قمع بلا هوادة.. منهج إيراني لإخماد الاحتجاجات ضد النظام

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/VVmppp
الاحتجاجات تعود بين الحين والآخر في عدة مدن إيرانية

الاحتجاجات تعود بين الحين والآخر في عدة مدن إيرانية

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 16-11-2019 الساعة 22:00

تمر إيران، منذ يومين، بحالة من الاضطرابات الداخلية، إثر المظاهرات التي شهدتها عدة مدن؛ احتجاجاً على ارتفاع أسعار البنزين في البلاد؛ إلا أنها قوبلت بنظام قمعي يستخدم القوة لإخماد أي تحركات ضده.

وتحولت مخاوف السلطات الإيرانية إلى حقيقة، بعد أن انتقلت عدوى الاحتجاجات من العراق ولبنان إلى قلب العاصمة طهران ومدن إيرانية أخرى، وتسبب استخدام القوة المفرطة في سقوط قتلى وجرحى من المدنيين.

وفي الوقت الذي يعاني فيه أغلب الإيرانيين اقتصادياً ويناضل بعضهم من أجل البقاء على قيد الحياة، يرفل "أبناء الأثرياء بإيران" في حياة من النعيم، وهو ما زاد من سخط الإيرانيين، وسط عقوبات أمريكية متزايدة منذ سنوات، تضاعفت منذ انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي في مايو 2018.

حيلة للمحتجين تشل شوارع رئيسة

الاحتجاجات الكبيرة التي تشهدها إيران اندلعت بعدة مدن في 15 نوفمبر، عقب إعلان الحكومة المفاجئ عن زيادة كبيرة في أسعار الوقود، ورفعه بنسبة 50 في المئة وأكثر.

وشملت الاحتجاجات مدناً، منها "بهبهان" جنوب غربي إيران، و"سيرجان" (وسط) و"مشهد" و"بيرجند" و"الأحواز" و"عبدان" و"خرمشهر" و"ماهشهر" و"شيراز" و"بندر عباس".

وأظهرت مقاطع فيديو تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، لجوء متظاهرين إيرانيين غاضبين من قرار الحكومة رفع أسعار الوقود، إلى إغلاق الطرق ووقف السيارات وتركها في الشوارع، وتسببوا بأزمة خانقة شلَّت حركة السير في شوارع بالعاصمة، في 16 نوفمبر الجاري.

ويبدو أن المتظاهرين في إيران يحاولون التعبير عن غضبهم بحيلة جديدة تبدو مشابهة نوعاً ما لطريقة احتجاج اللبنانيين الذين عمدوا إلى إغلاق طرق رئيسة على مدى أسابيع.

قمع الاحتجاجات وقطع الإنترنت

وأفادت مواقع إيرانية غير رسمية، حتى مساء 16 نوفمبر، بسقوط 3 قتلى في مدينة خرمشهر جنوبي البلاد خلال الاحتجاجات.

وشهد الولوج إلى شبكة الإنترنت في إيران خللاً وانقطاعات منذ بدء الاحتجاجات، وهو ما يشير إلى "تدخُّل من أجل الحد من الحضور والتغطية الإعلامية"، وفقاً لمرصد "نتبلوكس" الذي يراقب الولوج إلى شبكة الإنترنت في أنحاء العالم.

وأشار المرصد إلى أن أبرز المدن التي شهدت انقطاعاً في خدمة الإنترنت هي طهران ومشهد وشيراز والأحواز.

والإجراء نفسه حصل في العراق؛ إذ عمدت الحكومة (المتهمة بتلقّيها توجيهات من طهران)، إلى قطع الإنترنت وحجب وسائل التواصل الاجتماعي في أكثر من مناسبة منذ انطلاق الاحتجاجات في أكتوبر الماضي؛ خوفاً من انتشار مقاطع مصوَّرة تُظهر القمع الذي يتعرض له المحتجون.

كما استخدمت السلطات الإيرانية لغة "التخوين" للمتظاهرين، واتهمت "وسائلَ إعلام معادية" بمحاولة استغلال الأخبار الكاذبة والتسجيلات المصورة على الشبكات الاجتماعية لتضخيم التظاهرات وتصويرها على أنها "كبيرة وواسعة النطاق".

كما أعلن العراق في 16 نوفمبر الجاري، إغلاق مَنفذين حدوديَّين مع إيران، بناءً على طلب الأخيرة؛ إثر تزايد الاحتجاجات التي تواجهها.

تاريخ من القمع

هذه الاحتجاجات لم تكن الأُولى في إيران، التي تُعرف بنظامها القمعي وسيطرة الجمهورية الدينية ذات البعد الطائفي التي أسسها آية الله الخميني عام 1979، ولا تزال -حتى اليوم- في قبضة المرشد الذي خلفه عليّ خامنئي، بل تأتي ضمن سلسلة احتجاجات انتهت بسقوط مئات القتلى والجرحى، وآلاف المعتقلين.

وكان فوز أحمد نجاد في الانتخابات الرئاسية بإيران 2009، سبباً في اندلاع أكبر الاحتجاجات في عهد الجمهورية الإسلامية، والتي تفجرت بطهران والمدن الكبرى تنديداً بنتائج الانتخابات، وواجهتها سلطات الأمن بالقوة، ونفذت حملة اعتقالات واسعة، كما سقط خلال الاحتجاجات التي امتدت ثمانية أشهر، عشرات القتلى وآلاف الجرحى.

