تواجه الهدم الإسرائيلي بالصبر.. "العراقيب" معركة من نوع آخر

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/3JnY5d

تستمر محاولات الاحتلال في هدم قرية العراقيب

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 16-12-2019 الساعة 16:59

"العراقيب".. ما إن يوضع هذا الاسم في محركات البحث على الإنترنت حتى يكتشف الباحث أنها قرية فلسطينية تعرضت على مدى سنوات لجرائم وانتهاكات هائلة من قبل الاحتلال الإسرائيلي؛ ليتحول هذا الاسم إلى رمز من رموز الصمود الفلسطيني.

الأكثر غرابة أن سكان هذه القرية الواقعة في منطقة النقب (جنوب) يواجهون الانتهاكات بصبر وجَلَد، غير مبالين بالخسائر التي يتعرضون لها؛ وغايتهم ألا يخسروا كرامتهم بخسارة أرضهم.

وفي حقيقة الحال أن هؤلاء السكان الذي يبلغ عددهم 400 شخص سيحصلون على أرض أخرى إن غادروا أرضهم هذه، لكنهم يشعرون بأنهم يواجهون عدواً في حرب استنزاف طويلة، فإما النصر أو النصر، ولا خيار بديل.

والاثنين (16 ديسمبر) هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قرية "العراقيب"، للمرة الـ 169 على التوالي.

عملية الهدم تمت في الوقت الذي كان السكان في المحكمة الإسرائيلية التي تنظر بملكيتهم لأراضيهم، بحسب ما صرح عزيز الطوري، عضو اللجنة المحلية للدفاع عن العراقيب.

 معاناة العراقيب

العراقيب هي واحدة من 54 قرية فلسطينية بدوية في قضاء بئر السبع، تعتبرها حكومة الاحتلال الإسرائيلي "غير مرخّصة"؛ ما وضع المجتمعات الفلسطينية البدوية في صراع مع حكومة الاحتلال بشأن ملكية الأراضي والحق في السكن منذ سنة 1948.

وتسعى سلطات الاحتلال، منذ 1948، إلى تركيز البدو في ثلاث بلدات. ويقدر أن 13 ألف فلسطيني بدوي تقريباً من أصل 90 ألفاً بقوا ضمن المناطق الفلسطينية المحتلة عند قيام دولة الاحتلال سنة 1948.

وفي وقت لاحق نُقِل الكثيرون قسراً إلى منطقة تغطي مساحة 1.5 مليون دونم في شمال شرق بئر السبع، وهي معروفة بمنطقة السياج، وتقع فيها بعض قرى البدو.

أول تهجير تعرض له سكان العراقيب كان عام 1953، ثم تكثفت حملات التهجير الجزئي بعد نكسة 1967؛ بحجة أن المنطقة تابعة "للصندوق القومي اليهودي" (كيرين كاييمت)، وأحياناً بذريعة ضبط عمليات البناء بشكل ممنهج، إضافة إلى الدواعي الأمنية والعسكرية، حيث يقع مفاعل "ديمونا" النووي في منطقة النقب.

في حين أن أول مرة تعرضت فيها العراقيب للهدم الكامل بالجرافات، وشُرد أهلها، كان يوم 27 يوليو 2010؛ بحجة "البناء دون ترخيص"، وحين أعاد سكانها بناءها هدمها الاحتلال مرة أخرى.

وظل أهالي العراقيب يتشبثون بقريتهم ويرفضون مشاريع الاحتلال لتجميع البدو، التي يرون فيها خطة للاستيلاء على أراضيهم، ويعيدون -بمساعدة من متطوعين- تشييد الأبنية المكونة من ألواح الصفيح بعد كل هدم ينفذه الاحتلال.

السيطرة على موقع استراتيجي

ما يراه المختصون بالشأن الفلسطيني أن مخططاً إسرائيلياً يقضي بالسيطرة على كامل أراضي النقب لأهميتها، وهو جزء من المخطط القاضي بالاستيلاء على كامل الأراضي الفلسطينية، مؤكدين أهمية مواصلة نضال سكان هذه القرية وصمودهم.

ويرافق صمود العراقيب دور الإعلام في تسليط الضوء بكثافة على هذه القضية، فضلاً عن دور الجهات الرسمية وغير الرسمية الفلسطينية في تدويل هذه القضية.

الباحث في الشأن الفلسطيني الصحفي محمد وتد، يقول في حديثه لـ"الخليج أونلاين" إن هدم سلطات الاحتلال لقرية العراقيب للمرة الـ169 "يأتي في سياق مخطط المؤسسة الإسرائيلية لوضع اليد على صحراء النقب".

