لماذا تود السعودية التخلص من مسرح جريمة خاشقجي؟

مبنى "قنصلية الموت" يُباع بثمن بخس..
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GNW2z7

فريق اغتيال خاشفجي كان في عصبية كبيرة بسبب عدم قدرته على إشعال الفرن

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 18-09-2019 الساعة 14:12

مع اقتراب ذكرى اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي قتل على يد فريق مقرب من ولي العهد محمد بن سلمان في أكتوبر 2018، يبدو أن المملكة تود التخلص من كل ما يرتبط بتلك الجريمة التي صدعت رأسها على مدار عام كامل.

واغتيل خاشقجي في مقر قنصلية بلاده بولاية إسطنبول التركية، أثناء قيامه بمعاملات رسمية بغية الزواج من الباحثة التركية خديجة جنكيز، والتي كانت تنتظره عند بوابتها الخارجية، وكشفت للعالم حينها أنه دخل إلى القنصلية ولم يخرج، وتحولت تلك المنطقة الدبلوماسية المملوكة للسعودية إلى بقعة تعج بالصحفيين والمحققين والفرق الأمنية، وهو ما دفع الرياض للتخلي عنها.

بيع موقع الجريمة سراً

صحيفة صباح التركية كشفت، يوم الثلاثاء (17 سبتمبر الجاري)، أن السعودية باعت مبنى قنصليتها في إسطنبول "بشكل سري"، في الوقت الذي تستعد فيه النيابة العامة بإسطنبول لإصدار لائحة اتهام قبيل ذكرى الاغتيال في أكتوبر القادم.

كما أكدت صحيفة "ميدل إيست آي" أن البيع كان لمشتر مجهول منذ نحو 45 يوماً مقابل ثلث قيمته فقط، حيث يقع المبنى في منطقة "ليفنت" المركزية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر (لم تسمها) قولها: إنّ "وزارة الخارجية السعودية قررت بيع مبنى القنصلية في إسطنبول، وهو ما تم بالفعل، حيث سيتم نقل القنصلية إلى مكان آخر في منطقة صاريير، بالقرب من القنصلية الأمريكية في المدينة التركية".

ويبدو أن السعودية تود أن تخْلي مسؤوليتها عن المكان بشكل كامل، وتبعد اسمها عن مسرح ارتكبت فيه جريمة سياسية بشعة، وجعلت سمعة المملكة سيئة في الأوساط الغربية، ومحل انتقاد مستمر على الصفحات الأولى للصحافة الأوروبية والأمريكية.

وأكّدت الصحيفة، التي سربت أغلب تفاصيل اغتيال خاشقجي، أن تسجيل الأصوات داخل المبنى القنصلي السعودي في إسطنبول دفع سلطات الرياض بداية إلى إيفاد فريق تقني لإجراء مسح على أجهزة التنصت في مبنى القنصلية، حيث قدم الفريق التقني تقريراً بعد عودته يوصي بترك مبنى القنصلية، وهو ما دفع الخارجية السعودية لاتخاذ قرار بتغيير مبنى القنصلية.

القنصلية

وبينت الصحيفة، نقلاً عن خبراء قانونيين، أن "مبنى القنصلية لا يزال ينظر إليه على أنه مكان ارتكاب الجريمة، وأنه في حال نقل القنصلية السعودية إلى مكان آخر فإن النيابة العامة في إسطنبول قد تلجأ إلى ختم المبنى بالشمع الأحمر، من أجل إجراء تحقيقات مفصلة لجمع مزيد من الأدلة".

تساؤلات ودوافع

ويرى متابعون لجريمة خاشقجي أن الخارجية السعودية بحثت عن مكان قريب من القنصلية الأمريكية لمنع حصول تسريب لتسجيلات صوتية كما حصل أثناء ارتكاب الجريمة، في ظل امتلاك الأمريكيين وسائل تشويش ومنع تجسس.

كما أنها تنهي التعامل الأمني مع ملف خاشقجي من ناحية موقع الجريمة، ويبقى التعاطي معه من الجانب السياسي والقضائي، ما يعني خفض احتكاك الرياض مع أنقرة فيما يتعلق بالمكان، خصوصاً أن نيابة إسطنبول تسعى لاستكمال التحقيق فيها.

ويبقى السؤال المطروح فيما إن كان بيع مقر القنصلية والانتقال إلى مكان آخر سيبعد نظرة العالم عن الدبلوماسية السعودية، والتجاوزات التي ارتكبها فريق محمد بن سلمان، وهل ستتوقف الصحافة الأجنبية عن التذكير بضرورة محاسبة قتلة خاشقجي بدءاً من القيادات الكبرى في الدولة، أم أنّ الفاعل سيترك دون عقاب أو مساءلة؟

إلا أن ناشطين أعربوا عن تفاؤلهم بتلك الخطوة، التي قالوا إنها ستفسح المجال لتحقيقات أدق للوصول إلى خيوط الجريمة.

