هل سيؤدي استهداف الجنود الأتراك لتدخل من الناتو وأمريكا؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/bxeqao

تركيا طالبت بحظر جوي دولي فوق إدلب

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 28-02-2020 الساعة 18:11

بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وتراجع الدور الأمريكي في المنطقة، اضطرت تركيا إلى تبني سياسة أكثر توازناً في علاقتها بين المعسكرين الشرقي والغربي، وبالأخص بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بما يضمن لها أمنها القومي ومصالحها.

وكانت الساحة السورية هي السبب الأساس في الخلافات بين تركيا والمعسكر الغربي، حيث شعرت تركيا أنه تم التخلي عنها بشكل ما، وتم دعم مليشيات كردية سورية تهدد الأمن القومي على حدودها الجنوبية من قبل واشنطن.

ودفعت حساسية الموقف في الشمال السوري، وزيادة تدفق اللاجئين بتركيا، إلى توقيع اتفاقيات خفض تصعيد مع روسيا وإيران عام 2016، إلا أن النظام السوري خرقها مئات المرات بدعم من موسكو.

وفي الأسابيع الماضية استهدفت قوات نظام بشار الأسد، مدعومة من روسيا وإيران، نقاط المراقبة التركية، وقُتل وأصيب جنود أتراك، في خرق واضح لاتفاقات "أستانة" و"سوتشي" بخفض التصعيد في إدلب وما حولها.

ويدفع التوتر الحالي بين تركيا وروسيا في إدلب إلى التساؤل حول إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة وحلف "الناتو" لسابق عهدها أم أن لتركيا خططاً أخرى؟

استهداف كبير

وفي تحرك لا يمكن لنظام الأسد تحمله وحده من دون دعم روسي كبير، أقدم جيش الأسد، مساء الخميس (27 فبراير 2020)، على استهداف تجمع للجيش التركي قتل على إثره 33 جندياً، فضلاً عن وجود 36 مصاباً بالمستشفيات، بحسب الأرقام الرسمية.

وقالت الرئاسة التركية في بيان (28 فبراير 2020): إن "دماء جنودنا لن تذهب سدى، وستستمر أنشطتنا العسكرية في الأراضي السورية حتى كسر جميع السواعد التي تطاولت على العلم التركي".

وأضاف بيان الرئاسة التركية أن "قواتنا المسلحة الجوية والبرية تواصل قصف كافة الأهداف المحددة لقوات نظام الأسد"، مضيفاً أنه "لم ولن نقف متفرجين حيال ما تشهده إدلب من أحداث مشابهة لتلك التي وقعت في رواندا، والبوسنة والهرسك".

وأظهرت مقاطع مصورة لوكالة "الأناضول" أن المقاتلات التركية قصفت عدة مقار فيها قوات للنظام السوري، ما أدى إلى قتل وجرح العشرات منهم، كرد أولي على استهداف جنودها.

من جانبها، زعمت وزارة الدفاع الروسية، يوم الجمعة (28 فبراير 2020)، أن الجنود الأتراك الذين استهدفهم قصف قوات النظام السوري مساء الخميس، كانوا ضمن "وحدات مقاتلة من مجموعات إرهابية"، في إشارة إلى المعارضة السورية.

وادعت الوزارة أن "عسكريين أتراكاً كانوا في عداد وحدات مقاتلة من مجموعات إرهابية تعرضت لنيران جنود سوريين"، مشيرة إلى أن الجانب التركي لم يبلغ عن وجود قوات له في المنطقة المعنية، وأنه لم يكن يفترض أن تكون هناك.

وقالت: إن "الجانب الروسي فور تلقيه معلومات عن إصابات في صفوف العسكريين الأتراك، اتخذ جميع الإجراءات الضرورية لوقف إطلاق النار من قبل القوات السورية بشكل كامل، وتأمين إجلاء القتلى والجرحى الأتراك إلى بلادهم".

خيارات تركيا

ويعتقد الصحفي السوري إبراهيم العلبي، في حديث مع "الخليج أونلاين"، أن الخيارات التركية باتت أضيق بكثير مع إصرار روسيا على زيادة تكلفة تركيا في إدلب، ووضعها أمام خيار المواجهة المباشرة معها أو الانسحاب.

