قاذفات "B-52" آخر الاستفزازات.. هل ينقذ الهدوء إيران من غضب واشنطن؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/5Aqxr2

هل تضع الإدارة الأمريكية الجديدة حداً للصراع مع إيران؟

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 23-11-2020 الساعة 09:00

في الوقت الذي يقترب موعد توديع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض، تزداد تهديدات الولايات المتحدة العسكرية لإيران حدة، في حين تواصل الأخيرة التزام الهدوء لكي تمنع واشنطن من نيل مبرر لتوجيه هجمة عسكرية.

"رسالة إلى طهران"، بحسب شبكة "فوكس نيوز"، وجهتها القيادة المركزية للجيش الأمريكي حين أعلنت، السبت (21 نوفمبر 2020)، نشرها قاذفات "B-52" في الشرق الأوسط.

أكدت القيادة المركزية في بيان لها أن أطقم قاذفات "B-52" بالقوة الجوية أنجزت مهمة الانتشار "في مهلة قصيرة"؛ من أجل "ردع العدوان وطمأنة شركاء الولايات المتحدة وحلفائها".

وبينت أن هذه المهمة تساعد أطقم القاذفات في التعرف على المجال الجوي للمنطقة ووظائف التحكم.

وطائرات "B-52" هي قاذفات أمريكية استراتيجية بعيدة المدى، دون سرعة الصوت، وتعمل بالطاقة النفاثة، قادرة على حمل ما يصل إلى 70 ألف رطل من الأسلحة، ولديها نطاق قتالي نموذجي يبلغ أكثر من 8800 ميل من دون الحاجة للتزود بالوقود الجوي.

تملك القاذفة إمكانية حمل حتى 20 صاروخاً نووياً من نوع إيه جي إم-69 قصيرة المدى لطرازي جي وإتش من الطائرات، ولها قابلية إطلاق صواريخ كروز، وهي قادرة على حمل 12 صاروخاً من طراز إيه جي إم هاربون المضادة للسفن، وصواريخ جو-أرض.

تهديدات ترامب

جاءت هذه الخطوة بعد أيام من تداول تقارير إعلامية تفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب، خلال اجتماع مع كبار مساعديه للأمن القومي، خيارات لمهاجمة إيران.

ومؤخراً نقل موقع "أكسيوس" الأمريكي عن مصادر أن إدارة ترامب تستعد مع "إسرائيل" ودول خليجية إلى فرض "طوفان" من العقوبات الجديدة على طهران قبل تنصيب جو بايدن في يناير.

بدورها نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، عن مسؤول قوله: إن "ترامب طلب خلال اجتماع يوم الخميس (12 نوفمبر الجاري) مع كبار مساعديه للأمن القومي، ومن ضمنهم نائب الرئيس مايك بنس، والقائم بأعمال وزير الدفاع كريستوفر ميلر، والجنرال مارك ميلي رئيس هيئة الأركان المشتركة، خيارات لمهاجمة إيران".

وفق المصدر فإن المسؤول أكد أن "المستشارين أقنعوا ترامب بعدم المضي قدماً في تنفيذ الضربة، بسبب خطر نشوب صراع أوسع"، مضيفاً أن "ترامب طلب خيارات، فأعطوه سيناريوهات، وقرر في نهاية المطاف عدم المضي قدماً".

وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قال في تصريحات لصحيفة "لو فيغارو" الفرنسية: إن "الولايات المتحدة ما زال لديها مزيد من العمل في الأسابيع المقبلة لتقليل قدرة إيران على (تعذيب الشرق الأوسط)".

وأضاف: "لقد حرصنا على أن يكون لدى إيران أقل قدر ممكن من الدولارات والموارد لبناء برنامجهم النووي".

وزاد: "سنواصل الضغط خلال الأسابيع المقبلة. ما زال هناك عمل للحد من قدرتهم على تعذيب الشرق".

