لماذا أرعبت مظاهرات العراق ولبنان النظام الإيراني؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/bx7pXa

مظارهرات العراق ولبنان حملت شعارات ضد إيران

Linkedin
whatsapp
الجمعة، 01-11-2019 الساعة 15:44

لم تكن مظاهرات العراق ولبنان موجهة إلى الطبقات السياسية الفاسدة في تلك البلاد فقط، بل حملت رسائل سياسية  إلى إيران؛ المتهم الأول في تحريك أنظمة الحكم في البلدين وتوجيهها ضمن البعد الاستراتيجي الخاص بها.

تمتلك إيران نفوذاً واسعاً عبر مليشياتها المسلحة في العراق ولبنان، بالإضافة لحركات سياسية محلية موالية بشكل كامل لسياساتها في المنطقة، بالإضافة لتأثيرات ذلك على الاقتصاد الوطني التي تصل بلا شك إلى الحياة اليومية للمواطنين فيها.

مظاهرات تستهدف إيران

لم تتوقع القيادات السياسية الإيرانية أن غضب الشارع العراقي واللبناني من ساسته الفاسدين قد يصل إليهم أيضاً، فقد رُفع في مدينة كربلاء (أبرز معاقل الشيعة)، ومدن أخرى، شعارات مناهضة لإيران، وردد المتظاهرون أمام القنصلية الإيرانية في المدينة: "إيران بره بره"، مع المطالبة بإسقاط النظام.

فيما كان الشعار الرئيس الذي رفعه المتظاهرون في لبنان: "كلن يعني كلن.. نصر الله واحد منن"، وهو شعار يُرفع لأول مرة ضد أمين عام حزب الله التابع بشكل كامل للحرس الثوري الإيراني، يُضاف إلى ذلك المطالبة بإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة برمتها وإعادة تشكيل نظام سياسي جديد بعيد عن الطائفية.

وكذلك هاجم المتظاهرون زعيم حركة أمل الشيعية، ورئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، بالإضافة لمهاجمة مكاتب تابعة له في عدة مناطق جنوبي لبنان تعتبر من أبرز معاقله.

وهاجم حسن نصر الله المتظاهرين، ورفع لاءات ثلاث في تعليقه على المظاهرات يوم الجمعة (25 أكتوبر الماضي)، قائلاً: "لا لإسقاط العهد (يقوده حليفه الرئيس اللبناني ميشال عون)، لا لإسقاط حكومة الرئيس (المستقيل) سعد الحريري، ولا لإجراء انتخابات مبكرة"، ما يعني أن المظاهرات قد أثرت سلباً على الوضع الذي يريد حزب الله استمراره في لبنان.

كما نقلت وكالة "رويترز"، يوم الخميس (31 أكتوبر 2019)، عن مصادر قالت إنها قريبة من اثنين من أكثر الشخصيات تأثيراً في العراق قولها، إن اجتماعاً سرياً عقد ببغداد، يوم الأربعاء (30 أكتوبر الماضي)، بقيادة قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، الذي طلب من هادي العامري الذي يقود تحالف "الفتح" المدعوم من إيران، إضافة إلى قيادات "الحشد الشعبي"، الاستمرار في دعم رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي.

وسبق أن نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أمنيين عراقيين قولهم إن جماعات مدعومة من إيران نشرت قناصة على أسطح البنايات في بغداد لمحاولة إخماد الاحتجاجات.

تلك التحركات الشعبية التي حملت بُعداً وطنياً في العراق، ومشاركة من جميع الطوائف والمذاهب في لبنان، تسببت بارتباك واضح في الخطاب السياسي الإيراني، لدرجة مهاجمة المظاهرات باعتبارها "فتنة أمريكية" تستهدف البلدين.

فقد اتهم المرشد العام للثورة الإيرانية علي خامنئي، يوم الأربعاء (30 أكتوبر الماضي)، الولايات المتحدة و"إسرائيل" بالمسؤولية عن "أعمال الشغب وانعدام الأمن" في العراق ولبنان.