وقال: "يبدو أن استراتيجية روسيا تقوم على تقييم أن تركيا أحوج إلى روسيا من حاجة روسيا إلى تركيا، ومن ثم نشاهد اندفاع موسكو الخشن في سوريا ضد القوات التركية وبالتناقض مع اتفاقيات أستانة وسوتشي".

بدوره قال سنان أولجن، وهو دبلوماسي تركي سابق ويرأس حالياً مركز الدراسات الاقتصادية والسياسة الخارجية، (مؤسسة بحثية مقرها إسطنبول): إنه "ليس لدى تركيا أي خيارات جيدة من الآن فصاعداً، لذلك إذا لم يتم التوصل لوقف إطلاق النار قريباً، فإن تركيا ستحارب"، بحسب "رويترز".

وفعلياً قالت أنقرة، يوم الجمعة (28 فبراير 2020)، إنه "يتعين على القوى العالمية فرض منطقة حظر طيران في سوريا لحماية مئات الآلاف من النازحين بسبب الاشتباكات"، وهذا يدل على أن تركيا تطالب بمساندة غربية لوقف الإصرار الروسي على دعم الأسد في إدلب.

ماذا عن أمريكا؟

ورغم أن الولايات المتحدة دعت أكثر من مرة إلى إيقاف التصعيد في إدلب، فإنها لم تقم بشيء ملموس يساهم في دعم تركيا الحليف التقليدي لها.

ويبدو أن الانكفاء الأمريكي ساهم بأن تتشبث روسيا بتقريرها للوضع الميداني في شمال سوريا عبر تحريك النظام عسكرياً ليسيطر على مدن استراتيجية؛ رغم وجود أكثر من مليون نازح ومئات القتلى والجرحى السوريين، بالإضافة لتهديد الأمن القومي التركي.

ومع استهداف الجنود الأتراك، طالبت واشنطن النظام السوري وروسيا بإيقاف "هجومهما الشنيع" في محافظة إدلب.

وقال متحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية في بيان: "نحن ندعم تركيا حليفتنا في حلف شمال الأطلسي، ونواصل الدعوة إلى وقف فوري لهذا الهجوم الشنيع لنظام الأسد وروسيا والقوات المدعومة من إيران".

واستغلت الولايات المتحدة استهداف الجنود الأتراك للتذكير بالتقارب الروسي التركي في الفترة الماضية، حيث قالت سفيرة واشنطن لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كاي بايلي هاتشيسون: إن "الأتراك يجب أن يدركوا من هو حليفهم الذي بإمكانهم الاعتماد عليه ومن هو العكس".

وقالت للصحفيين: "هم يرون حقيقة روسيا، ويرون ما الذي تفعله اليوم، وإذا كانوا يهاجمون قوات تركية، فعندها يجب أن يتجاوز هذا أي شيء آخر يحدث بين تركيا وروسيا".

ودعت تركيا إلى أن "تستخلص من المواجهات في سوريا مَن هو صديقها الحقيقيّ، وإلى أن تتخلى عن شراء منظومة دفاع جوي صاروخية من روسيا (إس 400)".

ويرى إبراهيم العلبي أن الأمور تتجه نحو تقارب أمريكي تركي، لكن العقبة الوحيدة أمام عودة علاقات التحالف المتينة بين واشنطن وأنقرة هي منظومة إس 400 الروسية، "فعلى الأغلب سيكون التخلي عنها أو على الأقل تعطيلها شرطاً أمريكياً لفرض حظر جوي في إدلب كما تطلب أنقرة".

ويوجد أصوات داخل الولايات المتحدة تطالب بفرض حظر جوي فوق إدلب، وهذا ما يعني أن بعض الساسة الأمريكيين ما زالوا يرون في أنقرة حليفاً لا يمكن التخلي عنه.

فقد دعا السناتور الجمهوري لينزي غراهام، يوم الخميس (27 فبراير 2020)، إلى إقامة منطقة حظر طيران فوق إدلب بسوريا، وحث الرئيس دونالد ترامب على المساعدة في سبيل وقف مقتل المدنيين هناك على يد قوات الأسد المدعومة من إيران وروسيا.

