"لجأت لقطر".. هل تنجح الدوحة في إنهاء صراع أرّق تشاد لعقود؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/KW8DRD

رئيس المجلس العسكري في تشاد أعلن موافقة قطر على الوساطة مع المعارضة

Linkedin
whatsapp
الأحد، 16-01-2022 الساعة 14:42

- لماذا اختار رئيس المجلس العسكري بتشاد قطر للوساطة؟

لعلاقتها مع المعارضة وخبرتها الدبلوماسية الكبيرة في ملف الوساطة بأفريقيا.

- ما فرص نجاح الوساطة القطرية لإنهاء الصراع بتشاد؟

تملك قطر فرصاً كبيرة، خاصة في ظل رغبة العديد من الأطراف التشادية بإنهاء الصراع في البلاد.

في سبتمبر من العام الماضي، أجرى رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، الجنرال محمد إدريس ديبي، زيارة إلى قطر طالباً الحصول على دعم الدوحة لاستكمال العملية الانتقالية في بلاده.

هذا الدعم الذي كان يسعى إليه ديبي يشير بالتأكيد إلى الرغبة في الوساطة مع الجماعات المعارضة المسلحة في البلاد، لإنهاء الأزمة القائمة منذ سنوات واستعادة حالة الهدوء والاستقرار للدولة الأفريقية.

ويبدو أن الرد القطري جاء بالموافقة، حيث أعلن ديبي أن أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وافق على مساعدة بلاده في الحوار والمصالحة.

ونقلت قناة "الجزيرة الإخبارية" عن "ديبي"، السبت 15 يناير 2022، قوله: إن "الحوار المرتقب بقطر سيتيح التفاوض مع الحركات المسلحة وسيتيح التوصل للسلام".

وأشار إلى أنه "يوجد وفد تشادي بالدوحة؛ للإعداد لبدء حوار مع الحركات المسلحة"، مشيراً إلى أن "المسلحين التشاديين في ليبيا سيعودون وأسلحتهم ستُنزع".

ما طبيعة الصراع؟

يوجد عدة فصائل مسلحة تعارض نظام الحكم في نجامينا، أخطرها "الجبهة من أجل التناوب والوفاق" التي توجد قواتها في ليبيا قرب الحدود مع البلاد.

وقد اشتبكت هذه القوات مع الجيش النظامي في تشاد أكثر من مرة كان أبرزها عام 2008، عندما وصلت دبابات المعارضة إلى القصر الرئاسي قبل أن تتدخل القوات الفرنسية وتدحر المتمردين وتشتت قوتهم.

والمرة الثانية كانت في 2019، عندما توغلت المعارضة من الحدود الشمالية للبلاد واقتربت من العاصمة نجامينا، وهناك أيضاً تدخلت فرنسا وقصفت تلك القوات المتمردة عبر طائراتها الحربية ثلاثة أيام متتالية ودمرت كامل قواتها العسكرية، لتنقذ رئيس البلاد، آنذاك، الراحل إدريس ديبي.

ولم يتوقف الصراع من بدايته في 2008، لكنه عاد بقوة إلى الواجهة بعد مقتل الرئيس ديبي بـ11 أبريل 2021، خلال زيارته لقوات الجيش في جبهة قتال المتمردين المتمركزين في مناطق داخل وقرب الحدود التشادية مع ليبيا في شمال البلاد.

وكان ديبي قد وصل إلى السلطة في انقلاب عام 1990، وهو أحد أكثر الرؤساء الأفارقة بقاء في السلطة إذ حكم البلاد على مدار 30 عاماً بقبضة حديدية، كما أنه حليف وثيق للقوى الغربية التي تقاتل "الإسلاميين المتشددين" في غرب ووسط أفريقيا، وهو أحد أبرز الأسباب التي تدفع جماعات المعارضة لمحاربة نظامه.

تشاد

وفور مقتل ديبي أعلن الجيش التشادي حلَّ الحكومة والبرلمان وإنشاءَ مجلس عسكري انتقالي يدير البلاد 18 شهراً، برئاسة محمد إدريس ديبي نجل الرئيس المقتول، على أن تجري انتخابات حرة بعد ذلك.