فالأنباء الجديدة حول بيع مقر القنصلية جاءت بعد أيام من كشف صحيفة "صباح"، يوم الثلاثاء (10 سبتمبر الجاري)، الحوارات التي دارت بين أعضاء "فريق القتل" السعودي بعد العثور عليها من أحد التسجيلات في الفترة الممتدة بين 28 سبتمبر و2 أكتوبر 2018، أي "يوم مقتل خاشقجي".

وقالت الصحيفة: إن "التسجيلات أظهرت تلقي القنصل العام السعودي محمد العتيبي أوامر حول جريمة القتل من مكتب المستشار السابق في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني".

وكان من بين ما جاءت به التسجيلات قول رئيس وفد التفاوض، ماهر مطرب، لصلاح محمد الطبيقي، الذي قطَّع جثة خاشقجي: "هل وصل حيوان الأضحية؟"، و:"هل يسع الكيس الجسم؟".

وكان هذا الحوار قبل دخول خاشقجي إلى القنصلية بـ 12 دقيقة، أي عند الساعة الـ13:02 ظهراً.

القنصلية

بيع بيت القنصل

من جانبه ذكر تلفزيون "خبر ترك" المحلي، يوم الثلاثاء (17 سبتمبر الجاري)، أن السعودية تفكر في بيع المقر الرسمي للقنصل العام والذي يقع بالقرب من مبنى القنصلية، لكنهم لم يتمكنوا من العثور على أي مشتر حتى الآن.

ويُعتقد أن منزل القنصل السعودي في إسطنبول شهد عملية التخلص من جثة خاشقجي إما بحرقها وإما بإذابتها، وذلك بعد تقطيعها في مقر القنصلية، بحسب ما كشف تحقيق لقناة "الجزيرة" حول الجريمة.

وسبق أن رفضت السلطات السعودية مراراً السماح بتفتيش منزل القنصل، بحجة أنه "أرضٌ سيادية"، قبل أن تضطر إلى السماح بذلك بعد أسبوعين من الجريمة، وهو الوقت الذي قدر محللون بأنه كان كافياً لمحو آثار الجريمة.

ولعل هذا ما يدفع المملكة إلى التخلص أيضاً من بيت القنصل، فهو مرتبط بشكل ما بالجريمة، وإن كانت مجرد تخمينات صحفية، ولكنه داخل في التحقيقات، وهو دافع كذلك لبيعه.

وكان القنصل العتيبي غادر تركيا إلى العاصمة الرياض في 16 أكتوبر 2018، في حين ذكرت تسريبات إعلامية أنه اعتُقل فور وصوله إلى المملكة، ولا أحد يعرف مكانه حتى الآن، فيما توقع البعض أن يكون من بين الخمسة الذين طلبت النيابة العامة السعودية إعدامهم.

بيت القنصل

واشتهر العتيبي بعد 4 أيام من مقتل خاشقجي، عندما فتح أبواب القنصلية للصحفيين الذين تجولوا داخل مقر القنصلية بطوابقها الستة، وضمن ذلك المُصلى والمكاتب وشبابيك التأشيرات والمطابخ وغرف التخزين، وكان كل هدفه أن يثبت لهم أن خاشقجي ليس في القنصلية.

لكن الصحف الأجنبية حينها ركَّزت على وجهه الأصفر الشاحب، وحركاته المتوترة من فتح خزانات الملفات وأبواب دورات المياه، للتفتيش عن خاشقجي بداخلها.

كما كشفت صحيفة "يني شفق" التركية أن العتيبي كان يطلب من معذبي خاشقجي وقاتليه متابعة عملهم خارج مكتبه بالقنصلية، وذلك بحسب التسجيلات التي رصدتها المخابرات التركية للجريمة، حتى إن واحداً من فريق الاغتيال قال له: "اصمت وإلا فستموت!".

اعتراف بالعار

وأحدثت الجريمة صدى دولياً واسعاً، وشغلت الرأي العام، وتسببت في توتر علاقات كثير من الدول مع السعودية، وسط اتهام أطراف مختلفة لمحمد بن سلمان بالتورط شخصياً فيها، وهو ما تنفيه الرياض في حين تؤكده وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA).

وفي اعتراف رسمي بما سببته الجريمة للسعودية، اعتبر سفير الرياض في بريطانيا، الأمير خالد بن بندر آل سعود، أن مقتل خاشقجي على أيدي مسؤولين حكوميين، "وصمة عار" على بلده كلها.

جاء ذلك في حديث للسفير أدلى به لهيئة الإذاعة البريطانية "BBC"، نشرته الأربعاء (18 سبتمبر)، في معرض الردِّ على سؤال حول مقتل الصحفي السعودي.

ويعتبر هذا أول اعتراف من شخصية سعودية رفيعة من الأسرة الحاكمة، منذ وقوع الجريمة قبل عام.

ودعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في يونيو الماضي، لمحاسبة قتلة خاشقجي من أعلى الهرم إلى أسفله وإلى ضرورة عدم تغييب القضية عن الأجندة الدولية.

مكة المكرمة