ماذا عن "الناتو"؟

ويغيب تأثير حلف شمال الأطلسي، الذي تعد تركيا ثاني قوة عسكرية فيه بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وفق تعداد الجيش والتسليح والموقع الاستراتيجي (وفق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية للعام 2016)، وقد انضمت إلى الحلف منذ بدايات تأسيسه عام 1952.

ورغم تعرض أحد أعضائه للخطر خلال الأسابيع الماضية بشكل جدي عبر استهداف قواتها؛ فإن الحلف دعا للتهدئة بدلاً من اتخاذ إجراءات استباقية تحمي تركيا العضوة الفاعلة فيه.

وأعلن "الناتو"، بعد مقتل الجنود الأتراك، أن "مجلس حلف الأطلسي الذي يضم سفراء كل الدول الأعضاء الـ29 سيجتمع، الجمعة (28 فبراير)، بطلب من تركيا، لإجراء مشاورات بموجب المادة 4 من اتفاقية واشنطن التأسيسية، حول الوضع في سوريا".

وبموجب المادة 4 يحق لأي عضو في الحلف طلب محادثات حين يرى تهديداً "لوحدة وسلامة أراضيه، واستقلاله السياسي أو الأمني".

وسبق أن طلبت تركيا، في 2015، تفعيل المادة الرابعة، وعقب ذلك أقر الحلف سلسلة تدابير لتعزيز أمن تركيا حيال المخاطر التي مصدرها سوريا.

وشملت حزمة التدابير إجراءات مثل تسيير دوريات لطائرات "أواكس" للإنذار المبكر في المنطقة، وزيادة العناصر العسكرية شرق المتوسط، وتعزيز التعاون في مجال الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة.

وحول ما الذي يمكن أن يقدمه الحلف لتركيا قال العلبي لـ"الخليج أونلاين": إن "أقل ما يمكن أن يفعله الناتو ويمكن أن يرضي تركيا هو فرض حظر جوي في إدلب".

ولدى تركيا مخاوف من ازدياد عدد اللاجئين على أراضيها، إذ تستضيف نحو 3.6 ملايين سوري على أراضيها، فيما يوجد أكثر من 4 ملايين نازح ومهجر في مناطق إدلب، وهو ما يجعل استهداف المنطقة ينذر بكارثة إنسانية لا يمكن تحملها.

ومنذ عام 2014 تخشى الدول الأوروبية، التي تعد بغالبيتها عضوة في حلف "الناتو"، من تدفق اللاجئين عبر الأراضي التركية.

ولكن بعد الاستهداف الكبير لجنودها في إدلب قامت تركيا بفتح حدودها أمام اللاجئين نحو الدول الأوروبية، وهو ما سيربك المشهد أمامهم بشكل كبير.

وقال مسؤول تركي كبير لوكالة "رويترز"، في ساعة متأخرة يوم الخميس (27 فبراير 2020)، إن أنقرة لن تمنع من الآن فصاعداً قرابة أربعة ملايين لاجئ تستضيفهم من الوصول إلى أوروبا.

وفعلاً بثت "الأناضول" مقاطع مصورة لمئات من اللاجئين الذين تدفقوا إلى مدن حدودية مع اليونان وبلغاريا، ما يؤكد جدية الضغط التركي.

ساعة الحقيقة

بدوره يرى المحلل السياسي التركي حمزة تكين، أن ما حصل في إدلب من استهداف للجنود الأتراك غيّر كل شيء بالنسبة لتركيا، مبيناً أن "ما بعد هذا الاستهداف لن يكون كما قبله".

وقال في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "تركيا في هذه الاثناء تعكف على وضع اللمسات الأخيرة على خططها الدبلوماسية والعسكرية لمزيد من الرد"، مشدداً بالقول: إن "الاستراتيجية التركية الآن تغيرت، وكل مواقع النظام السوري أصبحت هدفاً مشروعاً لتركيا، وهذا ما أعلنه مسؤولون أتراك خلال الساعات الماضية".

ووصف الولايات المتحدة، باعتبارها قائدة حلف الناتو الذي تعتبر تركيا أحد أعضائه، بأنها "أمام امتحان كبير إما أن تكون إلى جانب أحد أقوى أعضاء حلف الناتو أو تختار الصمت والانكفاء".