وفي هذا الإطار يقول الباحث والمحلل السياسي العراقي د. لقاء مكي، إن دخول "بي 52" إلى المنطقة يعتبر من الناحية الاستراتيجية مؤشراً على تطور عسكري وعمليات عسكرية محتملة، مبيناً أنها ترسل لأغراض الردع الاستراتيجي والعمليات الكبرى.

واستدرك "مكي"، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "بي 52" كانت قد نشرت من قبل في المنطقة، ولم تفعل شيئاً، وعادت إلى الولايات المتحدة دون استخدامها في عمليات عسكرية.

ورغم مميزاتها التي وصفها "مكي" بـ"الهائلة"، فإنه يعتقد أن "بي 52" لا يمكنها أن تقوم بحرب وحدها، مؤكداً أنه يجب دخول القواعد الأمريكية في حالة استعداد شامل إن أراد ترامب فتح جبهة مع إيران.

واستحضر "مكي"، وهو باحث أول في مركز الجزيرة للدراسات، ما كشفته تقارير صحفية أمريكية مؤخراً حول خطط ترامب لضرب موقع "نطنز" النووي قبل أن يتراجع بنصيحة من مستشاريه خوفاً من تطور الأمر إلى نزاع شامل لكونه رئيساً إلى حين، وقد يؤثر ذلك على مجمل استعدادات واشنطن، وقد يثير ارتباكاً ونزاعاً مع المؤسسة العسكرية، وهو لا يستطيع أن يعاديها.

ويرى الباحث السياسي أن ذات الأسباب التي منعت ترامب من ضرب الموقع النووي الإيراني لا تزال قائمة، وتجعله لا يقوم بأي عمليات قصف لأي هدف داخل إيران؛ لأن طهران سترد بقوة وهو ما يقتضي منه أن يكون جاهزاً للرد بعنف أكبر.

وأوضح قائلاً: إن "استخدام الولايات المتحدة قدراتها القصوى ضد إيران سيؤدي إلى تدمير استراتيجي لإيران"، ولكن في المقابل، يقول "مكي" إن هذا النمط من القصف يحتاج إلى استعدادات تتخطى بكثير إرسال قاذفات "بي 52"، ويحتاج إلى نشر حاملة طائرات في الخليج أو شرق المتوسط، إضافة إلى استعداد قواعد واشنطن في الخليج والعراق وربما في إنجيرليك التركية.

وعليه فإن لم يكن هذا حاصلاً، وهنا الكلام لـ"مكي"، فإنه "ليس من الممكن التوقع أن هناك استعداداً لحرب"، واصفاً ما يحدث بأنه محاولة استفزاز لإيران ودفعها لتضرب مناطق وقواعد أمريكية في الخليج، ومن ثم فترامب مسؤول عن عدم الاستعداد الجيد للحرب والرد على طهران وليس فقط عن حياة الجنود الأمريكيين والحلفاء.

وخلص إلى أن المؤشرات العسكرية على الأرض "لا توحي بوجود ضربة حتى إذا أرادها ترامب"، معتقداً أن المؤسسة العسكرية ستكون "أكثر احترافية في التعامل مع مثل هذه الأوامر".

كل الاحتمالات قائمة

وأشار الباحث السياسي إلى أن احتمالات الضربة الأمريكية تبقى ضعيفة، ولكن بعض الأحداث "تجري بطريقة خارج سياقات المنطقية وخارج السيطرة، وبعضها يحدث نتيجة خطأ بشري أو قرار خاطئ".

وفي حال حدوث مثل هذه المواجهة، يؤكد "مكي" أن المنطقة ستدخل في حالة من الصدام والعنف والصراع الخطير والاشتعال، كاشفاً أن هناك تحفزاً واستقطاباً شديداً في المنطقة مضت عليه سنوات ووصل إلى مرحلة انفجار.