إلا أن نحو 30 حزباً معارضاً في تشاد اتفقت على توصيف تولي مجلس عسكري انتقالي بقيادة محمد ديبي السلطة بأنه "انقلاب".

فصائل المعارضة المسلحة من جانبها رفضت المجلس العسكري، واعتبرته التفافاً وتكراراً لحكم ديبي الأب، موضحة أنها ستصعد من عملياتها العسكرية وتواصل القتال حتى إسقاط ما تبقى من حكم ديبي.

وفي المقابل وجدت خطوة الجيش ترحيباً من فرنسا، صاحبة النفوذ الكبير في تشاد، والولايات المتحدة إضافة لبقية الدول الغربية؛ باعتبار أنه يحفظ البلاد من الانزلاق إلى موجة عنف واحتراب أخرى.

ولكن الترحيب الغربي لم يمنع تصاعد الأوضاع في البلاد وزيادة فصائل المعارضة لهجماتها ضد القوات النظامية، لتدخل البلاد في دوامة صراع حقيقية دفعت رئيس المجلس العسكري ديبي الابن، إلى اللجوء لقطر من أجل التوسط وإنهاء هذه الأزمة والعودة إلى مربع الاستقرار الغائبة عنه البلاد منذ سنوات طويلة.

لماذا قطر؟

قبل الحديث عن الخبرة القطرية الطويلة في الوساطة، وهي أحد الأسباب الرئيسية للجوء إليها من الأطراف التشادية، هناك نقطة مهمة يجب الإشارة إليها تتعلق بتشاد بشكل خاص، وهي أن تيمان إرديمي، رئيس "اتحاد قوى المقاومة" التشادي، يقيم بالدوحة منذ انشقاقه عن النظام التشادي قبل نحو 10 أعوام.

وهذا يعني أن الدوحة تملك علاقات قوية مع أحد أهم أطراف المعارضة التشادية، وهذا سيشكل ورقة رابحة تشجعها على أداء دور الوساطة بكل ثقة.

كما أن "اتحاد قوى المقاومة" الذي يرأسه إرديمي أبدى ترحيبه بالحوار العام، موضحاً أنه "لا يرفض يد النظام الممدودة، لكن ننتظر الخطوة العملية الأولى من نجامينا"، ويبدو أن هذه الخطوة جاءت أخيراً.

وإضافة إلى علاقاتها الجيدة مع الأطراف التشادية التي ترفع أسهم وساطتها وتجعل النجاح شبه مضمون، فإن الدوحة تملك خبرة مهمة بملف الوساطة حيث نجحت في إنهاء صراعات عميقة بين أطراف عربية وأفريقية ودولية، فهي تملك إمكانيات دبلوماسية هائلة وعلاقات متشعبة مع جميع الأطراف.

قطر وسطات

أحدث النجاحات القطرية كانت في أفغانستان حيث نجحت في التوصل إلى اتفاق بين حركة طالبان والولايات المتحدة انسحبت بموجبه الأخيرة من الأراضي الأفغانية في أغسطس من العام الماضي.

كما نجحت الدوحة بوقف العنف والقتال بدارفور جنوب السودان، بين الحكومة السودانية وحركة "العدل والمساواة"، حيث وقعت جميع الأطراف اتفاق سلام في الدوحة عام 2010 بمشاركة أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، والرئيس السوداني السابق عمر البشير، ورئيس تشاد الراحل ديبي.

وتدخلت قطر أيضاً لإنهاء التوتر بين الصومال وكينيا حيث أعلنت الدولتان في مايو 2021، استئناف العلاقات بينهما بعد انقطاعها على مدار 5 أشهر، إثر اتهام مقديشو لنيروبي بالتدخل في شؤونها الداخلية.

الدوحة توسطت أيضاً من أجل الإفراج عن أسرى جيبوتي لدى إرتيريا عام 2016، وجنود لبنانيين اختطفتهم "جبهة النصرة" عام 2015، إضافة لنجاحها في التوصل لاتفاق مصالحة بين قبيلتي "التبو" و"الطوارق" في ليبيا بـ2015، علاوة على تدخلاتها المتواصلة لتحقيق المصالحة الفلسطينية بين حركتي "حماس" و"فتح".

