"جبل أُحد" و"التكتك".. قصة أيقونتين تخلدان الثورة العراقية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/2BzK2J

تحول التكتك إلى رمز من رموز الاحتجاجات في العراق

Linkedin
whatsapp
الخميس، 31-10-2019 الساعة 14:29

ليس "جبل أحد" هو فقط ذلك الذي يوجد في المدينة المنورة، وشهد واحدة من أهم معارك المسلمين في صدر الإسلام، فعند العراقيين اليوم "أحد" آخر، برز في الأيام القليلة الماضية.

ففي منطقة الباب الشرقي، وسط العاصمة بغداد، تتخذ بناية من 14 طابقاً موقعاً حيوياً بإطلالتها على نهر دجلة وبجانبها جسر الجمهورية، أحد جسور بغداد الرابطة بين الرصافة والكرخ، وتفصل بينها وبين ساحة التحرير الشهيرة نحو 50 متراً، وتشرف بهذا الموقع على المنطقة الخضراء التي تقع فيها المقار الحكومية.

تلك البناية الاستثمارية بنيت قبل نحو 40 عاماً، وكان في أحد طوابقها المطعم السياحي التركي؛ الذي بسببه شاع بين العراقيين تسمية "المطعم التركي" على هذه البناية.

كيف تحول المطعم التركي إلى جبل أحد؟

بداية يعود تاريخ إنشاء المبنى إلى أواخر السبعينيات، ونفذته شركة هندية، وافتتح رسمياً في عام 1983، وكانت الطوابق الأولى تضم مكاتب تجارية ومقار شركات، والمطعم السياحي التركي.

وبعد عام 1991، هجرته غالبية الشركات الأجنبية عقب فرض العقوبات على العراق، وفي عام 2003، تعرض لقصف من قبل الطيران الأمريكي بعد تحصن مقاومين عراقيين للاحتلال داخله.

ونتيجة لموقعه الحيوي بقي تحت حراسة أمنية، واستغل من قبل القوات الأمنية للإشراف على الاحتجاجات والمظاهرات التي بدأت تشهدها ساحة التحرير منذ 2010.

(ساحة التحرير ويظهر فيها مبنى المطعم التركي)
 

وفي الاحتجاجات التي تجددت يوم 25 أكتوبر الجاري، تمكن المحتجون الشباب من الدخول إلى المبنى، وسيطروا عليه وطالبوا بمدد بشري من المحتجين للحفاظ عليه تحت سيطرتهم، وهو ما حصل.

وبهذا بات الموقع يمثل حماية للمحتجين من القوات الأمنية التي واجهتهم بالعنف وتسببت- وما زالت- بقتل وإصابة المحتجين، في حين تتمركز القوات الأمنية في الوقت الحالي على منتصف جسر الجمهورية ويعرقل المرابطون على أسطح البناية أي عملية تقدم للقوات الأمنية باستخدام الحجارة.

ووفق هذه الصورة، أطلق المحتجون على هذا المبنى "جبل أحد"، في تشبيه له بجبل أحد الذي شهد معركة كانت فيها الغلبة للمسلمين لو أن الرماة لزموا الجبل وما غادروه.

"جبل أحد" العراقي أصبح مزاراً للمواطنين الذين يوثقون لحظات ستكون شاهدة على مرحلة مهمة من حياتهم، يحرص شباب مرابطون داخله على عدم مغادرته حتى تتحقق مطالبهم بـ"رحيل الحكومة، والأخذ بثأر الشهداء الذين قتلتهم قوات مكافحة الشغب، وبمحاسبة قادة الحكومة"، بحسب حديث أحد المرابطين على سطح المبنى لـ"الخليج أونلاين".

ويتواصل سقوط قتلى وجرحى بين صفوف المحتجين في ساحة التحرير، وأغلب الإصابات تقع بين الشباب الذين يرابطون على جسر الجمهورية، ووفق مشاهدات مراسل "الخليج أونلاين" فإن "المرابطين على الجسر وعددهم لا يزيد على خمسين شاباً أحرزوا قبل فجر الخميس (31 أكتوبر) تقدماً على الجسر، الذي تقطعه القوات الأمنية بحواجز اسمنتية، وتتصدى من خلفه للمحتجين".

وأضاف: "لكن التقدم الذي أحرزه المحتجون على الجسر جاء على حساب سقوط قتلى وجرحى بين صفوفهم".

ولا توجد قيادة مركزية للمحتجين، لكن الاتفاق السائد إبقاء الاحتجاجات سلمية، عدا التصدي للقوات بالحجارة في حال حاولت الهجوم على المحتجين، وذلك بالاعتماد على الشباب المسيطرين على بناية المطعم التركي، الذي يطلقون عليه "جبل أحد".

