بعد 44 عاماً من الحرب.. كيف تنكّرت مصر للتاريخ وحاربت الجغرافيا؟

السادات قال إن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب

السادات قال إن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 07-10-2017 الساعة 09:47


قبل 44 عاماً، وتحديداً في أكتوبر 1973، كان المصريون يخوضون حربهم التاريخية ضد الاحتلال الإسرائيلي، والتي استعادوا خلالها شبه جزيرة سيناء، التي فقدوها خلال حرب الأيام الستة (يونيو 1967)، أما اليوم فإنهم يجرون، في ذكرى الحرب، مناروات عسكرية مشتركة مع جيش الاحتلال، فما الذي تغيّر خلال هذه السنوات؟ وهل استمرار الاحتفال بالنصر لا يعني بالضرورة استمرار الخصومة؟

ورغم أن العلاقة التي يفرضها التاريخ وتعمّقها الجغرافيا بين هذين الجيشين، والتي تقوم بالأساس على الخلاف، إن لم تكن العدواة، فإن مجريات السياسة المصرية جرفت الكثير من ثوابت التاريخ وفرضيات الجغرافيا، وهي تجري تحت جسر "السلام"، على ما يبدو، ناسية أو متناسية دماء أكثر من 100 ألف مصري قتلهم الاحتلال في أرض سيناء.

في السادس من أكتوبر 1973، كان المصريون على موعد مع بيان أصدرته القيادة العامة للجيش المصري، أكدت فيه أن قواتها استعادت ما سُلبَ من الجغرافيا، وصحّحت ما كان خطأ في التاريخ، ليصبح 6 من أكتوبر هو الأهم في تاريخ المصريين الحديث، والأجلّ في ذاكرتهم الوطنية.

اكتوبر

صحيح أن المصريين لم يستعيدوا سيناء كلها بالحرب، كما خسروها بالحرب، لكنهم ردّوا صفعة عسكرية بمثلها، وعبّروا عن موقفهم التاريخي وعقيدتهم العسكرية الرافضة للاحتلال النائية عن أي تفاهم معه، قبل أن يمضوا في طريق السياسة وفق مقتضيات الواقع، حتى تمكّنوا مطلع تسعينيات القرن الماضي، من بسط سيطرتهم الكاملة على شبه جزيرة سيناء.

وسيناء في نظر المصريين ليست مجرد قطعة أرض تغزوها صفرة الصحارى، وإنما هي "الأرض المقدسة" التي أشعل الله فيها نار الهداية لنبيّه موسى عليه السلام، وكلّمه فوق جبلها (جبل الطور)، كما أنها الأرض التي مشى فيها المسيح وأمّه العذراء خلال رحلتهما المقدسة، وهي كما أشرنا التي سقط أكثر من 100 ألف مصري فوقها كي لا تسقط.

اكتوبر 1

أحد أبطال القوات الخاصة في حرب أكتوبر يقول لـ "الخليج أونلاين"، إن الجندي المقاتل كان البطل الحقيقي وربما الوحيد في هذه الحرب؛ لأنه كان يتحرّك لتحقيق هدف وطني، في حين كان هناك من يحرّكه لتحقيق هدف سياسي"، مضيفاً: "الفريق سعد الشاذلي هو بطل الحرب الحقيقي، وهو أبو الوطنية المصرية، الذي عملّنا كيف نحارب حتى لو نفد الرصاص والماء والطعام".

الشاذلي

- تعاون غير مسبوق

أما اليوم، وفي ظل وجود عبد الفتاح السيسي على رأس السلطة، فقد انقلبت الأمور رأساً على عقب، وتغيّرت خريطة الخصوم، وأصبحت معركة السيسي الداخلية محل تساؤلات.

هذه المناورات التي شاركت فيها مصر جيش الاحتلال ليست أول ملامح العلاقة الجديدة بين مصر وإسرائيل، فقد سبقتها خطوات أكثر تعبيراً وتعقيداً، بدأت بإخلاء مدينة رفح المصرية من سكانها تقريباً؛ بذريعة الحرب على المسلّحين.

السيسي

كما قضى الجيش المصري خلال الأعوام الثلاثة الماضية على كل الأنفاق الحدودية مع غزة، معزّزاً بذلك الحصار المفروض على القطاع.

والجمعة (6 أكتوبر 2017)، أعلنت السلطات المصرية بدء عملية تمديد جديدة للمنطقة العازلة على الشريط الحدودي مع قطاع غزة، لتصل إلى 1500 متر، بعدما كانت كيلومتراً واحداً.

منطقة عازلة

- تساؤلات

وقد مرّت ذكرى الحرب باهتة إلى حدٍّ كبير هذا العام، وإن كانت قد أخذت مساحتها السنوية في الإعلام الرسمي، لكن من خلال الأفلام والأغاني الوطنية فقط، كما أن تغييرات كبيرة طرأت على هذا اليوم حتى لفتت الأنظار إليها.

أول ما لفت الأنظار هو أن ذكرى الحرب تزامنت مع الإعلان عن المناورات المشتركة مع الجيشين الإسرائيلي والقبرصي، بهدف حفظ الاستقرار في منطقة شرق المتوسط.

أما التغيير الثاني فتمثّل في لغة الصحافة والإعلام المصريين، والتي وصفت حالة حرب أكتوبر على أنها حرب قامت ضد بلد مجاور اعتدى على جزء من أرض مصر، فردت القاهرة العدوان، وانتهى الأمر، وكأن "تل أبيب" لم تكن كياناً محتلاً وما تزال.

