رغم رحيل البشير.. لماذا عاد الاقتتال والتوتر مجدداً إلى دارفور؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/a7Jnda

سقط نحو 300 ألف قتيل خلال 16 عاماً من الاقتتال

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 31-12-2019 الساعة 15:46

بينما كانت الآمال تتزايد في أن تقود اللقاءات والحوارات بين الحكومة السودانية وحركات التمرد المسلحة في إقليم دارفور (غرب) إلى إنهاء صراع عمره أكثر من 16 عاماً، خلّف 300 ألف قتيل، وشرّد نحو 2.5 مليون شخص، عاد التوتر مجدداً للإقليم الفقير.

وظل إقليم دارفور لسنوات طويلة يواجه توترات بشأن ملكية الأرض وحقوق الرعي بين القبائل البدوية العربية، في الغالب، والمزارعين من قبائل أفريقية.

وتركيبة دارفور السكانية تنقسم إلى قبائل أفريقية وأخرى عربية، بعضها مستقر والأخرى من البدو الرحل الذين يمتهنون الرعي، وهؤلاء من اتُّهمت حكومة نظام الرئيس المعزول، عمر البشير، بتدريبهم للقتال إلى جانبها ضد القبائل العربية الأخرى، ويطلق عليهم "الجنجويد".

أصل الصراع بدارفور

تعود جذور الصراع في دارفور إلى ثمانينيات القرن المنصرم؛ حين اجتاحت موجة من الجفاف دارفور ودولتي تشاد وأفريقيا الوسطى المجاورتين، والتي تمتد إليهما وتتداخل معهما جُل قبائل الإقليم المضطرب، خاصة الرعوية منها، ثم سرعان ما استقرت الأوضاع وخف الاحتقان مع انحسار الجفاف، وعادت القبائل العربية (الرعوية) والأفريقية (الزراعية) إلى التساكن والتعايش بسلام مرة أخرى.

لكن شرارة الصراع الفعلي بدأت في أبريل 2003؛ عندما ثار متمردون ضد نظام الرئيس المعزول عمر البشير؛ بدعوى تعرضهم للتهميش، وأعلنت حركتان مسلحتان؛ هما حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، تمردهما، وهاجم مسلحو الحركتين مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور (العاصمة التاريخية للإقليم)، ونجحوا في تدمير 7 طائرات بمطار المدينة.

السودان

ورغم نفي الحكومة السودانية توغل المتمردين داخل المدينة، أو اعتقال أي مسؤول حكومي في الهجوم الذي اعترفت بأنه أسفر عن تحطم 4 طائرات فقط ومقتل 32 من القوات الحكومية، فإن الحرب دقت طبولها بالفعل، لتخلق واقعاً جديداً من القتل والنزوح والتشرد في الإقليم دام 16 عاماً.

وأربك التمرد خطط الحكومة، التي نجحت آنذاك في إحراز تقدم في مفاوضاتها مع حركات التمرد جنوبي البلاد، مهدت فيما بعد للوصول إلى اتفاق سلام، مطلع 2005، وقاد لانفصال جنوب السودان في 2011.

كما اتخذت أزمة دارفور بعداً جديداً؛ بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرين باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير في 2009 و2010؛ لاتهامه بـ"تدبير إبادة جماعية، وأعمال وحشية أخرى" في إطار حملته "لسحق تمرد" في إقليم دارفور.

وعقب انفصال جنوب السودان في 2011، شكل مقاتلون منحازون للدولة الجديدة "الحركة الشعبية / قطاع الشمال" المتمردة حلفاً عسكرياً مع حركات دارفور الثلاث الرئيسية.

وفي 18 يونيو 2016، أعلن البشير وقف إطلاق النار في مناطق الصراع الثلاث (دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق)، وتم تمديده حتى 2018، قبل أن يرحل بعد احتجاجات اندلعت في ديسمبر من ذات العام، وانتهت بعزله في أبريل 2019.

ما بعد رحيل البشير

في 21 أكتوبر الماضي، وقعت الحكومة السودانية الانتقالية وفصائل "الجبهة الثورية" إعلاناً سياسياً واتفاقاً لوقف إطلاق النار في إطار خريطة طريق جديدة تسمح باستئناف محادثات السلام المتوقفة.

ووقع الجانبان على الوثيقتين في مراسم أقيمت بالقصر الرئاسي في جوبا عاصمة جنوب السودان، ويسمح الاتفاق بنقل المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي مزقتها الحرب في السودان للمرة الأولى منذ ثماني سنوات.

السودان

وفي 24 ديسمبر 2019، وقعت الحكومة السودانية اتفاق السلام النهائي مع "مسار الوسط" التابع للجبهة الثورية.

ويأتي توقيع اتفاق السلام بعد أيام على توقيع الحكومة السودانية والجبهة الثورية اتفاقاً بتمديد المدى الزمني لبروتوكول جوبا حتى الـ15 من فبراير 2020.

اندلاع مواجهات.. وتعليق الاتفاق

لكن مواجهات اندلعت في 29 ديسمبر 2019، دفع المجلس السيادي بالسودان إلى إعلانه الدفع بقوات إلى ولاية غرب دارفور للسيطرة على الأوضاع الأمنية هناك إثر اشتباكات قبلية أوقعت 11 قتيلاً وجريحاً.

وقال المجلس في بيان له إن قرار إرسال القوات جاء في اجتماع طارئ برئاسة نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، بالقصر الرئاسي في الخرطوم، بشأن الأحداث في مدينة الجنينة بالولاية، إضافة إلى "تعليق مفاوضات السلام مع حركات الكفاح المسلح لمسار دارفور 24 ساعة".

