دعوات متزايدة في ظل "كورونا".. هل باتت المصالحة الخليجية قريبة؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/P3jX18

الحصار بدأ في يونيو 2017

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 23-03-2020 الساعة 21:42

لا تزال تبعات انتشار فيروس كورونا الجديد، تهيمن على المشهد الدولي سياسياً واقتصادياً، لكن وفي ظل استمرار انتشاره، تعالت الدعوات المطالبة بحل النزاعات، خصوصاً في الوطن العربي الذي تشهد بلدانه خلافات وحروباً طاحنة.

وينظر كثيرون إلى أزمة حصار قطر، الذي فرضته منذ يونيو 2017 السعودية والإمارات والبحرين إلى جانب مصر، على أنها أكبر أزمة تشهدها المنطقة، وسط فشل كل المحاولات لإنهاء الخلافات، بسبب تعنت دول الحصار.

وكان آخر من أثار الحديث عن ضرورة ترك الخلافات جانباً في مواجهة الفيروس، رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري السابق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، الذي نبه إلى أهمية التكاتف في هذه المرحلة، رغم أن بلاده قادرة على تجاوز أزمة الحصار كما فعلت في الفترة السابقة.

ورغم عجزها عن أداء أي دور يُذكر في حل الأزمة بين الأشقاء، وانحيازها الواضح إلى طرف دون آخر منذ بداية الأزمة، دعت جامعة الدول العربية دول المنطقة إلى حل الخلافات والعمل معاً في مكافحة فيروس كورونا، وهو ما طرح تساؤلات حول قرب الاستجابة لهذه الدعوات وحلحلة الخلاف الخليجي بعد نحو 3 سنوات؟

بن جاسم يدعو للتخلي عن الخلافات

ودعا رئيس الوزراء القطري الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجاوز خلافاتها، في ظل تفشي فيروس كورونا.

وقال بن جاسم، في سلسلة تغريدات نشرها على حسابه بـ"تويتر"، السبت (21 مارس)، مخاطباً دول مجلس التعاون: "أما آن لكم أن تضعوا خلافاتكم، التي أضرت بكم جميعاً، جانباً وأن تجلسوا على مائدة واحدة لوضع الاستراتيجيات التي تخفف على شعوبكم ما سيواجهونه من تبعات قد تطول وتغيّر كثيراً من الثوابت والمحرمات التي كان يحترمها المواطن الخليجي ويلتزم بها".

وأضاف مستدركاً: "لكن التحديات التي تواجهنا جميعاً أكبر من ذلك بكثير. إذن، أليس منا رجل رشيد يبادر بإصلاح الوضع؛ تجنباً لما هو أخطر!؟".

كما حذَّر من أنه ليس بإمكان أحدٍ تحديد الوقت الذي ستتم فيه السيطرة على الوباء الذي يجتاح العالم، مضيفاً أن هذه "الجائحة" ستجلب بالتأكيد عواقب ونتائج صحية واقتصادية وسياسية واجتماعية على العالم بأَسره.

وأشار رئيس الوزراء الأسبق إلى أنه وجميع العرب يريدون من قياداتهم في العالم العربي والخليجي استخلاص العِبر والدروس، ومعرفة "ضخامة المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقهم وما يترتب عليهم من عمل كبير لتخفيف أعباء التبعات السلبية، وبالأخص في المجال الاقتصادي".

وحذَّر رئيس الوزراء القطري الأسبق من اعتقاد أنه يريد بهذه المناسبة "التماساً لفكّ الحصار" عن بلده، مشدداً على أن "قطر تستطيع الاستمرار بالعزم نفسه في تجاوز عواقب الحصار المفروض عليها".

دعوة بعد صمت

وخرجت "جامعة الدول العربية" عن صمتها، من خلال أمينها العام أحمد أبوالغيط، الذي دعا إلى "إسكات المدافع" بالمنطقة مع تفشي "كورونا"، مؤكداً أن الوضع العالمي في مواجهة جائحة "الفيروس المستجد" يجعل من استمرار النزاعات التي تشهدها الدول العربية نوعاً من "العبث".

ودعا أبو الغيط في كلمة متلفزة بمناسبة الاحتفال بمرور 75 عاماً على تأسيس جامعة الدول العربية في 23 مارس، الأطراف كافة بكل الدول العربية التي تشهد نزاعات إلى "وقفة صادقة مع النفس".