(مشهد من على مبنى "جبل أحد")

 

التكتك.. عدو الأمس حبيب اليوم

خلال السنوات الخمس الأخيرة استورد تجار سياراتٍ "التكتك" بكميات كبيرة، حيث أثبتت نجاحها بكسب رضا شريحة كبيرة من العوائل داخل الأحياء الفقيرة ببغداد.

ويستغل التكتك، الذي يحمل شخصين إضافة إلى السائق، في نقل الأشخاص داخل الأحياء الفقيرة، لكنه سجل مشاكل عديدة بسبب عدم التزامه بتعليمات المرور، وتجاوزه على الطرق والأرصفة في السير، ويمكنه من ذلك حجمه الصغير؛ ما أثار استياءً واسعاً لدى طبقة واسعة من المجتمع.

وكانت وسائل الإعلام المحلية تتحدث كثيراً في تقاريرها عن مشاكل التكتك، والمخاطر التي يتسبب بها.

لكن هذا الكره لـ"التكتك" تحول إلى حب كبير، وأصبحت هذه العجلة رمزاً من رموز الحرية، بحسب ما يتحدث عنه العراقيون، الذين ما يصل أحد منهم إلى ساحات الاحتجاج اليوم حتى يلتقط صوراً مع تكتك أو أكثر من تكتك، ترافقها كلمات الإطراء والإشادة والإعجاب والشكر له ولسائقه.

ما سر هذا الانقلاب؟

منذ انطلاق الاحتجاجات، مطلع أكتوبر، تبنى أصحاب عجلات التكتك دور الناقل المجاني للمحتجين إلى ساحات التظاهر بعد قطع القوات الأمنية الطرق، ومع لجوء هذه القوات إلى العنف لقمع الاحتجاجات، بدأ أصحاب عجلات التكتك ينقلون القتلى والجرحى لينضم إليهم عدد كبير آخر من سائقي التكتك في هذه المهمة التي تكفلوا بها طوعاً.

ومع تجدد الاحتجاجات في 25 أكتوبر، كان التكتك الناقل الرسمي المجاني للمحتجين والمواد الغذائية والمشروبات والعلاجات مجاناً.

(أدى التكتك دور سيارة إسعاف في الاحتجاجات)

وتعرض عدد كبير من سائقي هذه العجلات لإصابات خاصة الاختناق من جراء غازات القنابل المسيلة للدموع، فضلاً عن مقتل عدد من سائقي التكتك.

هذه المواقف جعلت العراقيين يغيرون نظرتهم لهذه العجلة وسائقيها، وبلغ الأمر أن سجل المطرب العراقي الشهير حسام الرسام أغنية خاصة عن التكتك؛ تشيد به وببطولة سائقيه.

تخليد "جبل أحد" و"التكتك"

اليوم بات مبنى المطعم التركي الذي تحول عند العراقيين إلى "جبل أحد"، و"التكتك"، أيقونتين ترمزان للاحتجاجات، و"ثورة أكتوبر" بحسب ما يتوضح من خلال حديث العراقيين في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

ووفقاً لمتابعة "الخليج أونلاين" يجمع العراقيون على ضرورة أن يُجسَّد التكتك بعمل نحتي كبير يخلد دوره في الاحتجاجات، وأيضاً أن يتحول مبنى المطعم التركي إلى معلم خاص يجسد الاحتجاجات ويخلد مواقف المتظاهرين.

حب في ساحات الاحتجاج

مِن على مبنى "جبل أحد" وثق مرابطون هناك مقطع فيديو، صور صباح الخميس 31 أكتوبر، وفيه يوجه أحد المرابطين تحية عبر مكبر صوت للقوات الأمنية الموجودة على جسر  الجمهورية، يطالبهم بصورة استفزازية أن يكونوا نشيطين ويطلقوا عليهم الرصاص.

 

ممارسات عديدة عبر من خلالها العراقيون عن اعتزازهم بالرمزين، "جبل أحد" والتكتك"، من أبرزها عرض شاب الخطوبة على فتاة، في مبنى "جبل أحد"، وتعبير الفتيات عن حبهن للتكتك بصور مختلفة.

لم يتوقف الإعجاب بدور التكتك عند العراقيين، بل بلغ مداه إلى ممثلة الأمم المتحدة في العراق، جينين بلاسخارت، التي زارت ساحة الاحتجاجات ببغداد مؤخراً، وجلست داخل عجلة تكتك.

(جينين بلاسخارت تجلس في تكتك ببغداد)

 

 

مكة المكرمة