هل كسرت انتخابات أمريكا صورة الديمقراطية وقسمت المجتمع؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/1kN7Wo

الانتخابات الأخيرة خربت صورة الديمقراطية الأمريكية

Linkedin
whatsapp
السبت، 07-11-2020 الساعة 14:44

- ما الصورة المشهورة عن الولايات المتحدة؟

صاحبة واحد من أعرق الأنظمة الديمقراطية بالتاريخ الحديث.

- ما أبرز الاتهامات التي ألقاها ترامب بعيد إغلاق أبواب الاقتراع؟

سرقة الديمقراطيين للأصوات، وتزوير الانتخابات عبر أصوات البريد.

- بم وصف المرشد الإيراني الانتخابات الأمريكية؟

بالعملية الاستعراضية.

لم تمر الانتخابات الأمريكية كما هي عادتها كل أربع سنوات بشكل دراماتيكي، خصوصاً أنها من أقدم وأعرق الديمقراطيات العالمية في التاريخ الحديث، في ظل الانقسام الحاصل بالمجتمع الأمريكي بين مؤيدي الرئيس الجمهوري المنتهية ولايته دونالد ترامب، ومناصري منافسه الديمقراطي جو بايدن.

ولطالما كان التمسك بالسلطة موضوعاً لا يفتح النقاش حوله بالنسبة لرؤساء الولايات المتحدة، باعتبار أن الدستور الأمريكي هو المقياس الأبرز للقانون والسياسة في البلاد، كما أن الديمقراطية راسخة لدى الشعب الأمريكي والأحزاب على تنوعها واختلافها.

ولأول مرة في ظل إدارة ترامب وأثناء التحضير للانتخابات الرئاسية، بدأت تظهر عبارات غريبة على القاموس الأمريكي، مثل: "القبول بتسليم سلمي للسلطة"، أو "نزاهة الانتخابات"، أو "التزوير"، وما إلى ذلك.

وفي ظل عدم معرفة الأمريكيين لرئيسهم المقبل بعد أيام من التصويت، فتح ذلك كثيراً من الأسئلة عن تغييرات كبيرة حصلت في المجتمع الأمريكي خلال السنوات القليلة الماضية، وتقسيمه، بالإضافة لتخريب الصورة الديمقراطية المعروفة عن الولايات المتحدة، التي تُعرف نفسها بأنها الدولة الأقوى عالمياً، وسط حديث إعلامي مستمر عن خفوت شعبية ترامب، وهو ما كذبته صناديق الاقتراع، في ظل تقارب الأصوات بين المرشحين.

كسر الصورة الأمريكية

ويدور جدلٌ واسع اليوم داخل الولايات المتحدة عن مدى إمكانية مرور نتيجة الانتخابات الرئاسية في البلاد دون فوضى المتهم الأول في صنعها هو الرئيس ترامب.

فمنذ الساعات الأولى لإغلاق أبواب الاقتراع تحدث دونالد ترامب عن فوز كبير له، وسرقة الديمقراطيين للانتخابات، وعن عمليات تزوير، وأنه سيلجأ إلى المحكمة العليا، مع مطالبات حمْلته بوقف فرز الأصوات ببعض الولايات المتأرجحة، والذي رُفض قضائياً بطبيعة الحال.

فيما كانت تصريحات بايدن أكثر توازناً رغم تأكيده أنه واثق من الفوز، مطالباً أنصاره بالصبر، واستمرار الولايات بعد الأصوات البريدية المتأخرة.

هذا الجدل المستمر جعل العديد من الصحف الأمريكية والغربية تنظر إلى الانتخابات الأمريكية نظرة مختلفة في الدورة الانتخابية الجارية، واصفة المجتمع الأمريكي بالمنقسم، بالإضافة إلى إطلاق صفة "الترامبية" على الحالة السياسية التي تعيشها البلاد.

وقالت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في افتتاحيتها المعنونة "أمة منقسمة بشكل خطير"، في 5 نوفمبر 2020، إنه بغض النظر عن نتيجة الانتخابات فإن "الولايات المتحدة تبقى دولة منقسمة بمرارة.. رغم استطلاعات الرأي التي أشارت إلى أن دونالد ترامب كان على وشك أن يواجه رفضاً كاسحاً من قبل الناخبين، لم يكن هناك تنصل من الرئيس؛ بدلاً من ذلك، يفصل جزء بسيط فقط من التصويت الشعبي بين بايدن وترامب".