وأضاف: "لن يستطيع العرب اللحاق بالعصر وحماية مقدراتهم المادية والبشرية -وهي أكثر مما نتصور- إلا لو اقتنعوا بأن أمنهم القومي وحدة واحدة وكلٌّ لا يتجزأ، من هُرمز إلى جبل طارق، ومن النيل إلى الجولان".

حديث أبو الغيط جاء رغم اتهامات متتالية للجامعة بالانحياز إلى طرف دون آخر في قضايا المنطقة، أو صمتها المطبق عن الحديث عن أي انتهاكات تحصل ما لم تمس دولاً محددة تتقدمها مصر والسعودية، كموقفها من الأزمة الخليجية، أو الأزمتين الليبية والسورية.

المصالحة.. هل تفرضها إكراهات اللحظة؟ 

يقول الأكاديمي العُماني والخبير في الشؤون الاستراتيجية، عبد الله الغيلاني، إنه مع كل ظرف استثنائي، يتجدد رجاء المجتمع الخليجي تجاوز حالة التوتر السياسي والتمزق الاجتماعي التي أفرزتها أزمة حصار قطر التي أدخلت الإقليم في صراع متعدد الأبعاد أصابت شظاياه جل أركان البيت الخليجي.

وأوضح "الغيلاني"، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن الرجاء يتجدد مرة أخرى مع تشكل أزمة مزدوجة تواجهها دول المنطقة بالدرجة ذاتها من الحدة والخطورة، متسائلاً: "هل تدفع إكراهات هذه الأزمة باتجاه مصالحة خليجية - خليجية؟".

وشدد على أن أزمة كورونا، بمكوناتها وتداعياتها ولحظتها الزمنية، غير مسبوقة في تاريخ الدولة الخليجية الحديثة، لافتاً إلى أن شقها الصحي-الاجتماعي أوقع النظام الصحي في مأزق لم يكن ضمن حساباتها الاعتيادية، وفرض عليه ضرباً من المقاربات لم يعهدها.

وأردف موضحاً: "أما الشق المالي الناجم عن تهاوي أسعار النفط بما يزيد على 50%، فقد أصاب النظام الاقتصادي ومعه النظام السياسي في مقتل، ستبقى فتوقه نازفةً حيناً طويلاً من الدهر، وستتولد عنها تبعات جيوسياسية متعددة الأبعاد". 

ويعتقد الأكاديمي العُماني، أنه أمام تلك المخاطر المركبة، حريٌّ بمنظومة التعاون أن تتصدى لهذه المهدِّدات بقوتها الجمعية، وليس بالأدوات الفردية التقليدية، معتقداً أن "الكتلة الخليجية مجتمعةً تملك من مصادر القوة المتكاملة ما يمكّنها من مواجهة المخاطر وتجاوز لحظة التهديد، إن أحسنت توظيف مواردها".

ويرى أن عُمان والسعودية هما الأكثر تضرراً، موضحاً أن "التفاوت سيكون في درجات الانهيار وليس أصله، كما أن النظام المالي الخليجي برمته سيشهد مرحلة تفكك وإعادة تشكُّل وفق قواعد مجانبة لتقاليد الدولة الرعوية والاقتصاد الريعي".

ويؤمن بأن الأزمة الحالية "ترقى لتهديد الأمن الإقليمي الجماعي"، لكنه رهن استجابة مراكز صنع القرار في الخليج من أجل تجاوز حالة التصدع الداخلي، بحدوث تحوُّل جذري في أنماط التفكير الاستراتيجي، خاصة في الرياض وأبوظبي.

وعن توقعاته لما ستؤول إليه الأمور، أوضح الغيلاني لـ"الخليج أونلاين"، أنه  ليس في الأفق حتى اللحظة ما يرهص بذلك، مشيراً إلى أن "العقل السياسي الرسمي في دول الحصار لا يزال مسكوناً بمقولات تنقصها الموضوعية السياسية والتأسيس الجيوستراتيجي".

وشدد على أن منظومة مجلس التعاون ليست أمامها "رفاهية الذرائع والقفز على الحقائق والإفلات من إكراهات اللحظة".

وبيَّن أن الحل يكمن بالمصالحة الحقيقية الحافظة للسيادة، يليها "بناء أنموذج تعاوني صلب، يجسد درجة من الوفاق السياسي والتكامل الاقتصادي، والتآزر الأمني والدفاعي"، ثم اختتم حديثه قائلاً": "البديل عن ذلك انهيار لن ينجو منه أحد".

