كيف قفز السودان من بلد "اللاءات الثلاث" إلى التطبيع مع "إسرائيل"؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/ZePoPK

البرهان التقى نتنياهو سرّاً في فبراير الماضي

Linkedin
whatsapp
السبت، 24-10-2020 الساعة 09:30

- متى أعلن التطبيع السوداني الإسرائيلي؟

يوم الجمعة 23 أكتوبر.

- ما هي أسباب التطبيع؟

الجنرالات السودانيون القريبون من الإمارات يقولون إنهم بحاجة لإسرائيل، وإن رفع اسم السودان من قوائم الإرهاب الأمريكية مرهون بالتطبيع.

- ما هي أهمية التطبيع السوداني؟

السودان كانت عاصمة اللاءات الثلاث، وتطبيعها يخدم مصلحة ترامب ونتنياهو ومحور التطبيع الخليجي.

في تحوّل جذري، لكنه متوقع، توصل مجلس السيادة السوداني المؤقت إلى اتفاق لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي التي كان عدم الاعتراف بها واحداً من أبجديات السياسة في الخرطوم التي كانت عاصمة اللاءات الثلاث.

فقبل ثلاثة وخمسين عاماً، وخلال القمة العربية الرابعة التي عقدت في الخرطوم سنة 1967، خرج المجتمعون بما عرف باللاءات الثلاث: "لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض" مع دولة الاحتلال.

لكن مياهاً كثيرة جرت تحت جسر السياسة، خلال نصف القرن الماضي، فقلبت الموازين رأساً على عقب.

فقد كان السودان واحداً من أشرس البلدان العربية في رفض الاعتراف بـ"إسرائيل"، وخلال ثلاثين عاماً قضاها الرئيس السابق عمر البشير، لم يكن مجرد التفكير في التطبيع أمراً مطروحاً.

لكن عاماً وستة أشهر بعد الإطاحة بالبشير أحلَّت ما كان محرّماً قبلها؛ ليصبح السودان الدولة العربية الخامسة التي تبرم اتفاقية تطبيع مع "إسرائيل"، بعد مصر (1979)، والأردن (1994)، والإمارات والبحرين (2020).

فبعد لقاءات سرية ومفاوضات وتسريبات أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الجمعة 23 أكتوبر)، توصل السودان و"إسرائيل" إلى اتفاق لتطبيع العلاقات، وذلك بعد ساعتين من إعلان الخرطوم توقيع ترامب على رفع اسم السودان من قوائم الإرهاب.

هجوم واسع على الاتفاق

وكان الاتفاق نتاج لقاءات سرية ومفاوضات غير معلنة، لكنها كانت معروفة للجميع، وقد سبقته موجة رفض داخلية تحولت قبل يومين اثنين إلى احتجاجات عنيفة في الخرطوم.

فمنذ تطبيع الإمارات علاقاتها مع دولة الاحتلال منتصف أغسطس، بدا تحرك أبوظبي لجلب أكبر عدد ممكن من العواصم العربية إلى الاتفاق واضحاً، وقد لعبت دوراً بارزاً في الاتفاق السوداني تحديداً؛ لكون الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يحكم البلاد حالياً، يعتبر حليفاً لها.

وبمجرد إعلان الاتفاق رسمياً خرج عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، عباس زكي، قائلاً إن هذا الاتفاق تم بأموال خليجية، وإن الإمارات تعمل على قتل القضية الفلسطينية. كما انتقدت حركة "حماس" الخطوة، ووصفتها بـ"الخطيئة السياسية".

ودانت الرئاسة الفلسطينية القرار، وقالت إنها ستتخذ جميع الإجراءات التي تضمن الحقوق المشروعة للفلسطينيين. وأكد الناطق باسمها، نبيل أبو ردينة، أنه لا سلام دون الشعب الفلسطيني.

وفي السودان، كشف محمد وداعة، الناطق باسم حزب البعث (أحد المكونات المدنية بالائتلاف الحاكم) عن اتصالات سياسية ومجتمعية لتشكيل جبهة ضد التطبيع. وقال لوكالة "الأناضول": إن "التطبيع مع إسرائيل خطوة مرفوضة، والحكومة غير مخولة لاتخاذ إجراء كهذا مع دولة مغتصبة وعنصرية وتمارس التمييز الديني".

