تخلى عن خطابه "العاطفي".. كيف اختلفت لهجة السيسي مع المصريين؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/qmpj4X

السيسي تخلى عن الخطاب العاطفي بعد وصوله لكرسي الرئاسة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 17-10-2019 الساعة 19:50

لعِب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على وتر العاطفة لدى المصريين على مدار السنوات الماضية، من أجل الاستحواذ على المناصب الواحد تلو الآخر، وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، في انتخابات اعتبرها كثيرون "صورية" و"بعيدة عن النزاهة والشفافية".

وكان السيسي أحد أبرز الوجوه التي طفت على السطح عقب ثورة 25 يناير 2011، التي أطاحت بالرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك؛ إذ كان يتولى آنذاك منصب مدير المخابرات الحربية، فضلاً عن عضوية المجلس العسكري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي، الذي حكم البلاد بعد الإطاحة بمبارك.

ولم تتوقف مناصب السيسي عند هذا الحد، بل وضع يده على منصب وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، بعدما أقنع الرئيسَ الراحل محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر، بأنه القادر على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وصون الديمقراطية وحمايتها، وفق شهادات بعض قيادات "الإخوان المسلمين".

ورغم أن رئاسة مرسي لم تدُم سوى عام وحيد؛ فإن السيسي بزغ نجمه في تلك الفترة، واستخدم مفردات عاطفية لاستقطاب المصريين إلى جانبه في رحلة تحضيره للانقلاب على الرئيس الراحل، الذي وجد نفسه بالسجن (تُوفي لاحقاً في قاعة المحكمة).

الانقلاب العسكري

في صيف عام 2013، استخدم السيسي في بيان للقوات المسلحة، قبل يومين من انقلابه العسكري على مرسي، عبارة "لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه"، لإقناع شريحة من المصريين بخطوته، التي قتلت الديمقراطية الناشئة في مهدها.

وخلال المرحلة الانتقالية، واصل السيسي، الذي تولى خلالها منصب نائب رئيس الوزراء، إطلاق الوعود بحماية المصريين، والعمل جدياً على رفاهيتهم ورفع مستوى المعيشة؛ إذ لا يزال يتذكر كثيرون عبارة "أنتم ما تعرفوش (لا تعرفون) إنكم نور عنينا ولا إيه؟"، و"مصر أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا".

واستمر على هذا النحو بعد إعلان تركه وزارة الدفاع والترشح لرئاسة الجمهورية، متعهداً برفع مستوى الدخل وإنشاء شبكة طرق ومواصلات عصرية، وغيرها من الوعود التي تبخرت وأصبحت هباءً منثوراً، بمجرد وصوله إلى كرسي الحُكم.

ومن تلك الوعود، تعهُّده بعدم رفع الأسعار أو إلغاء دعم السلع والخدمات الرئيسة وتذاكر المترو والمواصلات إلا بعد رفع الحد الأدنى للأجور وارتفاع مستوى المعيشة.

الحطُّ من القدْر

وعقب جلوسه على كرسي الرئاسة، تغيرت اللهجة الحنونة المليئة بالشحنات العاطفية إلى لغة صارمة تحمل تهديداً ووعيداً صريحَين، فضلاً عن الحطِّ من قدْر المصريين والتقليل من شأنهم في عديد من المناسبات.

وأدخل الرئيس المصري شعبه في مرحلة جديدة، شعارها "لا خدمة دون مقابل"، أو كما قال باللهجة العامية: "مفيش ببلاش"؛ تزامناً مع انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي، بعد قرار السيسي تعويم الجنيه، والمتعلق بصرف وتبادل العملة المحلية بالعملة الأجنبية وفقاً للعرض والطلب في السوق.

وفي مايو 2016، رفض السيسي اعتبار مصر دولة، بل وصفها بأنها "أشباه دولة مش (ليس) دولة حقيقية"، وذلك خلال إحدى كلماته على الهواء مباشرة، وهو ما أثار غضباً عارماً بمنصات التواصل الاجتماعي.