وأضاف أن وضع اليد على النقب بالكامل يأتي من خلال مصادرة نحو 800 ألف دونم بملكية بدو النقب، الذين يقطنون في عشرات القرى مسلوبة الاعتراف، يسكنها نحو 120 ألفاً من البدو، تصر "إسرائيل" على هدمها وتشريد قاطنيها وتجميعهم ضمن 8 قرى ومدن ثابتة.

"وتد" يشير إلى أن استهداف القرية المتكرر "بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يشكل حلقة وصل ما بين قطاع غزة والضفة الغربية، ولقرب القرية من التجمعات السكنية الإسرائيلية جنوبي البلاد".

وأكد لـ"الخليج أونلاين" أن "إخلاء العراقيب يساعد إسرائيل في مخططاتها لتهويد النقب وتكثيف الاستيطان، ومنع خلق أي تواصل جغرافي بين الضفة والقطاع". 

وفي ظل المخطط الإسرائيلي لتكثيف الاستيطان وتهويد وعسكرة النقب، وتفريغها من فلسطينيي 48 وتجميعهم فوق 200 ألف دونم من أصل مليون دونم بملكيتهم الخاصة -يقول وتد- تتواصل معركة الأرض والمسكن في صحراء النقب.

                                                       (الشيخ صياح الطوري)

وتابع: "تسعى إسرائيل إلى نقل المعسكرات والمقار العسكرية للجيش من تل أبيب إلى النقب، وجذب اليهود للسكن في تلك الصحراء عبر تشجيع المزارع الفردية لليهود بالمجان على حساب الوجود الفلسطيني في النقب".

"وتد" تحدث لـ"الخليج أونلاين" عن صمود سكان العراقيب أمام ما أسماها بـ"المخططات والإغراءات الإسرائيلية" لكي يتنازلوا عن أراضيهم.

وتطرق في حديثه إلى الشيخ صياح الطوري، الملقب بشيخ العراقيب، الذي أنهى عقوبة السجن الفعلي لعامين بالسجون الإسرائيلية، مبيناً أنه "جدد معركة النضال والتشبث بالأرض، ويصر على حق السكان بملكية أراضي القرية الممتدة على عشرات آلاف الدونمات".

الصحفي المختص بالشأن الفلسطيني ذكر أنه "في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من انتكاسة ومؤامرات بغرض تصفيتها، فإن بدو فلسطين بالنقب لا يعولون إلا على النضال والمقاومة الشعبية لمواجهة المخططات الإسرائيلية والإصرار على بناء المنازل المهدمة".

وختم قائلاً إن سكان العراقيب "يبقون قبالة أنقاض هدم المنازل ويعيدون البناء ونصب الخيام مباشرة فور مغادرة الجرافات الإسرائيلية، في معركة تأخذ منحى تصعيدياً من قبل السلطات الإسرائيلية".

صمود العراقيب ثابت وطني

بدوره يصف الأكاديمي الفلسطيني رمضان عمر، ما يجري في العراقيب وغيرها من القرى الفلسطينية التي يحاول الاحتلال تهجير سكانها بأنه "يدلل على أن للاحتلال طعماً لا يتغير ولا يمكن أن يجمل، وأن للصمود فلسفة لا تتبدل ولا تتغير تمثل ثابتاً وطنياً".

عمر، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، أضاف أن "محاولات الاحتلال في قلع الشعب والأرض والشجر كما في العراقيب وغيرها؛ ما هي إلا ممارسات تمثل همجية هذا الاحتلال وغطرسته".

وشدد على أن ما تمارسه سلطات الاحتلال في هذا الجانب "تفرض على العالم وقفة أخلاقية تعترف بالحق الفلسطيني وتمنع هذا التغول الصهيوني الهمجي".

وحول الحلول التي يجب أن تتخذ لوقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق العراقيب، يرى الأكاديمي المختص بالشأن الفلسطيني أن "هذه القضية تحتاج إلى تحرك على مستويين، الأول المستوى الرسمي السياسي متمثلاً بالسلطة الوطنية الفلسطينية والقوى الفلسطينية والوطنية الفاعلة".

واستطرد قائلاً إنه يجب أن يلي التحرك الرسمي السياسي "هبة شعبية واسعة تخترق كافة المدن الفلسطينية".

ويتحدث عمر لـ"الخليج أونلاين" حول أهمية الإعلام الذي يرى أن عليه "تناول هذه القضية تناولاً يليق بقدرها".

وتساءل: "لمَ لا ترفع هذه القضية أمام المحاكم الدولية؟"، مضيفاً: "إنها حق ثابت واعتداء واضح على أرض فلسطينية".

 

مكة المكرمة