وبين أن الإقليم بكامله يشهد عمليات تغيير استراتيجي تتعلق بأجندات متناقضة بين الأطراف المختلفة؛ إيران، والسعودية، وتركيا، وسوريا، والعراق، وغيرها من  الأحداث، كتخفيض عديد القوات الأمريكية والتطبيع مع "إسرائيل"، ورحيل ترامب ورغبته في تنفيذ أفكاره بالشهرين الأخيرين.

وفي حال اندلاع الحرب، يرى المحلل السياسي العراقي أن المنطقة ستشهد اشتعالاً "لن ينطفئ بسهولة"، وتطورات متلاحقة يصبح معها وقف النزاع أمراً عسيراً؛ لأن إيران سترد على عدة دول خليجية، وحلفاء طهران في العراق وسوريا واليمن ولبنان سيردون بعمليات ضخمة وانتقامية ضد "إسرائيل" والسعودية والقوات الأمريكية في العراق والخليج.

العقوبات الاقتصادية

وبشأن العقوبات التي فرضت مؤخراً، يؤكد المحلل السياسي العراقي أنها امتداد لسياسة الضغط الأقصى، وهي ليست تحضيراً للحرب، ولا تستفز إيران، وواشنطن تعرف ذلك، مشيراً إلى أنها "رمزية وغير مؤثرة كثيراً، كما أن الفترة المتبقية لترامب قصيرة".

ويعتقد أن هدف ترامب من سياسته هذه "وضع إدارة بايدن المقبلة في سياسة عداء مع إيران"، إضافة إلى إظهار نفسه لأنصاره وناخبيه بأنه رئيس قوي ضد أعداء الولايات المتحدة.

ويوضح أنه في حال أراد بايدن الدخول في مفاوضات مع إيران والاتفاق النووي فسيحتاج إلى رفع العقوبات عن طهران وهي ضخمة وتشمل طائفة واسعة من القضايا والشخصيات والكيانات، ومن ثم فإن رفعها جميعها "أمر ليس هيناً؛ فنياً (تقنياً) وسياسياً"، وجزء منها مرتبط بحقوق الإنسان، وآخر بسياسة إيران التوسعية في الإقليم.

ويكمل موضحاً: "بايدن مطالب بتبرير رفع العقوبات للرأي العام الأمريكي، وهو ما يضعه في حرج وموقف معقد؛ لأنه قد لا يستطيع المضي في عملية التفاهم مع إيران دون رفع العقوبات"، كاشفاً أن ترامب لديه خطة بوضع بايدن تحت الضغط في السنوات الـ4 المقبلة، وجعله تحت سهام النقد، لأنه يخطط في البقاء على الساحة الإعلامية والعودة إلى البيت الأبيض في 2024، خاصة إن أقدم الرئيس المنتخب على رفع العقوبات.

وفيما يتعلق بالعراق ووجود قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، والتقائه برئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، يشير "مكي" إلى أن أخباراً تناقلت ذلك، وأفادت بأن الأخير طلب من قاآني إقناع المليشيات العراقية المحسوبة على طهران بعدم مهاجمة القوات الأمريكية، خاصة بعد القصف الأخير الذي استهدف السفارة الأمريكية في بغداد، لكنه أوضح أن طهران فعلت ذلك لأنها "لا تريد أي استفزاز لواشنطن، ولا تريد إعطاء ترامب أي مبرر لشن ضربات عليها أو على مصالحها في المنطقة".

وأشار إلى أنه في حال صدقت تلك الأنباء، فإن هذا ما تريده إيران "بإضعاف الكاظمي"، مبيناً أن "الأمر وصل إلى غايته"، كما كشف أن طهران تريد إيصال رسالة لأرفع مسؤول عراقي بأن الملفات الأمنية في يدها، وأنها قادرة على لجم مليشياتها.