وفي ديسمبر 2017 وصولاً إلى 2018، شهدت إيران أطول فترة من الاضطرابات، التي استمرت نحو عام، لكن بشكل متقطع، من خلال المسيرات والاحتجاجات العامة والإضرابات العمالية وغيرها من أشكال الاحتجاج، بسبب الاحتقان الاجتماعي والتدهور الاقتصادي والفساد الصارخ بالبلاد.

وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية شنت حملة قمع مشينة خلال عام 2018، فسحقت الاحتجاجات، واعتقلت ما يزيد على 7000 شخص من المحتجين.

القوة قد تنهي الاحتجاجات

ويرى رئيس "مركز ساس للأبحاث ودراسة السياسات"، عدنان هاشم، أن من المبكر تقديم رؤية كاملة لما سيحدث في المستقبل، موضحاً أن الاحتجاجات "كما يبدو تتصاعد من شعارات مطلبية إلى سياسية".

ويشير في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن الحكومة الإيرانية قد تتحول نحو  أمرين اثنين: "التراجع عن القرار، أو تقديم معونات لمواجهة الغلاء"، لكنه أشار إلى أنه في حال تطورت التظاهرات "فإن الحرس الثوري والباسيج سينتشران في المدن والبلدات، وهو ما يجعل المخاوف أوسع بتحوُّلها إلى نتيجة مشابهة لتظاهرات 2009".

ويؤكد أن مدى استمرارية الاحتجاجات في التصاعد السياسي واتساع رقعتها الجغرافية ولحاق القيادات السياسية بها، "هو ما قد يجبر النظام على تقديم التنازلات".

وأوضح في حديثه، عدم إمكانية مقارنة احتجاجات إيران بتلك التي في لبنان والعراق، وقال: "يبدو أن هذه الاحتجاجات بتطورها في المطالب من مطلبية إلى توجيه انتقادات سياسية تجعل المقارنة مع احتجاجات لبنان والعراق مقارنة ممكنة"، لكنه استطرد: "إلا أن البيئة السياسية في الدولتين مقارَنة بسلوك النظام في إيران تختلف جداً، ولا نستطيع أن نقول إنهم يتشابهون في ذلك".

أشكال القمع

في كل الاحتجاجات التي قامت ضد الحكومة بإيران، رأت السلطات الحاكمة أن من الضروري إخمادها بتكثيف حملات الاعتقال وقتل المعتقلين، بعدما توفي بعضهم إثر التعذيب في السجون بعيداً عن أي رقابة دولية.

كما عمدت الحكومة إلى محاربة مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها تهديداً أمنياً، كما وجهت إلى معتقلين اتهامات "التحريض على النظام، ونشر الأكاذيب في الفضاء الإلكتروني، وإهانة القيادة"، وحجبت تطبيقَي التواصل الاجتماعي (إنستغرام وتلغرام)، إضافة إلى "تويتر" بين الحين والآخر.

وكان أحد أهم وأخطر سبل القمع التي اتبعتها السلطات الإيرانية بحق المتظاهرين، إسناد دور الردع وإحكام القمع إلى الجماعات المليشياوية التي درَّبتها في البلدان الأخرى، وعلى رأسها مليشيات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين باليمن، وسرايا المقاومة التابعة لـ"حزب الله" في لبنان.

إيران

ولم تَسلم الأقليات الدينية من سياسات القمع التي استخدمها النظام في التعامل مع المحتجين عليه وعلى سياساته غير الواضحة، إذ تشير تقارير عدة إلى تعرُّض "الصوفيين الشيعة" -وهم أقلية- لقمع واضطهاد مستمرَّين، كما لم تستثنِ المسيحيين من الاعتقال والتعذيب، والمحاكمة غير العادلة، واضطهاد المرأة، ومحاربة الأحواز العرب وزج آلاف منهم بالسجون.

أسباب أضعفت اقتصاد إيران

يُجمع مختلف الإيرانيين، ومن بينهم أجنحة النظام الحاكم، على صعوبة وضع الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني تفشي ظواهر الفساد والرشوة والمحسوبية، وتبديد الأموال في صرفها على المليشيات والمنظومة الإعلامية ومؤسسات نشر التشيُّع بالعالم، بالإضافة إلى سيطرة "الحرس الثوري" على كثير من المجالات الاقتصادية التي أضرت بالاقتصاد والمستثمرين.

ومنذ سنوات تعيش أجنحة النظام بتياريَها المحافظ والإصلاحي، وتلك المتفرعة عنها، صراعات عديدة على أدوات السلطة والثروة، أشدها على خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي.

وينتشر الفقر بنسبة كبيرة في المدن والأرياف الإيرانية، وتضعه أرقام رسمية في حدود 12 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر المطلق، في حين يعيش ما بين 25 و30 مليون شخص فقراً نسبيّاً.

إيران

ولعل 2018، كان عاماً شديداً على إيران، بدأ بمظاهرات ثم توسّطته العقوبات الأمريكية، وانتهى بعودة المظاهرات وتراجع اقتصادي.

وتسببت العقوبات في شلل شبه تام لمعدلات تصدير النفط، ووصلت معدلات تصدير المنتجات الإيرانية للولايات المتحدة في ديسمبر الماضي، إلى صفر، في حين واصلت واشنطن فرض عقوبات مختلفة على إيران وقياداتها.

مكة المكرمة