وأردفت الصحيفة: "كان رأينا أن ترامب يستحق أن يخسر وبطريقة كبيرة، كان سوء إدارته لأزمة فيروس كورونا، التي أودت بحياة مئات الآلاف من الأمريكيين، سبباً كافياً، لكن كانت هناك أسباب عديدة لطرد ترامب من البيت الأبيض، بالنظر إلى أنه قاد أسوأ إدارة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث".

وترى الغارديان أن "هناك قلقاً حقيقياً من خوض الحزبين الأمريكيين الرئيسيين صراعاً خطيراً وشرساً على السلطة للسيطرة على الإدارة؛ لقد شهدت سياسات ترامب المثيرة للانقسام أن الانتخابات أصبحت مصدراً للتقلب في الديمقراطية الرائدة في العالم".

وأشارت إلى أن هامش السيطرة على مجلس الشيوخ ضيق للغاية لدرجة أنه سيكون من الحماقة التنبؤ بمن قد ينتهي به الأمر في السلطة؛ يحتفظ الديمقراطيون بقبضتهم على مجلس النواب، ولكن بقبضة أكثر مرونة من ذي قبل؛ هذه لعبة محصلتها صفر، فيما تكون خسارة أحد الأطراف مكسباً للطرف الآخر، إن الحكومة في أمريكا وشعبها سيكونان الخاسرين".

بايدن وترامب

من جهته، تساءل المفكر السياسي البارز عبد الله النفيسي: "هل ما يمر به المجتمع الأمريكي من انقسام بيّن ممكن اعتباره إرهاصاً ومقدّمة لانهيار الفدرالية الأمريكية وانكفاء (الولايات) على نفسها؟".

في الوقت الذي أكّد الكاتب الصحفي الأمريكي المخضرم توماس فريدمان، أنه "في الوقت الذي لم يكن يعرف فيه الأمريكيون من الفائز في انتخابات الرئاسة فإنهم يعرفون حق المعرفة أن الخاسر هو الولايات المتحدة".

ووصف، في مقال له بصحيفة "نيويورك تايمز" في 5 نوفمبر 2020 (ترجمه موقع الجزيرة نت)، السنوات الأربع لرئاسة دونالد ترامب، التي انتهت للتو، بأنها الأكثر إثارة للانقسام، والأكثر خداعاً في التاريخ الأمريكي؛ لأنها "هاجمت الركيزتين التوءمين للديمقراطية الأمريكية؛ أي الحقيقة والثقة".

وانتقد ترامب بأنه لم يقض يوماً واحداً من ولايته محاولاً أن يكون رئيساً لكل الشعب، وكسر القواعد، ودمر الأعراف بطرق لم يجرؤ عليها أي رئيس آخر، حتى ليلة الثلاثاء (3 نوفمبر 2020)، عندما زعم زوراً تزوير الانتخابات، ودعا المحكمة العليا للتدخل، ووقف التصويت، وكأن مثل هذا الأمر ممكن ولو عن بعد.

في الوقت ذاته رجح فريدمان، أنه يكون الفارق- لو فاز جو بايدن- ضئيلاً في العديد من الولايات الرئيسية التي تمثل ساحة المعركة، ولن تكون هناك أغلبية ساحقة تخبر ترامب ومن حوله أن هذا يكفي؛ "اغرب عن وجوهنا، ولا تُعد سياسة الانقسام إلى هذا البلد مرة أخرى".

وهو ما يتفق مع ما غرد به الإعلامي لقاء مكي: "حتى لو هزم ترامب، فإن سياساته الشعبوية حققت نجاحاً لا يمكن تجاهله، مع جائحة كورونا، ومع حقيقة معاداة وسائل الإعلام والنخب والمؤسسات له، فإن ما بلغه ترامب من أصوات هو أكبر بكثير مما يستحق فعلاً، كرئيس متهم بكسر القواعد السياسية، وشخصنة الرئاسة".

انتخابات

درس للعرب والخليج

مدير مركز "مينا" للدراسات في واشنطن، الدكتور خالد الجابر، قال إن الملحمة الانتخابية التي نراها اليوم يشوبها الكثير من الحزم، ومحاولة إعطاء كل صوت قيمة في اختيار الرئيس الذي سيدخل إلى البيت الأبيض، مضيفاً: "هذه هي قيمة الولايات المتحدة التي يعيش فيها العديد من الأطياف المختلفة".

وقال الجابر، في تصريح لـ"الخليج أونلاين": إن "أول من يجب عليه تعلم درس الديمقراطية مما يحدث حالياً في الولايات المتحدة هم العرب عموماً وحكّام الخليج خصوصاً"، مشيراً إلى أن جائحة كورونا فرضت شكلاً مختلفاً على هذه الانتخابات واستدعت معاملة استثنائية مع عمليتي التصويت والفرز.