وقد حذرت عدة أحزاب سودانية منضوية تحت لواء قوى الحرية والتغيير، الحكومة المؤقتة من أنها قد تسحب الثقة منها حال اتخاذ هذه الخطوة.

وهاجم الناشط السياسي السوداني هشام عثمان، القرار، وقال إنه جاء ضمن حزمة تفاهمات، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية ليست رافضة لهذا الاتجاه، لأنها حكومة في أغلبها تنتمي لرؤية ترامب للمنطقة، وهي قريبة للمحور السعودي الإماراتي.

وفي تصريح لـ"الخليج أونلاين"، قال عثمان إن الحكومة المدنية الحالية لا يمكنها رفض التطبيع؛ لأنه إلى جانب اقترابه من فكرها السياسي، هو أيضاً يتعلق بوضع السودان الاقتصادي الهشّ.

وعلى المستوى الشعبي، أكد عثمان أن ما يجري ترويجه داخلياً بشان العوائد المالية لهذا التطبيع محض أكاذيب؛ لأن السودان لن يجني شيئاً كما يعلم الجميع. مؤكداً أن الخطوة في النهاية تأتي في إطار المواقف السياسية المخزية والمتواطئة لبعض الحكومات العربية.

نتنياهو ينعي اللاءات الثلاث

وعقب الإعلان، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان موجز: "ستستفيد "إسرائيل" والسودان والمنطقة بأسرها من اتفاقية السلام التي ستكون قادرة على بناء مستقبل أفضل لجميع شعوب المنطقة"، وأضاف: "سنقوم بكل ما هو مطلوب لجعل هذه الرؤية حقيقة واقعة".

ولاحقاً، نشر نتنياهو كلمة مصورة عل حسابه في "تويتر"، قال فيه: "في الخرطوم قال العرب "اللاءات الثلاث": لا للسلام مع إسرائيل لا للاعتراف بإسرائيل ولا للمفاوضات مع إسرائيل، واليوم الخرطوم تقول نعم للسلام مع إسرائيل نعم للاعتراف بإسرائيل ونعم للتطبيع مع إسرائيل".

من جانبه، قال وزير خارجية الاحتلال غابي أشكنازي إن إعلان الخرطوم "يشير إلى التغيير الجوهري الذي يحدث هذه الأيام في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وفي السودان بشكل خاص، بعد 53 عاماً بالضبط من مؤتمر الخرطوم الذي دعا فيه السودان إلى معارضة الاعتراف باتفاقية السلام مع دولة إسرائيل".

وأضاف: "أرحب بأي خطوة تعزز عملية التطبيع والسلام والاتفاقات والاعتراف بين الدول. سنواصل مناقشة تعزيز العلاقات في المستقبل القريب حتى توقيع اتفاقية سلام تحترم مصالح الطرفين".

وكما كان في اتفاقي الإمارات والبحرين، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول المرحبين بموافقة السودان على تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، حيث غرّد عبر حسابه الرسمي في "تويتر": "أرحب بالجهود المشتركة للولايات المتحدة والسودان وإسرائيل حول تطبيع العلاقات".

من الممانعة إلى التطبيع

منذ استقلاله سنة 1956، وضعت دولة الاحتلال السودان في قائمة الأعداء، وبعد وصول عمر البشير إلى الحكم بدا السودان حليفاً لإيران (عدو "إسرائيل")، أو أبدى ذلك على الأقل؛ ففي بداية تسعينيات القرن الماضي كانت شوارع الخرطوم تعجّ سنوياً بالوفود الإيرانية المشاركة في المؤتمر الإسلامي العالمي.

ولم يقف الأمر عند التحالف مع إيران، فقد دعم السودان حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، واتُّهم بالتوسط بينها وبين طهران في مجال الأسلحة والمال، وقد تعرض لقصف إسرائيلي عامي 2009 و2012.

وشجعت "إسرائيل" بقوة مشروع استقلال جنوب السودان منذ بداية الحركة الانفصالية سنة 1955. وبمجرد تحقق الاستقلال، سارعت إلى إرسال مستشارين عسكريين لجوبا بالقرب من السلطات الجنوبية الجديدة.

