ما سر إصرار النهضة على ترشيح الغنوشي لمنصب رسمي بارز؟

رشحته لرئاسة البرلمان بعد الحكومة
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/jJ992B

الغنوشي نفي 21 عاماً قبل أن يعود بعد الثورة التونسية 2011

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 11-11-2019 الساعة 21:52

يتواصل الحراك السياسي على أشده في تونس، التي خرجت بسلام من سلسلة استحقاقات انتخابية على مدار الشهرين الماضيين، والتي فرضتها وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وما ترتب على ذلك من تداعيات دستورية.

وأجرت تونس، التي كانت بمنزلة شرارة انطلاق ثورات الربيع العربي، انتخابات رئاسية مبكرة في منتصف سبتمبر الماضي، أفضت إلى جولة إعادة في منتصف أكتوبر المنقضي، عرفت فوزاً كاسحاً للمرشح المستقل قيس سعيد، على حساب رجل الأعمال نبيل القروي المحسوب على نظام زين العابدين بن علي.

وفي الأسبوع الأول من أكتوبر، حققت "النهضة" فوزاً في الانتخابات البرلمانية، لكنه غير كافٍ لتأليف الحكومة بمفردها؛ إذ فرضت النتائج التي أعلنتها هيئة الانتخابات المستقلة ضرورة الدخول في تحالفات وتشكيل ائتلاف عريض مع عدة كتل لضمان الأغلبية ونيلها ثقة مجلس النواب.

ومن المقرر أن يعقد مجلس النواب الجديد أولى جلساته الأربعاء المقبل، لأداء اليمين الدستورية، على أن يكلف رئيس الجمهورية، قيس سعيد، حركة النهضة بتشكيل الحكومة المقبلة.

ترشيح الغنوشي

وبعد الإعلان عن فوزها بالانتخابات أعلنت حركة "النهضة" ترشيح زعيمها راشد الغنوشي لرئاسة الحكومة المقبلة، خلفاً للحالي يوسف الشاهد؛ إلا أنها لم تتوصل إلى اتفاقات مع الكتل البرلمانية الفائزة؛ لتتراجع خطوة إلى الوراء، وتعلن ترشيح "الغنوشي" لرئاسة البرلمان.

النهضة

وقال رئيس مجلس شورى "النهضة"، عبد الكريم الهاروني، في مؤتمر صحفي الأحد 10 نوفمبر 2019، إن المجلس قرر ترشيح الغنوشي لمنصب رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، بعد فوزه بمقعد عن دائرة تونس الأولى بالانتخابات التشريعية التي أجريت في السادس من أكتوبر الماضي.

وجدد "الهاروني" تأكيد أن رئاسة الحركة الحاصلة على 52 مقعداً نيابياً من أصل 217 للبرلمان، أولوية من أجل العمل على تشريعات وقوانين إصلاحية، معلناً الانفتاح على التعاون مع جميع قوى البرلمان باستثناء من تحوم حولهم شبهات فساد.

وكانت الكتل المرشحة للتحالف مع النهضة قد رفضت تولي الغنوشي رئاسة الحكومة، على غرار التيار الديمقراطي (ديمقراطي اجتماعي - 22 مقعداً)، وحركة الشعب (قومية ناصرية - 15 نائباً)، وحركة تحيا تونس (14 نائباً)، حيث تطالب بترشيح إحدى الشخصيات المستقلة لقيادة الحكومة الجديدة.

مجلس شورى النهضة

وفي هذا السياق أثار إصرار الحركة ذات النهج الإسلامي على ترشيح زعيمها لتولي أحد المناصب الرسمية، تساؤلات عدة حول الأسباب التي دفعتها للإقدام على مثل هذه الخطوة، خاصة أنها نأت عن ترشيحه في حكومات ما بعد الثورة، ودفعت بقيادات أخرى على غرار حمادي الجبالي وعلي العريض لرئاسة الحكومة، إلى جانب الدفع بالنائب الأول للغنوشي، عبد الفتاح مورو لتولي منصب نائب رئيس البرلمان.

وبعد وفاة السبسي وتولي رئيس البرلمان محمد الناصر رئاسة الجمهورية مؤقتاً تبوأ "مورو" رئاسة مجلس النواب، لكن النهضة فاجأت الجميع باستبعاد الأخير من الترشيح لرئاسة البرلمان الجديد وفضلت الدفع بالغنوشي بدلاً منه.

ماذا استجد؟

وفي هذا الإطار، يقول المحلل السياسي التونسي محمد هدية، إن الانتخابات التشريعية أفرزت تقدماً ملحوظاً لما يسمى في تونس بـ"قوى الثورة" على حساب المنظومة السابقة، مؤكداً في الوقت ذاته أن تونس تشهد "مخاضاً سياسياً قد يكون محدداً رئيسياً للوضع العام في البلاد خلال السنوات الخمس القادمة".

وأوضح، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الدستور يعطي الحق للحزب الأول في الانتخابات في ترشيح شخصية من داخله لترؤس الحكومة والبرلمان، وهو ما يدفع النهضة لاستغلال ذلك احتراماً لقواعدها وناخبيها، فضلاً عن استخدامها كورقة ضغط في مفاوضات تشكيل الحكومة.

