نذير حرب بمنطقة البحيرات العظمى في أفريقيا.. هذه أطرافها وتداعياتها

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gm8Azo

أطرافها أوغندا ورواندا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 27-03-2019 الساعة 18:39

منذ الخامس من مارس الجاري، اتجهت الأنظار نحو منطقة البحيرات العظمى، الواقعة شرقي قارة أفريقيا؛ على خلفية التوتر المتصاعد بين أهم بلدين هناك؛ إذ تعيش هذه المنطقة على وقع خلاف دبلوماسي آخذ في التصاعد بين كل من رواندا وأوغندا.

وتيرة الخلاف الدبلوماسي وصلت إلى حدّ الملاسنات بين الخَصمين اللدودين: الرئيس الأوغندي يوري موسفيني، والرواندي بول كاغامي؛ لتثور على أثر ذلك مخاوف من انزلاق إقليم البحيرات، الذي يضم دول الكونغو الديمقراطية، ورواندا، وبورندي، وأوغندا، وتنزانيا، إلى نزاع إقليمي واسع النطاق.

وفي ظل تمسك كل دولة بمواقف أكثر تشدداً تجاه الأخرى، واستمرار التصعيد الإعلامي المتبادل، تثور مخاوف إقليمية ودولية من تطور هذا النزاع إلى حرب ستكون فوضى إقليمية، لا سيما بعد أن أشارت تقارير إعلامية عديدة الى أن الطرفين باتا في أهبة الاستعداد لاحتمال وقوع مواجهة بينهما.

ويأتي هذا التوتر في وقت يستعد فيه الروانديون لإحياء ذكرى مرور 25 عاماً على وقوع المذابح، في 7 أبريل، والتي وُصفت بأنها "آخر عمليات الإبادة الجماعية في القرن العشرين".

تاريخ من الصداقة والعداء

كان كاغامي وموسفيني حليفين فترةً طويلة، حيث قاتل كاغامي إلى جانب موسفيني إبان حروب الأخير ضد نظامي ميلتون أوبتي (1985-1980) وتيتو أوكيلو (1986-1985) في أوغندا.

ونظراً إلى الجوار الجغرافي والتداخل الإثني والسياسي والأمني، علاوة على تدخُّل البلدين في صراعات جمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن التطورات في أي بلد منهما تنعكس على البلد الآخر؛ لذا يثير التوتر الحالي بين أوغندا ورواندا مخاوف من أن تلقي هذه الأزمة بظلالها على الأوضاع في الكونغو والمنطقة برمتها.

أسباب الخلافات

برزت الأزمة بين الجارين اللدودين إلى السطح، حيث عقد وزير خارجية رواندا، ريتشارد سيزبيرا، مؤتمراً صحفياً أعلن فيه غلق الحدود مع جارتهم أوغندا، ودعا الروانديين إلى مغادرة الأراضي الأوغندية فوراً، واتهم أوغندا أيضاً بتعمُّد اعتقال مواطنيها وسجنهم وزعزعة التجارة الحدودية.

ومنذ فترة ظلت وسائل الإعلام الرواندية تتناول أخباراً عن اعتقالات تطول روانديين بالعشرات، وسجنهم وتعذيبهم، وأن بعضهم يقبع في سجون عسكرية، فضلاً عن أن مكان بعضهم مجهول، بحسب رواية الإعلام الرواندي.

في المقابل، تتهم أوغندا جارتها رواندا بإرسال جواسيس يتسللون إلى داخل الأجهزة الأمنية الأوغندية، للتجسس عليها.

ويرى مراقبون أن السبب الرئيس لتفجُّر الخلافات الحالية بين البلدين، وظهورها إلى العلن، يكمن في الاتهامات المتبادلة بإيواء مجموعات معارضة مسلحة يعتبرها كل طرف تهديداً لأمنه.

في هذا السياق، تتهم رواندا، أوغندا بتقديم الدعم لفصيلين معارضين: "المؤتمر الوطني الرواندي"، و"القوى الديمقراطية لتحرير رواندا" واللذين يسعيان إلى الإطاحة بحكم الرئيس الحالي بول كاغامي.

ويتشكل الفصيلان من عناصر مليشيات "الهوتو" ومن بقايا النظام السابق، وتتهمهما حكومة رواندا بالترويج لأجندة نظام التطهير العرقي السابق.

وعلى خلفية الاتهامات المتبادلة بين البلدين، بدعم كل طرف منهما مجموعات مسلحة ضد الطرف الآخر، قال وزير خارجية رواندا ريتشارد سيزبيرا، لوكالة "رويترز"، في وقت سابق: إن كلاً من "المؤتمر الوطني الرواندي، والقوات الديمقراطية لتحرير رواندا يعملان من أوغندا، وبدعم من بعض السلطات هناك".

أما حكومة رواندا، فترى أن التعامل مع هاتين المنظمتين يعتبر خطاً أحمر لا يمكن السكوت عنه، وسبق أن مارست ضغوطاً مماثلة على كل من بورندي وتنزانيا المجاورتين بشأن التعامل مع رموز هاتين الحركتين؛ إذ تعتبر  التعامل معهما مساساً بكرامة الروانديين.