ورغم أن هذا العداء قد تراجع في السنوات الأخيرة لنظام البشير، وقطعت الخرطوم علاقتها مع طهران في 2016 بهدف تعزيز تحالفها مع السعودية والإمارات، فإن اللقاء الذي جمع البرهان ونتنياهو في أوغندا، 3 فبراير الماضي، كان نقطة التحول الجذرية في العلاقة.

فقد لعب البرهان دور البطولة في هذا الاتفاق، ضارباً بموقف الحركات المدنية السودانية الرافضة للتعامل مع دولة الاحتلال عرض الحائط.

وبعد الكشف عن لقاء أوغندا، وسماح البرهان بعبور طائرة إسرائيلية في سماء السودان لأول مرة في تاريخ دولة الاحتلال، اكتسب موضوع التطبيع زخماً كبيراً، خاصة أنه ارتبط برفع اسم السودان من قوائم الإرهاب الأمريكية ومنحه مساعدات مالية تنقذه من وضعه المتعثِّر.

وعلّق البرهان على لقائه بنتنياهو قائلاً إنه جرى في إطار بحث السودان عن مصالحه الوطنية والأمنية. وفي الشهر ذاته عبرت طائرة إسرائيلية لأول مرة الأجواء السودانية بأوامر من البرهان.

وفي سبتمبر الماضي، زار البرهان أبوظبي وناقش مع مسؤولين إماراتيين وأمريكيين مسألة رفع اسم السودان من قوائم الإرهاب الأمريكية، لكن مصادر أكدت أنه ناقش أيضاً تطبيع العلاقات.

وأعلن مجلس السيادة الانتقالي، (الأربعاء 23 سبتمبر 2020)، عن مباحثات جرت بين البرهان ومسؤولين أمريكيين استغرقت ثلاثة أيام في الإمارات، تناولت "مستقبل السلام العربي الإسرائيلي".

وأشار البيان إلى أن المباحثات تناولت القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها "مستقبل السلام العربي الإسرائيلي الذي يقود إلى استقرار المنطقة ويحفظ حق الفلسيطنيين في إقامة دولتهم وفقاً لرؤية حل الدولتين".

علاقات وليس تطبيعاً

كما أعرب نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عن رغبة بلاده في إقامة علاقات- وليس تطبيعاً- مع "إسرائيل"، وذلك بهدف "الاستفادة من إمكانياتها المتطورة".

وفي لقاء مع قناة "سودانية 24"، الجمعة (2 أكتوبر)، دعا حميدتي، القريب من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، إلى معرفة آراء الشارع السوداني بشأن إقامة علاقات مع دولة الاحتلال، قائلاً: "الشعب السوداني يقرر بعد استطلاع رأي عام.. هذه هي الديمقراطية"، وتساءل: "الرافضون لإقامة علاقات مع إسرائيل من فوضهم بذلك؟".

وقال المسؤول العسكري السوداني: "نحن نحتاج إلى إسرائيل بصراحة، ولسنا خائفين من أي شخص، نريد علاقات وليس تطبيعاً، ونمشي في هذا الخط".

وتابع: "شئنا أم أبينا، موضوع رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مربوط بإسرائيل، وهذا ما اتضح لنا، ونحن نرجو ألا يكون مربوطاً بالعلاقات مع إسرائيل".

وخرجت تسريبات بشأن طلب البرهان 10 مليارات دولار لإتمام صفقة التطبيع، في حين تحدثت تقارير عن دعم اقتصادي في حدود 3.2 مليارات دولار، لكن مسؤولاً بالحكومة قال لـ"الجزيرة" إن الحديث يدور حول 8 مليارات دولار طلبت الحكومة الانتقالية توفيرها لدى توليها مقاليد الأمور لإنهاء الأزمة الاقتصادية.

وكان مجمع الفقه الإسلامي التابع للحكومة السودانية قد أعلن، الخميس (1 أكتوبر)، تحريم التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في جميع المجالات، باعتباره "مساندة للظلم"، في ظل تطبيع دول عربية مؤخراً مع تل أبيب.

مكة المكرمة