عقوبات أمريكية

مرة أخرى استخدمت واشنطن العقوبات عبر وزارة الخزانة الأمريكية، الأربعاء، استهدفت هذه المرة المرشد الإيراني علي خامنئي، إضافة إلى عشرات الكيانات والشخصيات الإيرانية على رأسهم وزير الاستخبارات والأمن محمود علوي.

وزارة الخزانة الأمريكية قالت، في بيان (18 نوفمبر 2020)، إنها اتخذت إجراءات ضد مؤسسة كبرى (شبكة) يرعاها المرشد الإيرني وتضم نحو 160 شركة على صلة بقطاعات الطاقة، والمالية، والبناء، والتعدين في إيران.

وأوضح أن الشبكة المذكورة "تدعى (مؤسسة مستازافان) وتعرَّف ظاهرياً على أنها مؤسسة خيرية، إلا أنها تستخدم من قبل المرشد الإيراني لتعزيز منصبه وتقديم المكافآت لحلفائه السياسيين، إضافة إلى التضييق على أعداء النظام".

شملت العقوبات أيضاً كلاً من أمير منصور بورغي، وجواد غاناعات، وخوسرو مختاري، ومحمد علي يزدن. بررت واشنطن فرض العقوبات عليهم بأنهم "أعضاء في مجلس إدارة المؤسسة، أو مسؤولون تنفيذيون بارزون فيها"، حسب البيان.

ونقل البيان عن وزير الخزانة الأمريكية، ستيفن منوشين، قوله إن "المرشد الإيراني يستخدم مستازافان لمكافأة حلفائه بحجة الأعمال الخيرية".

هذا وقد نفى قائد القيادة الوسطى بالقوات الأمريكية، الجنرال كينيث ماكينزي، في تصريح الخميس (19 نوفمبر 2020)، أن تتضمن سياسة الضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن  على طهران القيام بعمل عسكري، مؤكداً أن بلاده ستحقق نتائج كبيرة في حال دخلت حرباً مع إيران.

وأشار ماكينزي إلى أن "النظام الإيراني يدرك أن التصعيد مع الولايات المتحدة ليس في مصلحته، لهذا نرى تراجعاً في أفعال التحدي الإيرانية في البحر والبر بمنطقة الخليج".

وذكر أن "إيران تسعى لإخراج الولايات المتحدة من المنطقة"، مفيداً بأن "النظام الإيراني ما زال يصرف موارده على آلته العسكرية ووكلائه في المنطقة على حساب شعبه".

موقف إيران

ليس خافياً موقف إيران والمليشيات الموالية لها في المنطقة من إدارة ترامب، وكانت رحبت بفوز جون بايدن معتبرة أنه سيعيد الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق النووي ويوقف العقوبات على طهران.

ويبدو أن طهران تنتظر انتهاء ولاية ترامب، وحتى ذلك الوقت تحاول التعامل بهدوء بعيداً عن التشنجات، والسيطرة على المليشيات الموالية لها في المنطقة.

والخميس (19 نوفمبر 2020)، حذر حسن دهقان، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، من أن أيّ هجوم أمريكي على إيران يمكن أن يؤدي إلى "حرب شاملة" في المنطقة. لكنه عاد ليخفف من نبرته حين قال: "نحن لا نرحّب بالحرب، ولسنا نهدف إلى بدئها".

ووفق وكالة أسوشييتد برس، قال مسؤولون عراقيون إن إيران وجهت رسالة مشددة إلى المليشيات في العراق ولبنان على وجه الخصوص بأن تكون في حالة تأهب قصوى، وتجنب إثارة التوترات مع الولايات المتحدة التي قد تمنح إدارة ترامب سبباً لشن هجمات في أسابيعها الأخيرة.

ونقلت وكالة أسوشييتد برس عن أحد السياسيين العراقيين قوله إن إسماعيل قاآني، قائد الحرس الثوري، طلب من مليشيات عراقية إيقاف الهجمات على المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، وأن تتحلّى بالهدوء.

مكة المكرمة