هل تقرع الثورة المضادة أبواب تونس بأيادٍ بيضاء؟

الانتخابات التشريعية في تونس ستتبعها أخرى رئاسية أواخر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل

الانتخابات التشريعية في تونس ستتبعها أخرى رئاسية أواخر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 27-10-2014 الساعة 16:33


أفرزت النتائج الأولية لانتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان) التونسي، تقدماً لحزب "نداء تونس" بنسبة تقارب 37 بالمئة من أصوات الناخبين، مطيحاً بأحزاب "الترويكا" الثلاثة، التي تقدّمت المشهد الديمقراطي التونسي بعد الثورة، طوال ثلاث سنوات انتقالية.

وإن كان مراقبون قد توقعوا إحراز "نداء تونس" الذي أعلن تأسيسه عام 2012، لنسبة وازنة في الانتخابات التشريعية، إلا أنهم توقعوا أن يحلّ في المركز الثاني بعد حزب "النهضة"، الذي فاز بأغلبية مريحة في أول انتخابات بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي.

حزب "حركة النهضة" الإسلامي الذي بقي يراهن على الحشد الشعبي العريض له خلال تجمّعاته الانتخابية، لم يُسعفه الحال أمام تحالف تشكيلة من القوى اليسارية والقومية وأخرى مرتبطة بـ"التجمع الدستوري الديمقراطي" حزب الرئيس المخلوع، المنحلّ بعد الثورة، إذ تعاهدت هذه القوى على دعم "نداء تونس" في وجه منافسه "النهضة"، وذلك لقطع الطريق على أيّ حكومة ائتلافية قد يشكّلها؛ إذ ينصّ الفصل 89 من الدستور التونسي، على أن رئيس الدولة يكلّف الحزب الأول في البرلمان بتشكيل الحكومة.

وكان من الواضح منذ تأسيسه الذي تلا خلع زين العابدين بن علي بعام واحد، أنّ "نداء تونس" وزعيمه الحالي الباجي قائد السبسي، يسعيان إلى تشكيل مظلة تجمع رجالات "التجمع الدستوري الديمقراطي" المنحل، وعدداً من النقابيين واليساريين المقرّبين منه، مع مستقلّين صنّفوا كمنتفعين من النظام السابق.

خلاف سياسي أم دعوات انتقام؟

ولم يخفِ السبسي عداءه لـ"النهضة"، إذ تصدّر المشهد المعارض لها خلال عامين قادت فيهما الحركة حكومة "الترويكا"، مكثّفاً من هجومه على حكومة علي العريّض، بالتزامن مع خلع الرئيس المصري محمد مرسي، حيث أطلق أولى الدعوات إلى حل الحكومة، وتشكيل ائتلاف كفاءات وطنية (تكنوقراط)، أواسط العام الماضي.

خلاف السبسي مع ثلاثية "الترويكا" التونسية التي ضمت "النهضة" ممثلة برئاسة الحكومة، حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" ممثلاً بمؤسسة الرئاسة بقيادة المنصف المرزوقي، وحزب "التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" الذي يقوده رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، بدا أبعد من خلاف على سياسات قيادة البلاد في مرحلة انتقالية شديدة الحرج، فقد وصل حدّ التشكيك بمدى تمثيل المجلس التأسيسي المنتخب للشارع التونسي، إذ وصفه غير مرة بـ"المجلس غير الشرعي"، كما رفع محاموه شكاوى ضد قيادات في الحكومة و"النهضة" إلى محكمة الجنايات الدولية بتهم "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية"، وذلك في الوقت الذي نشطت فيه مفاعيل حقوقية تونسية ودولية، من أجل محاكمة بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي دولياً، وتجميد أصولهما المالية في أوروبا.

اختبار الثورة والثورة المضادة

لكنّ فترة حكم "الترويكا" لم تكن زاهرة كما أمَّل التونسيون، الذين افتتحوا موسم "الربيع العربي" طامحين بالحريات والعدالة الاجتماعية؛ إذ شهدت البلاد موجة عنف واغتيالات راح ضحيتها المعارضان شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وظهوراً لتيارات إسلامية متشددة اصطدمت مع الحكومة والشارع، كما نالت أرقام البطالة والفقر من أحلام الشباب الذين شعروا بالتهميش إبّان حكم بن علي وبعده.

وجاءت قضية الحريات العامة والشخصية، كأداة تخويف أشهرتها الأحزاب الخمسة المكوّنة لـ"الاتحاد من أجل تونس" على رأسها حزب السبسي، كفزاعة في وجه التونسيين لتخويفهم من قبضة إسلاميي "النهضة" وحلفائهم، ولم يتردّد قياديو "نداء تونس" المحسوبون على اليسار، من التخويف من "راديكالية" زملائهم اليساريين المتحالفين مع "النهضة".

واليوم؛ تونس التي لم تفلح خلال شهور من الجدل الساخن بتمرير مشروع قانون "تحصين الثورة" عبر مجلسها التأسيسي، وهو القانون الذي ينص على حرمان رجالات النظام السابق من تقلّد مناصب سياسية في الدولة، وجدت نفسها أمام أغلبية برلمانية، منبثقة عن تخلُّق سياسي جديد لحزب الرئيس المخلوع بن علي، في مشهد يثير التساؤلات عن نجاح ممثلي "الترويكا" في تحقيق آمال ناخبيهم، بترسيخ تونس الجديدة ما بعد الثورة.

ولا يبدو أن تغييراً كبيراً سيلوّن مستقبل البلاد السياسي، إن جاءت كلمة التونسيين خلال الانتخابات الرئاسية المزمعة بعد شهر مغايرة، إذ يمنح الدستور الجديد المتوافق عليه مطلع عام 2014 الجاري، صلاحيات أوسع للبرلمان والحكومة مقابل صلاحيات أقل لرئيس الجمهورية، مما يؤهل المشهد برمّته لفتح الباب أمام تساؤلات الثورة والثورة المضادة، ووسائلها وطرقها، بين منهج مصري اختار نفوذ العسكر، وآخر تونسي تسلّل من أبواب الدولة الخلفية.

وبدا أن "الربيع العربي" الذي سجّل فورة فوز للأحزاب الإسلامية، سرعان ما أهدى هذه الأحزاب خريفاً أعادها إلى موقع الحصار والمطاردة، أو مقاعد المعارضة في أفضل الأحوال، في مشهد عبَّر عنه مراقبون بأنه يدحض المزاعم حول تشبّث الإسلاميين بالسلطة، لكنّه أيضاً يكشف عن ضعف خبرة وتجربة هذه الأحزاب السياسية التي لم تؤهّلها لا لتطهير "الدولة العميقة"، ولا لكسب ثقة الشارع لمرتيْن متتاليتيْن.

مكة المكرمة