اختراق جديد في الأزمة

ما لم تحققه السياسة خلال الأزمة الخليجية وتهرُّب السعودية وتصرُّفها الأخير بمنع وزيرة الصحة القطرية، حنان الكواري، من المشاركة في اجتماع خليجي، مؤخراً بالرياض، حققه فيروس "كورونا المستجد" بعد انتشاره في عدد من الدول الخليجية.

وأجبر الفيروس دول الحصار، وعلى رأسها السعودية، على عقد لقاء طارئ عبر الفيديو، لوزراء الصحة بدول مجلس التعاون الخليجي، السبت 14 مارس 2020؛ لمناقشة مستجدات فيروس "كورونا،" حسبما ذكرت وزارة الصحة العمانية، بمشاركة دولة قطر.

وأعطى عقد الاجتماع لجميع وزراء دول مجلس التعاون الخليجي عبر الاتصال المرئي، والذي تم بناء على دعوة من الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، نايف الحجرف، صورة موحدة للدول الخليجية رغم حالة الانقسام المستمرة التي تقودها السعودية والإمارات والبحرين ضد قطر.

وناقش الاجتماع الوضع الجاري بكل دولة، شاملاً الإجراءات المتبعة في المنافذ، والإحصاءات المتعلقة بفيروس كورونا "COVID-19"، وجاهزية القطاع الصحي، والخطط الإعلامية والتوعوية، وخطط الطوارئ.

وبعدها بأيام، وتحديداً في الـ23 من مارس، عقد وزراء المالية في مجلس التعاون الخليجي، اجتماعاً استثنائياً هو الأول منذ نحو 3 سنوات، عبر "اتصال مرئي"، لمناقشة الآثار المالية والاقتصادية لتفشي كورونا في المنطقة.

وقال المجلس، في بيان، إن الاجتماع جاء بناءً على دعوة من أمينه العام نايف الحجرف؛ لـ"مناقشة الآثار المالية والاقتصادية لوباء فيروس كورونا".

وأفاد بأن الوزراء أكدوا "ضرورة تنسيق التدابير الاحترازية بين دول المجلس على كافة القطاعات لدعم الانتعاش الاقتصادي، وتوحيد التدابير والإجراءات المتخذة لمكافحة انتشار الوباء".

كما أكدوا ضرورة "تسهيل حركة البضائع بين دول المجلس، لا سيما البضائع والشحنات المرتبطة بالمواد الاستهلاكية والأساسية، والمواد المرتبطة بالنمو الاقتصادي بشكل عام".

الكويت مستمرة في الوساطة

في (4 مارس الجاري)، رحب وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في مؤتمر صحفي بالعاصمة الألمانية برلين، مع نظيره الألماني هايكو ماس، بجهود الدول الصديقة التي تدعم وساطة أمير الكويت، صباح الأحمد الجابر الصباح، لحل الأزمة الخليجية.

وفي 29 فبراير 2020، قال الوزير القطري، إن المحادثات التي استهدفت إنهاء الأزمة الخليجية الممتدة منذ نحو ثلاث سنوات، لم تشهد تحقيق أي انفراجة، مؤكداً أن بلاده لم تتلقَّ بعدُ أي تفسير لتعليق المحادثات التي كانت جارية.

وقال "آل ثاني": "كنا نتمنى حلاً للأزمة الخليجية، لكن لم يكن هناك أي نجاح لجهود الحل... ما زلنا منفتحين على أن تكون هناك حلول إيجابية قائمة على احترام سيادة الدول".

وكان خالد الجار الله، نائب وزير الخارجية الكويتي، أكد في أواخر فبراير، أن وساطة ‫بلاده لحل الأزمة الخليجية مستمرة، وأنها لم تفقد الأمل رغم الإحباط الذي يعتريها، وذلك بعد أيام من إعلان قطر أن جهود حل الأزمة لم تنجح، وأنها منفتحة على استئناف الحوار.

وبدأت الأزمة الخليجية في 5 يونيو 2017، وهي الأسوأ منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، حين قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، ثم فرضت عليها حصاراً خانقاً غير مسبوق؛ بزعم دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة، وتتهم الدول الأربع بمحاولة فرض السيطرة على قرارها المستقل والتعدي على سيادتها الوطنية.

مكة المكرمة