كما أن السيسي، الذي تغزَّل سابقاً بالشعب المصري وقدراته وثرواته، دأب على الشكوى وادعاء "ضيق ذات اليد"، حتى تفوَّه يوماً بـ"إحنا فقراء أوي"، (أواخر يناير 2017)؛ وذلك في رده على المطالبات برفع الحد الأدنى للأجور وتحسين الخدمات المقدمة، متهماً المطالبين بذلك بالجهل وعدم درايتهم بأوضاع مصر الحقيقية وحجم الديون المتراكمة عليها.

وأواخر يوليو 2018، استهزأ الرجل القادم من المؤسسة العسكرية، المتهمة -بحسب مراقبين- بأنها المتحكِّمة والمهيمنة على الاقتصاد المصري، بشعبه ووصَفَه بأنه "أمة ذات فقر وعَوَز". كما قلَّل من أهمية التعليم وأصحاب الشهادات العليا عندما قال: إن ذلك "لا ينفع مع وطن ضايع".

وفي منتصف أكتوبر 2019، صدم السيسي المصريين عندما قال: "عندما كشفت البلد ظهرها وعرَّت كتفها"، حين كان يتحدث عن "سد النهضة" الإثيوبي، الذي يُهدد بدخول مصر مرحلة الفقر المائي، مُخلِياً مسؤوليته بالكامل، ولم يكتفِ بذلك بل حمَّل ثورة 25 يناير المسؤولية، رغم جملة المناصب التي تقلدها منذ تلك الفترة وحتى الآن.

تحدٍّ حقيقي

وبعد 6 سنوات من حكمه، بات السيسي يواجه تحدياً حقيقياً لحكمه بعدما لم يعُد يُجدي الخطاب العاطفي مع المصريين، الذين وصلوا إلى مرحلة متقدمة من الضغط على مختلف الصُعد؛ السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها.

وفي سبتمبر 2019، كشف الفنان والمقاول المصري محمد علي، جملة من وقائع الفساد تخص السيسي وزوجته انتصار، تتعلق بتشييده قصوراً جديدة مقابل مبالغ مالية طائلة، فضلاً عن مشاريع أخرى "لا تعود بأي نفع على المصريين".

كما اتهم "محمد علي" كبار قادة المؤسسة العسكرية بالفساد وبناء قصور وفيلات مقابل ملايين الجنيهات، في الوقت الذي يرزح فيه قطاع واسع من المصريين تحت خط الفقر وارتفاع نسبة البطالة والأُمية.

ورغم القبضة الأمنية التي هيمنت على سنوات حكمه، كسر المصريون في 20 سبتمبر 2019، حاجز الخوف وخرجوا في مظاهرات "غير مسبوقة"، كما وصفتها وكالة "رويترز" للأنباء، ودعسوا بأقدامهم صور السيسي وطالبوه بالتنحي عن الحكم، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الأفق السياسي، وتولي أولاده مناصب مرموقة في الدولة، رغم ادعائه علناً أنه "يكره الواسطة والمحسوبية".

وحاول الرجل العسكري استرضاء المصريين بتخفيض أسعار الوقود 20 قرشاً (ربع جنيه)، في استخفاف -بحسب مهتمين بالشأن المصري- بحجم الأزمة، لكنه في الوقت عينه رفض تخفيف القبضة الأمنية، بل زادها قوة وبطشاً؛ فزجَّ بنشطاء وسياسيين وأساتذة جامعات من "التيار الليبرالي" في السجون، بعد أن سبقهم "التيار الإسلامي" منذ الانقلاب.

ويرى مراقبون أن الأمر لم يستتب للسيسي رغم أنه عدَّل الدستور، الذي كان ينص على ولايتين رئاسيتين، ليضع يده على المنصب نظرياً حتى عام 2030 على أقل تقدير، في انتظار ما تحمله الأيام من مفاجآت للرجل، الذي بات عبئاً على المصريين، كما يقول نشطاء ومحللون.

مكة المكرمة