حضور خليجي لافت.. كيف كان أداء قادة العالم في التعامل مع أزمة كورونا؟

قادة الخليج كانوا في الموعد وعلى قدر الأزمة

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 31-03-2020 الساعة 08:59

لم يتوقع ساسة العالم ولا كبرى مراكز الأبحاث المتخصصة حدوث أزمة عالمية عابرة للقارات تقلب الطاولة رأساً على عقب، وتشل الحركة في مختلف الدول، وتضعهم أمام مستقبل مجهول تلوح فيه سيناريوهات مثيرة للقلق والذعر.

ببساطة هذا ما أحدثه فيروس كورونا المستجد، المعروف طبياً بـ"كوفيد-19"، الذي اجتاح العالم بأسره دون استئذان من أحد، مخلفاً في جولاته المكوكية مئات الآلاف من الإصابات، وعشرات الآلاف من الضحايا، وفق آخر الإحصائيات لمواقع متخصصة بالرصد.

ومع ذلك ظهر على الساحة قادة وزعماء كانوا على قدر الحدث والتحدي الذي فرضته أزمة "كورونا" من خلال سرعة التعامل معها ومحاولة تخفيف أضرارها وتبعاتها وآثارها السلبية إلى أدنى نسبة ممكنة، في حين كانت خيبة الأمل حاضرة بالنسبة لرؤساء ومسؤولي دول بارزين فشلوا في التعامل معها ووضعوا بلدانهم على حافة الخطر، وباتوا عرضة للانتقادات.

زعماء بخبر كان!

تلقت الولايات المتحدة الأمريكية صفعة قوية بعد فشل قيادتها ممثلة بإدارة الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته المقرب منه، مايك بومبيو، في التعامل مع أزمة كورونا، وتأخرها في أخد الأمور على محمل الجد؛ بعدما كانت السخرية والاستهانة حاضرة حتى وقت قريب.

والمتابع للشأن الأمريكي يُدرك مدى التحول في خطاب ترامب بشأن الفيروس التاجي؛ إذ سخر منه وقلل من إمكانية تفشيه في البلاد والتهديد الذي يُمثله، أواخر فبراير 2020، متهماً خصومه الديمقراطيين وبعض وسائل الإعلام الأمريكية بإثارة "الهلع" و"التأثير سلباً على الأسواق".

كما كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، في 21 مارس 2020، أن ترامب تجاهل ولم يتجاوب مع تحذيرات نبهت من خطورة فيروس كورونا على العالم.

وبينت أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية نبهت مبكراً إلى طبيعة الفيروس ومدى انتشاره العالمي ومحاولة الصين تقليص خطورته، فضلاً عن الحاجة لإجراءات حكومية محتملة لاحتوائه.

وبعدما كانت كل المؤشرات تفيد بأن الفيروس قد تفشى بالولايات المتحدة، بدأ ترامب يأخذ الأمور بجدية، في خطوة اعتبرها مراقبون بأنها "متأخرة، وكان يُمكن تدارك ما يُمكن قبل فوات الآوان"؛ إذ تربعت أمريكا على عرش الإصابات في العالم بأكثر من 146 ألف إصابة حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

كما نشرت الصحيفة ذاتها مقالاً حمل عنوان "أداء بومبيو في أزمة كورونا، يجعله يحتل مكانة أسوأ وزير خارجية على الإطلاق"، مستحضرة أداء وزراء الخارجية الأمريكيين في وقت الأزمات الدولية الخطيرة من خلال التجول في العالم والاتصال بقادته وحشد اصطفاف كبير بدءاً من حلفاء الولايات المتحدة.

واعتبرت "واشنطن بوست" أداء بومبيو في أزمة كورونا "الأضعف من الحرب العالمية الثانية"، مؤكدة أن وزير الخارجية الأمريكي "اهتم بالقضايا التي تهمه وكأن شيئاً لم يحدث".

وبالعودة إلى ترامب فقد دأب على مهاجمة السلطات في بكين، كما وصف فيروس كورونا بأنه "فيروس صيني"، في حين وصفه بومبيو بـ"فيروس ووهان"، في إشارة إلى مهد انتشار الفيروس وبؤرة تفشيه.