واعتبر أن الخيار الثاني "سيؤثر سلباً وبشكل كبير وجدي على حلف الناتو، وعلى وحدة الحلف وبقائه"، مشيراً إلى أن "العلاقات بين الحلف وتركيا وأمريكا كلها مرتبط بعضها ببعض".

وعليه يرى المحلل السياسي التركي أن "الكرة في الملعب الأمريكي"، مضيفاً: "تركيا ليست متضرعة أو راكعة أمام الباب الأمريكي. هي تعرف ما ستفعل في إدلب. لديها خيارات كثيرة. منذ سنوات تدرس تركيا خياراتها في سوريا، فالقضية ليست نتاج ساعتين، وعليه فستتصرف تركيا بطريقة هوجاء".

واستطرد قائلاً: "هناك سياسات واضحة، ومن هذه السياسات أن تنسق تركيا مع الولايات المتحدة؛ ومن ثم تتحسن نوعاً ما العلاقات بين أنقرة وواشنطن"، مستدركاً: "ولكن في حال اختارت أمريكا الانكفاء أو الصمت فإن تركيا حين يحين وقت الجد ليست بحاجة لهذا الدعم على الأرض على أقل تقدير".

وأوضح تكين في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن "الجيش التركي قادر على فرض ما يريده في إدلب دون الحاجة لأمريكا ولا للناتو. قد يكون بحاجة للدعم السياسي فقط لا غير، وهذا شبه مؤمل؛ على أقل تقدير من خلال التصريحات المعلنة لمسؤولي الناتو".

ووفق قوله فإن "الناتو مطالب بتطبيق كل ما تريده تركيا وفق بنود مواد الحلف"، مبيناً أن هناك بنوداً توضح أن أي اعتداء على أي عضو في الحلف يجب أن يساند الحلف هذا العضو مهما كانت هذه الظروف.

ومن ثم يقول تكين إن دعم الحلف لتركيا عسكرياً بالتحديد وليس بالمواقف الإعلامية والبيانات سيقوي الناتو بطبيعة الحال، وسيعطيه زخماً في الحاضر والمستقبل.

وإن لم يفعل ذلك فإن وحدة الناتو مهددة بالانهيار، بحسب المحلل السياسي التركي.

ومن بين جملة الخطوات التي يجب أن يتخذها الناتو، يقول تكين: "الحظر الجوي".

خيارات تركيا 

من جانب آخر يرى المحلل السياسي التركي أن "الخيارات التركية كثيرة، وتركيا لا تتصرف بعشوائية وبطريقة هوجاء، وهناك خطط عسكرية عديدة موضوعة"، مستشهداً بتصريحات لوزير الدفاع التركي في هذا الجانب.  

وأضاف: "لكن تركيا تتصرف بهدوء رغم كل الخطر والوضع السيئ في إدلب، ولكن الهدوء التركي واضح، والحكمة في الرد وطريقة الرد واضحة".

ولفت النظر إلى أن "تركيا لا تريد أن تدخل المنطقة في حرب شاملة؛ فأي مواجهة مباشرة بين تركيا وروسيا تؤدي إلى حرب شاملة في المنطقة".

وأشار إلى أن "روسيا لا تريد التفريط بعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا، مثلما أن تركيا لا تريد هذا أيضاً"، مشدداً على أهمية احتواء البلدين لهذا التصعيد، "وإلا فسيكون الجميع متضرراً".

تكين يرى أن لدى تركيا العديد من الأوراق التي تجعل روسيا تحسب حسابات كبيرة في حال فكرت بالمواجهة.

وبين أن "بيد تركيا الناتو، وصواريخ إس 400، وطائرات سوخوي. وبيدها أيضاً أوكرانيا والقرم والامتداد التركي حتى القوقاز، وبيد تركيا السيل التركي والتجارة مع روسيا".

وأضاف: "بيد تركيا كذلك حلفاؤها في الجيش الوطني السوري بأعداد ضخمة، الذين تستطيع تركيا تزويدهم بالسلاح النوعي، ومن ثم يستطيعون أن يحرقوا روسيا كلها في سوريا وليس فقط في إدلب، وروسيا تعلم ذلك جيداً".

مكة المكرمة