وأوضح المتحدث باسم المجلس السيادي، محمد الفكي سليمان، أن الأحداث بمدينة الجنينة بدأت بصراع بين شخصين، لكنه اتخذ طابعاً قبلياً نتيجة لاستقطاب بعض مكونات المجتمع؛ وهو ما أدى إلى سقوط ضحايا وخلَّف عدداً من الجرحى.

كما أعلنت الجبهة الثورية السودانية تعليق التفاوض مع حكومة بلادها بشأن مسار إقليم دارفور في مفاوضات السلام؛ على خلفية الاشتباكات.

أسباب الصراع

يقول الناشط السياسي السوداني حسام أبو الفتوح، إن الصراع الدائر في دارفور هو صراع سياسي في المقام الأول بين الحكومة التي تمثلها قوات "الجنجويد"، وبين الحركات الناشطة في المنطقة ومعظم المنتمين لهذه الحركات من قبائل ذات أصول أفريقية (المساليت - الفور- الزغاوة) وغيرهم من القبائل ذات الأصول الأفريقية الأخرى.

ويرى أن أسباب الحرب السابقة معروفة؛ وفي مقدمتها "التهميش الذي لا يزال أبناء المنطقة يعانون منه، وعدم وجود تنمية، والتخلف الكبير الذي تعيشه المنطقة".

وأوضح أن حكومة البشير استعانت بـ"بعض بطون القبائل العربية الوافدة حديثاً للمنطقة التي استقرت بالمنطقة هرباً من التدهور البيئي في منطقة جنوب الصحراء والصراع الليبي- التشادي، والتشادي- التشادي".

دارفور

وأضاف في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "قامت الحكومة السودانية سابقاً بتسليح الرعاة بهدف القضاء على الحركات المتمردة، كما فعلت في حرب الجنوب، وهي بذلك خلقت فتنة كبرى بين القبائل في المنطقة، وحولت الأنظار من صراع سياسي إلى صراع عرقي، وصراع حول الموارد بين الرعاة والمزارعين، وكان سبباً للاشتباكات الأخيرة".

قديمة حديثة

أما الناشط السياسي السوداني سعيد عبد الحكيم فيقول: إن "المشاكل القبلية في دارفور ليست مشاكل اليوم أو البارحة، بل هي مشاكل ممتدة منذ زمن طويل".

وفي حديثه لـ"الخليج أونلاين" تحدث عن خطر تعيشه دارفور قائلاً: "ما يزيد الطين بلة هي وجود قبائل تحمل السلاح بشكل علني ولا يمكن أن توقفها لا قوانين ولا قوة عسكرية أمام قبائل خسرت المأوى والمسكن بسبب الحرب".

وأشار إلى أن الحل يكمن في "إنهاء المشكلة ومنع حدوثها؛ وذلك عن طريق جمع السلاح من كل شخص مدني، ووضع قوانين صارمة ورادعة أمام كل مخالف، والعمل على جلب قوة عسكرية لا تنتمي للمنطقة لضمان الحياد في مثل هذه المواقف، وأخيراً زرع أفراد من جهاز المخابرات مهمتها أن تعمل على منع أي فتنة يمكن أن تحدث في المنطقة".

دارفور

كما رأى أن الانتهاكات التي وقعت في الجنينة وكردينق بدارفور "مرفوضة بشدة، وتؤكد الحاجة الماسة لتحقيق السلام في السودان"، مؤكداً أن ذلك "لا يمكن أن تلزم به الحكومة وحدها؛ بل حركات الكفاح المسلح أيضاً عليها دور سياسي وأخلاقي مهم، لأن معادلة السلام ذات شقين ولا تكتمل إلا بالانسجام بين الطرفين".

ما هي قوات "الجنجويد"

يشبه حال مليشيات الجنجويد (تشكلت منها قوات الدعم السريع الرسمية) الآن حال "حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن، فهي دولة داخل دولة؛ تعقد الاتفاقيات مع دول أخرى، ولها ميزانية منفصلة، وتقوم بحملات تجنيد للشباب والأطفال خارج نظام المؤسسة العسكرية الرسمية (الجيش)، وترسلهم إلى الحرب من دون التنسيق مع قيادة الجيش، كما حدث في حرب اليمن، وأيضاً مؤخراً في ليبيا.

وتفرض المليشيات سيطرتها الكاملة على العاصمة السودانية الخرطوم، التي يقودها نائب رئيس المجلس السيادي (قائد قوات الدعم السريع) في السودان محمد حمدان دقلو "حميدتي".

جنجويد

وقوام الجنجويد هم أفراد ما يُسمى بالقبائل العربية في إقليم دافور، التي تنشط بشكل أساسي في رعي الإبل والماشية، في حين تعيش القبائل الأخرى (الأفريقية) حياة زراعية مستقرة قرب مصادر المياه.

وقد أسس البشير هذه المليشيات بإشراف مباشر من نائبه الأول حينها، علي عثمان طه، على خلفية ظهور حركات مسلحة متمردة على الدولة المركزية بالخرطوم بين عامي 2002 و2003، تطالب بإعادة هيكلة الدول السودانية وبالعدالة في توزيع الثروة والسلطة بين أقاليم السودان المختلفة.

وأطلق سكان دافور اسم "جنجويد" على هذه المليشيات بسبب أن مقاتليها يمتطون الجياد، ويحملون أسلحة رشاشة، ويغيرون على القرى فيحرقونها وينهبونها ويغتصبون النساء.

مكة المكرمة