وبعد سلسلة من الملاسنات والاتهامات اتفق الرئيس الأمريكي مع نظيره الصيني، شي جين بينغ، على العمل سوياً لمواجهة فيروس كورونا، ومدح تعامل بكين مع الجائحة، في تراجع لافت للمرة الأولى عن تصريحات سابقة اتهمها فيها بإخفاء بيانات كثيرة عن الفيروس الفتاك.

أوروبا بين نقيضين

وإلى القارة العجوز، كان التباين واضحاً في أداء الزعماء الأوروبيين؛ حيث وجهت الانتقادات من كل حدب وصوب تجاه رئيس الحكومة البريطاني، بوريس جونسون، الذي بشر شعبه -الذي كان في أمسّ الحاجة لبث الطمأنينة وتقليل روعه- بأنه يجب عليه الاستعداد لـ"فراق أحبائه"، وأن "الأسوأ لم يبدأ بعد".

وكان جونسون قد كشف، في الثالث من مارس الجاري، في مؤتمر صحفي، أنه صافح مرضى فيروس كورونا، وأضاف أنه يستمر في المصافحة، في تصريح يتناقض مع مطالبته للشعب بالتباعد الاجتماعي، وتحذيراته ووعيده بعقوبات لمخالفي الإغلاق العام في البلاد.

ونظراً لأنه خالف كل ما كان يقوله أعلن رئيس الوزراء البريطاني إصابته بالفيروس التاجي، في 27 مارس 2020، بعد أن ظهرت عليه علامات "أعراض متوسطة"، ليصبح أرفع زعيم في العالم يُصاب رسمياً بجائحة كورونا.

وعلى النقيض من ذلك ارتفعت شعبية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأعلى مستوى منذ أكثر من عامين، وفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة "هاريس إنترآكتيف" لحساب تلفزيون "إل.سي.آي"، نشر في 21 مارس.

وتمثل النسبة زيادة بواقع 13 نقطة عن الشهر السابق، وهي الأعلى منذ يناير 2018؛ ما يظهر أن أسلوب تعامله مع أزمة فيروس كورونا كان بمنزلة تصويت كبير على الثقة.

وأجري الاستطلاع بعدما فرض ماكرون قيوداً صارمة على حركة التنقل بهدف الحد من تفشي كورونا، وكان ذلك في كلمة بثها التلفزيون وشاهدها رقم قياسي بلغ 35 مليون شخص، أي أكثر من نصف عدد سكان فرنسا.

وهذه أول مرة منذ عامين تتجاوز فيها شعبية ماكرون الخمسين بالمئة، وذلك بعد تراجعها إلى 31% في ديسمبر 2018، على خلفية مظاهرات السترات الصفراء وقمع قوات الشركة لحراكهم العمالي.

الخليج في الموعد

أما في منطقة الخليج العربي فقد كان القادة والمسؤولون على مستوى الحدث وخطورته؛ إذ تجند الزعماء والوزراء للتعامل مع الأزمة والتخفيف من تداعياتها وآثارها السلبية.

فقد ترأس أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، منتصف مارس، اجتماع اللجنة العليا لإدارة الأزمات الخاص بمكافحة فيروس كورونا المستجد للوقوف على الجهود التي تبذلها الجهات المختصة في الدولة للتصدي لهذا الوباء.

وعقب الاجتماع وجه الشيخ تميم باتخاذ جملة من التدابير والإجراءات الوقائية، مطالباً بتقديم جميع الخدمات الضرورية للمواطنين والمقيمين، كما أكد أن خطة قطر تهدف لـ"حصار الفيروس بأقل إرباك".

وشكل الاجتماع الذي ترأسه أمير قطر نقطة انطلاق وخريطة تنطلق منها كافة مؤسسات الدولة بشأن التعامل بحزم مع الفيروس، وعدم ترك أي شيء للصدفة.

كما أصدرت الجهات المختصة سلسلة من التدابير؛ منها حظر التجمعات، وإنشاء مرافق طبية ميدانية، وإغلاق المقاهي والمطاعم، ودشنت النيابة القطرية "نيابة الصحة" للتعامل مع مخالفي قوانين الصحة العامة، وتختص بالتحقيق والتصرف في جميع الجرائم المتعلقة بالصحة.