ومن هذا المنطلق جاء ترشيح راشد الغنوشي لهذين المنصبين، وفق هدية، وذلك باعتباره الشخصية الأولى في حركة النهضة وزعيمها، متوقعاً أن تتولى الحركة منصباً واحداً من الاثنين في أفضل الحالات، مرجعاً ذلك إلى النظام السياسي في البلاد، والذي وصفه بـ"النظام البرلماني المُعدل".

محمد هدية

ويعتقد "هدية" أن نتائج الانتخابات التشريعية، وما أفرزته من تقارب في تقاسم مقاعد البرلمان، ألقت بظلالها على المشهد، وهو ما تعزز بوصول قيس سعيد إلى قصر قرطاج بـ"إجماع غير مسبوق".

ولهذا فإن أغلبية الشعب التونسي تُمني نفسها بمرحلة جديدة، خاصة مع شعار "الشعب يريد"، الذي رفعه قيس سعيد في حملته الانتخابية؛ بغية تحقيق "أهداف الثورة"، والكلام هنا لـ"هدية".

ويرى المحلل السياسي التونسي، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن هذه الموجة من التفاؤل اصطدمت بموجة من التصريحات والتصريحات المضادة بين الأحزاب "الثورية"، التي لم تكن في مستوى تطلعات الناخبين، ما أفرز جملة من المناورات فيما بينها؛ "حتى تقوي مواقفها في مفاوضات تشكيل للحكومة".

لماذا الآن؟

وفيما يتعلق بقرار مجلس شورى النهضة بترشيح الغنوشي للمناصب الرسمية، يقول "هدية" إن ذلك يأتي "رغبة من مؤسسات الحركة لإتاحة فرصة طالما سعى إليها الرجل، وتتعلق بتولي مسؤولية عليا بعد مسار سياسي طويل امتد منذ تأسيس الحركة".

ويعتقد المحلل المختص بالشأن التونسي، أن المناخ السياسي الحالي قد يكون ممهداً أكثر من أي وقت مضى لكي "يبرز راشد الغنوشي في قيادة البلاد من مسؤولية عليا باعتبار انتخاب قيس سعيد لرئاسة الجمهورية"، مرجحاً بأن تكون العلاقة بينهما جيدة ولن يكونا بأي حال من الأحوال "أعداء".

وعلى عكس ما يُروج له فإن الغنوشي، وفق ما يرى "هدية"، "شخصية مقبولة لدى المنظمات الفاعلة في تونس على غرار اتحاد الشغل، ومنظمة الصناعة والتجارة"، إلى جانب ما يحظى به من علاقات متينة مع المحيط المغاربي، علاوة على الدول الصديقة والمؤثرة في المشهد السياسي التونسي.

من هو الغنوشي؟

والغنوشي من مواليد يونيو 1941 بولاية قابس، ويعتبر سياسياً ومفكراً إسلامياً، ويتولى زعامة حركة "النهضة" أكبر الأحزاب التونسية، كما أنه مساعد الأمين العام لشؤون القضايا والأقليات في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونائب رئيسه، إلى جانب عضويته في مكتب الإرشاد العام العالمي لجماعة الإخوان المسلمين.

وعاش الغنوشي في المهجر بالعاصمة البريطانية لندن بعد نفيه منذ بداية التسعينيات إلى أن عاد بعد الثورة التونسية والإطاحة بنظام زين العابدين بن علي إثر ثورة شعبية أطلق عليها "ثورة الياسمين".

وكوّن الغنوشي إلى جانب عبد الفتاح مورو واحميدة النيفر، بذرة وقاعدة الحركة الإسلامية في تونس في عام 1980، وحملت اسم "حركة الاتجاه الإسلامي"، وقدم طلباً في بداية 1989 بأن تصبح "قانونية" قبل أن يغير اسمها لاحقاً لحركة "النهضة"، لكن السلطات الحاكمة رفضت الطلب في منتصف العام ذاته.

وحوكم الغنوشي (78 عاماً) عدة مرات على يد نظامي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وحوكم مرتين عامي 1981 و1987، وحكم عليه مرة بالسجن 11 عاماً وأخرى مدى الحياة، كما حوكم غيابياً عامي 1991 و1998، وأصدر بحقه حكمان بالسجن مدى الحياة أيضاً بتهم عدة من بينها "التآمر على رئيس الدولة" والتورط بأعمال "إرهابية".

الغنوشي

وبعد صراع مع السلطات وبعض مسؤولي الدولة، غادر الغنوشي إلى الجزائر في أبريل 1989، ثم ذهب للسودان، ليصبح رئيساً لحركة النهضة بعد عامين، قبل أن يستقر به المطاف في مدينة أكتون في ضواحي العاصمة لندن، ليحصل الرجل على حق اللجوء السياسي في أغسطس 1993.

ومنع الغنوشي من دخول بعض الدول كالولايات المتحدة ومصر أثناء  نفيه من تونس، ليعود إلى بلاده ثانية في 30 يناير 2011، بعد الثورة التونسية وبعد أكثر من 21 سنة من النفي واللجوء السياسي في بريطانيا.

ومنذ ذلك الوقت، يُعد الغنوشي أحد أبرز الوجوه السياسية في البلاد، ويحظى باحترام من مختلف الأحزاب والكتال والهيئات والمنظمات المدنية، ويُنظر إليه على أنه "براغماتي" يُجيد قراءة المشهد السياسي.

ولدى الرجل عشرات المؤلفات، وترجم بعضها إلى لغات أجنبية؛ كالإنجليزية، والفرنسية، والتركية، والإسبانية والفارسية.

مكة المكرمة