وذكر خامنئي في تصريحاته أن "أكبر ضربة يمكن أن يوجهها الأعداء إلى أي بلد هي أن يسلبوه الأمن"، مضيفاً أن "للناس مطالب أيضاً، وهي محقة، لكن عليهم أن يعلموا أن مطالبهم إنما تتحقق حصراً ضمن الأطر والهيكليات القانونية لبلدهم".

إيران لا تسلم بسهولة

ويرى المحلل السياسي العراقي جاسم الشمري، في حديث مع "الخليج أونلاين"، أن "إيران تنظر للعراق على أنه جزء منها، وأي فقدان لهذا الجزء هو خسارة لإيران، وطهران عازمة على إفشال المظاهرات في أكثر من 9 مدن عراقية، من أجل الحفاظ على ديمومة نفوذها الأمني والسياسي فيه، وليس في مصلحتها في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية أن تفقد الأجنحة المؤيدة لها في الساحة العراقية".

وأضاف أن "إيران لديها أدوات في العراق، وهم قالوا صراحة إنهم يأتمرون بأمر خامنئي؛ وعليه فإيران إما تريد المحافظة على العراق كما هو أو الفوضى".

وتابع أن "المرحلة القادمة التي نخشاها هي ضمن ثلاثة احتمالات: الأول هو نجاح المظاهرات وتحقيق الجزء الأكبر من مطالبها، والثاني إجهاض المظاهرات، والثالث الفوضى، وأنا أرجح الخيارين الأخيرين؛ لأن إيران لا يمكن أن تسلم العراق بسهولة، والمتظاهرون لا يملكون القدرة على مواجهة إيران أو أدواتها المسلحة، ولذلك فالعراق سائر إلى المجهول في إطار ذلك".

ويعتقد الشمري في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أنه في حالة استقالة عادل عبد المهدي وحكومته، فليس من السهولة إيجاد شخصية وطنية بديلة يمكن للشعب أن يقبل بها، ويرضي إيران، "المشهد معقد، والقضية بحاجة لمخاض كبير، ويفترض بالمجتمع الدولي أن يسهم في خروج مجلس ثوري يقود مرحلة انتقالية ترتب انتخابات حرة نزيهة بعيداً عن المجرمين والقتلة".

خوف إيراني

من جانب آخر، قال الكاتب والمحلل السياسي اللبناني مفيد مصطفى، في حديث خاص مع "الخليج أونلاين"، إنه "لولا أن إيران شعرت بالخوف الشديد على حلفائها في لبنان والعراق، لما خرج أكبر مرجع ديني وسياسي في الجمهورية الإيرانية (خامنئي) ليدعو حكومة كلا البلدين لقمع الاحتجاجات" (وفق تغريدة له على تويتر طالب فيها بمعالجة أعمال الشغب).

وأضاف أنه "في لبنان خرج حسن نصر الله محذراً المتظاهرين من إسقاط الحكومة اللبنانية، وعلى الرغم من أنه يرأسها شخصية سنية (الحريري)، إلا أنها كانت محسوبة على حزب الله قبل استقالتها، لأنه يملك هو وحلفاؤه الكتلة الأكبر فيها".

وأشار المحلل اللبناني إلى أن حزب الله الموالي لطهران حذر من إسقاط الحكومة لعدة أسباب؛ "أولاً؛ لأنه يتستر بها من العقوبات الأمريكية التي تطوله، وثانياً لأن إسقاطها قد يؤدي إلى إسقاط حلفائه؛ رئيس الجمهورية ميشال عون، وصهره وزير الخارجية جبران باسيل الذي كان يغطي حزب الله دبلوماسياً في الخارج، وثالثاً لأنه على الأرجح أن الحكومة القادمة ستكون حكومة تكنوقراط ولن يكون له وزن فيها، ورابعاً؛ لأنه إذا تهاوت أركان الدولة تباعاً فذلك سيؤدي إلى المطالبة بنزع سلاح حزب الله وحصر قراري السلم والحرب بيد الدولة".