وبحسب موقع "نيو تايمز" الرواندي الإخباري، فمن بين التسهيلات التي يقدمها المسؤولون الأوغنديون لأعضاء "المؤتمر الوطني الرواندي" منحهم جوازات أوغندية.

إغلاق المعابر الحدودية وحظر تجاري متبادل

مع تصاعد حدة الخلافات الدبلوماسية والتصعيد المتبادل بينهما، فإن البلدين تبادلا أيضاً الاتهامات بتعمُّد كل طرف منهما الإضرار باقتصاد الطرف الآخر، من خلال إغلاق المعابر الحدودية ومنع عبور السلع والمواطنين على جانبي الحدود.

وفي 27 فبراير الماضي، أغلقت السلطات الرواندية من جانب واحد، نقطة "غاتونا" الحدودية مع أوغندا، إذ أشار موقع "إيست أفريكان" إلى فرض سلطات رواندا حظراً تجارياً على أوغندا.

وتعتمد رواند، وهي بلد حبيس؛ إذ ليست له إطلالة بَحرية، في الاستيراد والتصدير على موانئ كينيا وتنزانيا، مروراً بأراضي الدول المجاورة: أوغندا وبورندي والكونغو الديمقراطية وكينيا.

وفي 22 مارس الجاري، أفادت وسائل إعلام محلية رواندية، بأن سلطات البلاد أوقفت إرسال الطلاب للدراسة أو التدريب بأوغندا.

خطابات شديدة اللهجة 

بلغ التلاسن بين رئيسَي البلدين مستوىً غير مسبوق مؤخراً، واستخدما لهجة تصعيدية حادة، وألقى كل منهما على الآخر مسؤولية التسبب في زعزعة استقرار بلاده.

ففي التاسع من مارس الجاري، أدلى الرئيس الرواندي، خلال مخاطبته المؤتمر السنوي للقيادة (منصة وطنية تُعقد سنوياً، يبحث فيها الزعماء الروانديون تقدُّم البلاد واستراتيجية الإسراع بالأولويات الوطنية)، بتصريحات شديدة اللهجة.

وقال كاغامي وهو يوجه حديثه إلى غريمه موسفيني: "يمكنك محاولة زعزعة استقرار بلادنا، ويمكنك الإضرار بنا، يمكنك إطلاق النار عليَّ وقتلي. لكن هناك شيء واحد مستحيل، هو أن لا أحد بمقدوره أن يجعلني أجثو على ركبتيَّ، ولن يقبل رجال ونساء بلادي هذا"، داعياً المشاركين في المؤتمر إلى الاستعداد لأي مواجهة مع أوغندا.

من جانبه ردَّ يوري موسفيني على كاغامي بالقول: "أولئك الذين يسعون إلى زعزعة استقرار بلادنا لا يعرفون قدراتنا"، مشدداً على أن "قدراتنا ضخمة جداً، وبمجرد التعبئة لا يمكنهم البقاء على قيد الحياة".

حراك دبلوماسي وتعبئة بين الدولتين

بموازاة تصاعُد التوتر بين البلدين، يستمر الطرفان في التعبئة الدبلوماسية. ففي 16 مارس الجاري، أجرى كاغامي زيارة مفاجئة لتنزانيا، التقى خلالها الرئيس جوزيف ماجوفولي.

تلك الزيارة قال مراقبون إنها تهدف إلى حشد دعم تنزانيا في حالة نشوب حرب مع أوغندا. أيضاً زار كاغامي لاحقاً بعض الدول الإقليمية، حيث زار أنغولا، وجنوب أفريقيا.

بالمقابل، زار موسفيني في 23 مارس الجاري، الفرقة الأولى التابعة لجيش الدفاع الشعبي الأوغندي، والتقى الضباط والجنود فيها. وفي اليوم نفسه، زار الرئيس الكونغولي المنتخب حديثاً، فليكس تشسيكيدي، أوغندا والتقى نظيره موسفيني.

قلق في شرقي أفريقيا

أكثر المواقف المعبرة عن القلق من مخاطر تزايد التوتر بين كيغالي وكمبالا، جاءت من داخل الإقليم؛ حيث يعتبر "المؤتمر الدولي لإقليم البحيرات العظمى"، و"التكتل الاقتصادي لدول شرقي أفريقيا"، المظلتين الإقليميتين اللتين تتعاطيان مع تفاعلات المنطقة.

في السياق، وتعليقاً على الأزمة الناشبة بين أوغندا ورواندا، قال ليبرات أمفوموكيكو، السكرتير العام للتجمع الاقتصادي لدول شرقي أفريقيا (يضم بورندي، ورواندا، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، وجنوب السودان)، إن "التجمُّع" يراقب من كثبٍ تطورات أزمة النزاع الحدودي بين البلدين، وحذَّر من أن "هذه الأزمة إذا لم تُحتوَ فسوف تُزهَق فيها أرواح".

