطبيع ورافضٍ له استجابةً للسيطرة الإيرانية وخططها بالتوسع في المنطقة العربية، وحتى ذلك الحين ينتظر مؤيدو المرجعية الدينية الشيعية في النجف تصريحاً واضحاً يُضاف لأجوبة مباشرة من رئاسة الحكومة العراقية حول تحركات الوفود والزيارات السرية إلى "تل أبيب".

مكة المكرمة