وأشار الجابر إلى أن الولايات المتحدة تعيش انتخاب الرئيس والكونغرس في وقت واحد، وهو ما يجعل تعاملها مع هذا التحديث الكبير "ملحمة يجب تناولها بالبحث والتعلّم".

وتابع: "هذه الانتخابات وهذه النتائج لا نراها في العالم العربي، وهذا يدعونا لتعلم كيفية الديمقراطية وكيفية إجراء الانتخابات والتعامل مع تحدياتها المختلفة".

دعوات لاحترام نتائج الصندوق

ولطالما كانت الولايات المتحدة من الدول المتصدرة لمن يطالب باحترام نتائج صناديق الاقتراع في الدول، خصوصاً دول العالم الثالث، إلا أنها توضع اليوم- وفي سابقة من نوعها- أمام استهزاءات، ودعوات دول أخرى للأحزاب الأمريكية للقبول بنتيجة الانتخابات، وسط اتهامات من دول أخرى بأنها مجرد عملية "استعراض".

فقد سخر المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، من الانتخابات الأمريكية، ووصفها بـ"الاستعراض"، وقال في تغريدة له في (5 نوفمبر 2020): "يا له من استعراض! يقول أحدهما (المرشحين) إنها الانتخابات الأكثر تزويراً في تاريخ الولايات المتحدة، ومن يقول ذلك؟ الرئيس الحالي".

وأردف: "خصمه (جو بايدن) يقول إن ترامب ينوي تزوير الانتخابات، هذه هي الانتخابات الأمريكية والديمقراطية في الولايات المتحدة".

أما وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، فقد قال في تصريح خلال زيارته إلى فنزويلا: إن "الحكومة الأمريكية لم تعد قادرة على السيطرة على مجريات الأحداث في العالم، ولم يعد بإمكانها أن تظهر للدول الأخرى كيف تحمي حقوق المواطنين".

أصوات

في حين كان لحلفاء الولايات المتحدة رأي آخر، إلا أنه مفاجئ، فقد دعا وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، في بيان صحفي، السياسيين الأمريكيين إلى "ترسيخ الثقة بالعملية الانتخابية وبالنتائج"، مشدداً على ضرورة التحلي بالصبر حتى انتهاء عمليات الفرز.

حديث المسؤول الألماني جاء بعد تصريحات لوزيرة دفاع ألمانيا قالت فيها إن الوضع متفجر جداً في الولايات المتحدة، حيث أعلن ترامب فوزه قبل انتهاء فرز الأصوات، محذرة من "أزمة دستورية"، وأوضحت أن "هذا أمر يثير قلقنا جميعاً".

بدوره أكّد وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، أن "اختيار الرئيس يعود إلى الأمريكيين، وينبغي لنا بعدها أن نعمل مع الشخصية المنتخبة ومع الحكومة الأمريكية الجديدة، مهما حصل".

في الوقت الذي أكّد البريطانيون أن العلاقة مع الولايات المتحدة ستكون معززة أياً كان الفائز، مؤكدين على لسان المتحدث باسم الحكومة أن الولايات المتحدة هي أقرب حليف لنا.

كل تلك المواقف تظهر لأول مرة، حيث لم يكن هناك تصريحات سابقة بخصوص العملية الديمقراطية في الولايات المتحدة، باعتبارها من أكثرها رسوخاً في العالم الحديث، أو حتى إشارات عن وضع متغير في سياساتها باعتبارها دولة مؤسسات.

وترى صحيفة "إيكونوميست" البريطانية أن العالم الذي ظل يراقب باهتمام شديد نتائج الانتخابات سوف يستخلص استنتاجين من فشل أمريكا في رفض (نهج) "الترامبية" بشكل حاسم؛ الأول أن القوميين الشعبويين الذين يتطلعون لترامب ملهماً سيعتقدون الآن أن علامتهم التجارية السياسية لديها مستقبل أكثر إشراقاً خارج الولايات المتحدة أيضاً.

في حين أن الاستنتاج الثاني، بحسب تقرير الصحيفة، هو ضرورة الحذر من الاعتماد على أمريكا، فقد كان ترامب قوة "تخريبية" في الشؤون الخارجية باحتقاره للتحالفات والتعددية، في حين أن بايدن سيسعى بلا شك إلى استعادة العلاقات الوثيقة مع الحلفاء، وتعزيز الحوكمة العالمية، على سبيل المثال البقاء في منظمة الصحة العالمية، والانضمام إلى اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، ولكن بعد نتيجة هذه الانتخابات سيعرف الجميع أنه يمكن عودة ترامب مرة أخرى عام 2024.

مكة المكرمة