وإضافة إلى التدخلات المتتابعة لدولة قطر في تحقيق الهدنة بين فصائل المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي على مدار أكثر من 12 عاماً مضت.

ومطلع 2020، بعد اغتيال الولايات المتحدة الأمريكية لقائد "فيلق القدس" بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني في العاصمة العراقية بغداد، توسطت قطر بين واشنطن وطهران ونجحت بتخفيف حدة التوتر بينهما.

ومن ثم فإنه يمكن القول إن الخبرة التي تمتلكها قطر والعلاقات الدبلوماسية القوية التي تجمعها مع أطراف الصراع، تؤهلها بقوة لتخوض مثل هذه الوساطة.

فرص النجاح

ولكن ما فرص النجاح المتوقعة للوساطة القطرية أو لجهود المصالحة بين الأطراف التشادية بشكل عام؟

وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، قد قال، نهاية الشهر الماضي، إن "حواراً مستقلاً بين أبناء تشاد سيبدأ في 15 شباط 2022".

وأوضح أن هذا الحوار "ستنفذ نتائجه بالكامل، وبعد نهايته يتم اعتماد دستور جديد عن طريق الاستفتاء، ثم إجراء انتخابات عامة وحرة".

كما أن "اتحاد قوى المقاومة"، الذي يضم أهم فصائل المعارضة المسلحة، أبدى ترحيبه بالحوار العام، موضحاً أنه "لا يرفض يد النظام الممدودة"، وهذا مؤشر إيجابي يوحي بأن أمام الحوار التشادي فرصة مهمة للنجاح، وربما تتوصل نتائجه لمصالحة حقيقية في البلد الأفريقي.

وبحسب وسائل إعلام تشادية فإن "العديد من الأحزاب المحسوبة على المعارضة ستشارك في الحوار الوطني المرتقب في فبراير المقبل، من أجل اعتماد الدستور، لا سيما أن الأحزاب التي تشارك في الحوار كانت هي من تحرك التظاهرات وتزعج الحكومة، وعلى رأسها حزب الاتحاد الوطني من أجل الديمقراطية، وحزب الحريات والتنمية، إضافة لمنظمات المجتمع المدني".

لكن العقبة الأبرز ستكون في حال رفض بعض الحركات المسلحة في الخارج، وخاصة الموجودة في ليبيا، الدخول الحوار، في إشارة إلى الجبهة من أجل التناوب والوفاق، وفق المصادر.

تشاد

وفي تحليل للمعطيات السابقة، يقول الخبير الاستراتيجي، الدكتور عامر السبايلة: إن "لجوء الأطراف التشادية لقطر أمر طبيعي لعدة أسباب؛ أولاً لأن كثيراً من شخصيات المعارضة التشادية لجأت للدوحة في السنوات الماضية وبقيت هناك".

وأضاف السبايلة، في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "الدوحة أصبحت جزءاً أساسياً وعلى تماس مباشرة مع القضية التشادية، وهي بتوليها ملف الوساطة تحولت من دعمها لفئة المعارضة إلى أن تكون نقطة استقطاب لجميع أطراف الصراع بالدولة الأفريقية".

وتابع: "الجزء الثاني والمهم هو أن قطر اليوم بعد نموذج أفغانستان وقدرتها على إقناع الولايات المتحدة بالاتفاق مع حركة طالبان، تحولت إلى نقطة استقطاب للجميع، إقليمياً ودولياً، وصار الجميع ينظر لقطر على أنها قادرة على الإنجاز وترتيب الملفات والحصول على ضوء أخضر دولي ومباركة من واشنطن".

وأشار إلى أن "قطر تحولت إلى نقطة جذب وأصبحت الأطراف في الإقليم والعالم، وخاصة القارة الأفريقية، تلجأ إليها لحل الخلافات السياسية الداخلية وأيضاً بين الدول التي مر على خلافاتها عشرات السنوات دون حل".

ورأى أن "الدوحة قادرة على الإنجاز في مثل هذه الوساطات، ويمكنها إعادة ترتيب الملفات بتشاد لعلاقتها القوية مع جميع الأطراف".