ونالت الدوحة استحساناً كبيراً في مسألة تعاملها مع 31 بحرينياً تقطعت بهم السبل في مطارات عدة، ولم تستجب المنامة لمناشداتهم المختلفة؛ إذ نقلتهم من إيران عبر الخطوط القطرية، واستضافتهم في فندق للحجر الصحي، وأجرت فحص "كوفيد 19" لهم، وأبدت استعدادها لنقلهم إلى المنامة دون أن تتحمل حكومة البحرين أو العالقون أي أعباء مالية، رغم أن المنامة من الأطراف التي تفرض حصاراً على الدوحة منذ صيف 2017.

وفي 22 مارس، أطل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح على مواطنيه والمقيمين في بلاده، وقال إن بلاده تخوض معركة فاصلة ضد "عدو شرس"، مطالباً بالاستعداد لجميع الاحتمالات.

وأوضح أن ذلك يتطلب "فزعة كويتية عامة، واستجابة وطنية شاملة، ووعياً كاملاً وتعاوناً جاداً"، مطالباً بالالتزام الجاد بتعليمات السلطات الصحية، وأهمها تجنب التجمعات، وأسباب العدوى، وعدم  الالتفات إلى الإشاعات الضارة التي تؤدي إلى إضعاف جهود الدولة.

وشدد على أن بلاده تدرك خطورة هذا الوباء، مؤكداً أهمية اعتماد الاعتبارات الصحية في إجراءات منع انتشار الوباء، وعدم الالتفات إلى أي ضغوط أو مجاملات محلية أو خارجية، موضحاً أنه "لا تهاون ولا تساهل في هذا الأمر على الإطلاق".

والأمر ذاته فعله العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، وقال إن المملكة والعالم يمران بظروف صعبة فيما يتعلق بأزمة كورونا، كاشفاً في كلمة له نقلها التلفزيون السعودي (19 مارس)، أن الأسابيع القادمة ستكون أكثر صعوبة في مواجهة انتشار الفيروس، لكنه تابع: "سنبذل الغالي والرخيص للحفاظ على صحة المواطنين".

ووجه الملك سلمان الشكر للأطقم الطبية في المملكة، والتي "تعمل على الحفاظ على صحة المواطنين"، بحسب تعبيره، كما وجه الشكر أيضاً للشعب السعودي قائلاً: "إن ما أظهرتموه من قوة وثبات في هذه المرحلة الصعبة وتعاونكم التام مع الأجهزة المعنية يعد أحد مرتكزات نجاح جهود الدولة".

كما أعلن وزير الصحة السعودي، توفيق الربيعة، 30 مارس، أن الملك سلمان أمر بعلاج مرضى كورونا في المملكة من المواطنين والمقيمين والمخالفين لنظام الإقامة مجاناً.

بدوره تبرع سلطان عمان، هيثم بن طارق، بمبلغ 10 ملايين ريال عماني (26 مليون دولار أمريكي)، من حسابه الشخصي إلى حساب الصندوق المخصص لمواجهة تفشي فيروس كورونا، وفق وكالة الأنباء العُمانية.

وأضافت الوكالة أن ذلك جاء خلال ترؤس السلطان هيثم بن طارق، (26 مارس)، اجتماعاً للجنة العليا المكلفة ببحث آليات التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس "كورونا"، الذي أمر بتشكيلها في 10 مارس برئاسة وزير الداخلية وعضوية عدد من الوزراء.

وأكد سلطان عُمان أن الحكومة ستسخر كافة إمكانياتها في سبيل مجابهة هذه الجائحة، والحد من تفشيها، موجهاً الجهات المختصة بعدم التهاون في تطبيق القوانين، بما يضمن التزام الجميع بالإجراءات التي تحول دون انتشار هذه الجائحة، واستفحالها في أوساط المجتمع.

ونجحت دول الخليج في حصر انتشار الفيروس مقارنة بغيرها من الدول التي تصاعد فيها بشكل مخيف، ويعزى ذلك إلى سرعة التعامل معه واتخاذ الإجراءات الحازمة.

مكة المكرمة