ويُعرف عن "منطقة البحيرات العظمي" أنها ظلت، وعلى مدى عقود طويلة، موئلاً للصراعات المسلحة، والتنافسات الإقليمية، وعدم الاستقرار والأزمات والكوارث الإنسانية، فضلاً عن التدخلات الأجنبية.

ويتألف "المؤتمر الدولي لمنطقة البحيرات العظمي"، الذي يعتبر منظمة دولية حكومية تسعى إلى الاستقرار، من 12 دولة عضوة، وتحظى بدعم شركاء دوليين ممثلين في "مجموعة أصدقاء البحيرات العظمى".

العودة إلى الحروب بالوكالة

وعقب تصاعُد التوتر، تنامت المخاوف من عواقب هذا التصعيد على الإقليم الأكثر هشاشة على مستوى العالم.

في هذا الخصوص، قال الباحث استيفني والترز، وهو زميل بـ"مركز الدراسات الأمنية"، مقره في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، في ورقة تقدير موقف، نشرها المركز بالـ18 من مارس الجاري: إن "التوتر في البحيرات العظمي وصل إلى مستوى الإنذار"، واصفاً ما يجري بأنه "أمر غير طبيعي بالنسبة للرئيسين اللذين كانا يحلان خلافاتهما خلف الأبواب المغلقة".

وأوضح والتزر أن هذا "التوتر الإقليمي تجب مناقشته داخل مجلس السلم بالاتحاد الأفريقي، الذي يمكنه أن يوجه الاتحاد الأفريقي بخصوص كيفية معالجة تدهور العلاقات الثنائية بين هذين البلدين بفاعلية".

ويتابع: "يدرك الطرفان أن حرباً مفتوحة بينهما قد تدمر شعبيهما، وتزعزع البحيرات العظمى، فضلاً عن التنمية الاقتصادية في شرقي أفريقيا".

ويختم بالقول: إن "التوتر بين أوغندا ورواندا وبين رواندا وبورندي قد لا يثير حرباً بين هذه الدول، غير أنه قد يقود إلى حرب أخرى بالوكالة في شرقي الكونغو الديمقراطية".

"حرب أفريقيا العظمى"

يعيد التوتر الحالي بين أوغندا ورواندا سيناريو النزاع الإقليمي المدمر، الذي مرت به المنطقة في العقد الماضي.

واندلعت في أغسطس 1998، ما أُطلق عليها لاحقاً "حروب أفريقيا العظمى"؛ وذلك عندما غزت حكومات رواندا وأوغندا وأنغولا الكونغو الديمقراطية من خلال دعمها مجموعات متمردة هناك. وبعد إزاحة موبوتو سيسيكو من السلطة، وخلَفه لوران كابيلا، الذي اغتيل في يناير 2001، ظل البلدانِ لاحقاً حليفين في مراحل حروب الوكالة بالكونغو الديمقراطية؛ حيث تنشط مجموعات مسلحة متمردة في كلا البلدين.

في هذا الخصوص، يرى جوناثان بيلوف، الباحث البريطاني المختص بشؤون البحيرات العظمى، في مدرسة الشؤون الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، في تعليق له نشره على موقع "كونفيرسيشن" ذائع الصيت: "لن يكون تخفيف التوترات بين البلدين أمراً سهلاً دون اعتقاد رواندا أن أوغندا تحترم مخاوفها وكرامتها".

أما بارتريش بيهوريا، الزميل الباحث بمعهد التنمية الدولية، في جامعة مانشستر ببريطانيا، فقال في إفادته لموقع "دويتشه فيله" الألماني: "يقول بعض قادة شرقي أفريقيا إن هذا النوع من التوتر بين رواندا وأوغندا يتطلب معالجته، لأنه يعرّض أمن الإقليم للخطر".

حضور قطري رغم أوضاع البحيرات

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه رغم هشاشة البيئة الإقليمية المضطربة في منطقة البحيرات، فإن رواندا حققت نجاحات اقتصادية كبيرة؛ وهو ما جعلها قِبلة للاستثمارات الأجنبية، خاصة من الدول صاحبة الصناديق السيادية الكبيرة، حيث كانت دولة قطر من أوائل الدول الخليجية التي بادرت إلى الانفتاح على هذه المنطقة.

وفي منتصف نوفمبر الماضي، زار كاغامي الدوحة، وعقد مباحثات مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

وفي أوج الأزمة الحالية، أجرى وفد قطري رفيع المستوى، برئاسة الشيخ عبد الرحمن آل ثاني، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، في 23 مارس الجاري، زيارة رسمية للعاصمة الرواندية كيغالي.

والتقى آل ثاني، نظيره إدوارد نيغرينتي، وناقش الطرفان سبل تعزيز التعاون بينهما، بحسب ما ذكره وزير خارجية رواندا، الذي بين أن الطرفين ناقشا التعاون بين قطر ورواندا والقضايا المحلية والإقليمية في أفريقيا.

وقال: "إنه عندما كانت رواندا تترأس الاتحاد الأفريقي نهاية العام الماضي، تمكنت قطر من تعميق علاقاتها مع مؤسسات في القارة، وإن الطرفين وقَّعا على بعض الاتفاقيات التي تغطي عدداً من القطاعات".

مكة المكرمة