وأكّد مصطفى لـ"الخليج أونلاين" أنّ "الحنق الشعبي في الشوارع العراقية يتزايد على طهران، حيث بات يهتف بشكل واضح ضد إيران ويتهمها بحماية الحكومة، لا بل أكثر من ذلك اتهمت المظاهرات المليونية الحرس الثوري الإيراني والحشد الشعبي الموالي لطهران بالمشاركة بشكل مباشر بقمع المظاهرات والتسبب بقتل المحتجين، وهذا سيؤدي إلى خسارة إيران للشارع الشيعي تحديداً الذي يشكل المكون الأكبر للمظاهرات".

فشل كسب الشعوب

ولا شك أن إيران نجحت عبر استخدام كل الوسائل الممكنة، ومن بينها السياسي والعسكري والديني، مع وجود رضا دولي، في بث نفوذها وأياديها في عدة بلدان، وعلى رأسها العراق ولبنان، مع استغلالها لوجود أبناء المذهب الشيعي في البلدين، ولكنها فشلت في كسب الجانب الشعبي الذي يضمن لها الشرعية وطول البقاء، خصوصاً أن أغلب متظاهري العراق من الشيعة.

وحول ذلك، ذكرت مجلة "فورين بوليسي" أن إيران تخسر الشرق الأوسط كما تُظهر احتجاجات العراق ولبنان، وأن "الأنظمة التي أسهمت في بنائها بكلا البلدين لم تكن ناجحة".

ونشرت المجلة الأمريكية مقالاً للزميلة الزائرة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى حنين غدار، قائلة فيه: "اكتشف الشيعة في لبنان والعراق أن النظام الذي بنته إيران والجماعات الوكيلة عنها في البلدين فشل في ترجمة الانتصارات السياسية والعسكرية إلى انتصارات اجتماعية واقتصادية، وبعبارة موجزة: لم يكن خطاب المقاومة كفيلاً بتوفير القوت اليومي".

وأضافت: "تبدو إيران اليوم قد انتصرت في اللعبة الكبيرة، من خلال كتلة برلمانية شيعية في لبنان، واستطاعت الحفاظ على نظام بشار الأسد، بالإضافة إلى تعزيز سلطتها في العراق من خلال المليشيات التي دعمتها (الحشد الشعبي) التي شكلت لقتال تنظيم الدولة".

ولفتت إلى أن "ما نسيته إيران في خطتها التي تابعتها على مدى العقود الأربعة الماضية هي الرؤية الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على قاعدة الدعم لها، ففي الوقت الذي انتهز فيه الإيرانيون كل فرصة لنسج تأثيرهم في مؤسسات المنطقة فإنهم نسوا شيئاً واحداً، وهو ماذا سيحدث في اليوم التالي، وكما كشفت الأحداث في المنطقة فإن إيران فشلت في الحكم".

وتنوه الباحثة إلى أن "العراق ولبنان هما مثالان واضحان، وقد ساعدت إيران جماعاتها فيهما بالمال والسلاح لتمكينها من السيطرة على مؤسسات الدولة، بحيث أصبح هم هذه الجماعات في كلا البلدين شيء واحد، وهو حماية المصالح الإيرانية بدلاً من توفير الخدمات لشعبي البلدين".

وشهد العراق ولبنان، في أكتوبر الماضي، وحتى الآن، مظاهرات شعبية كبيرة ضد الأنظمة السياسية فيها، جراء تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية فيها بشكل كبير جداً، واجهتها في العراق القوى الأمنية ومليشيات الحشد الشعبي (موالٍ لإيران) بعنف، ما أدى إلى سقوط نحو 250 قتيلاً وآلاف المصابين، فيما حاول أشخاص مقربون من حزب الله وحركة أمل التهجم على المتظاهرين في بيروت وإزالة خيم المعتصمين، إلا أن كل ذلك لم يوقف إصرار المحتجين على استمرار تظاهراتهم.

مكة المكرمة