لقد قال الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، حرفياً: "لقد حاربنا من أجل السلام". واليوم، بعد نحو 40 عاماً، فإن سؤالاً غائراً تطرحه جغرافيا السياسة، ويقف مذهولاً أمامه التاريخ عن هذه النهاية بين جيش وطني وآخر محتل.

ولم يكن المصريون يتصوّرون أن يأتي يوم يحتفلون فيه بـ "النصر على إسرائيل" بينما جيشهم يجري مناورات عسكرية معها، وهنا يطلّ سؤال آخر برأسه من بين حكايا الحرب والعبور والانتصار، وهو: "هل 44 عاماً كافية لكي يتحوّل المحتلون إلى حلفاء، ولكي تتحوّل الحرب إلى مناورات دفاع مشتركة؟".

السادات

لقد قال السادات أيضاً، في "خطاب النصر"، الذي ألقاه من البرلمان المصري: "لقد آن لهذا الشعب أن يأمن بعد خوف، وأن يرفع رأسه بعد ذل؛ فقد أصبح له اليوم درع وسيف"، فصفّق له الجميع، نواباً وشعباً، ثم عاد السادات، بعد أقل من 5 سنوات، ليعلن أنه "مستعدّ للذهاب إلى قلب إسرائيل بحثاً عن السلام"، فصفّق له البعض، وكفّ بعضٌ آخر، وأمّا من رفض فقد تكفّلت به الدولة.

لكن، ترى ما الذي أراده السادات؟ هل أخذ "بطل الحرب والسلام" بلاده إلى طريق السلام كما قال، أم إلى طريق الاستسلام، كما يقول آخرون؟ أم إن الواقع يختلف باختلاف الوقائع، تماماً كما أن النهايات تختلف باختلاف من يكتبونها؟

السدات 1

العلاقة الحالية بين مصر وإسرائيل ليست وليدة نظام سياسي جاء للحكم قبل ثلاث سنوات، وإنما هي امتداد للحظة الحرب التي اندلعت قبل 44 عاماً، ولم تتوقف إلى اليوم، وإن اختلفت في صورها وفي ساحاتها، بل وفي طبيعة الأعداء فيها.

لقد مرّت الأعوام الـ 44، وقد سجّل التاريخ وقائعها بين صفحاته، والتاريخ لا ينسى شيئاً، كما يقول رئيس أركان جيش مصر في وقت الحرب، الفريق سعد الدين الشاذلي.

الشاذلي، الذي عزله السادات وجرّده من مناصبه خلال الحرب، ثم نفاه بعدها، يقول في كتابه "أسرار حرب أكتوبر": "إن ضابطاً جعلته الظروف رئيساً لمصر (يقصد السادات) أحال نصرها العسكري إلى هزيمة سياسية، ووضع العدو في موضع القوة بعدما انتشله (بقراراته السياسية) من على حافة السقوط".

مائير

وبناء على سبق، يمكن القول إن قراءة ما حدث في عهد السادات ستكون صعبة إذا ما ابتعدنا عن حديثه، كما أن فهم ما يجري حالياً في عهد عبد الفتاح السيسي، لا يتأتّى أيضاً بعيداً عن كلامه المستمرّ عن أهمية إقامة علاقات دافئة مع الإسرائيليين، والحفاظ على أمن "المواطن الإسرائيلي".

وبالرجوع إلى أبجديات السياسة المصرية وقواعد وطنيتها المعروفة، فإن أحاديث السيسي مناقضة لهما تماماً، فضلاً عن كونها مناقضة لعقيدة الجيش المصري، الذي نشأ أول ما نشأ على أن إسرائيل هي العدو، وليست شيئاً آخر.

بعض قادة الحرب من المصريين كتبوا في مذكراتهم أنه عندما صدر قرار وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر، كانت المشكلة الكبرى هي "كيف يمكن أن يقبل الضباط المصريون بالجلوس مع نظرائهم الإسرائيليين، فيما عرف وقتها بمفاوضات (الكيلو 101) أو مفاوضات "فضّ الاشتباك الأول ثم الثاني؟".

مفاوضات 1

يقول قادة الحرب إن أصعب ما في هذه المفاوضات التي ترأس وفد مصر فيها رئيس الأركان، الفريق عبد الغني الجمسي، وترأس وفد الاحتلال مساعد رئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال أهارون ياريف، هو أن ضباطاً مصريين وجدوا أنفسهم مضطرّين للجلوس على طاولة واحدة مع الإسرائيليين.

ومن خلال هذه المذكرات يمكن استنتاج أن هؤلاء المفاوضين أدركوا أنهم إزاء تنفيذ قرار اتخذته قيادتهم السياسية بأن الحرب مع إسرائيل ليست قابلة للاستمرار.

مفاوضات

ولعل الخلاف الذي وقع بين رئيس أركان الجيش المصري وقت اندلاع الحرب، الفريق سعد الدين الشاذلي، وبين الرئيس السادات، الذي قام بالأساس على طريقة إدارة الحرب وكيفية وتوقيت وقفها، وعلى أي أساس سيتم هذا الوقف، كان واحداً من أهم الإشارات التي أكدت وجود رغبة كبرى بعدم استمرار الحرب.

الشاذلي 1

وحتى اليوم تخيّم حالة من عدم الوضوح على موقف الرجلين من دوافع هذه الحرب وأهدافها، كما أن شهادات متناقضة تطرح العديد من الأسئلة عما بدأت من أجله الحرب وما انتهت إليه.

لقد كتب السادات نهاية الحرب عام 1978، ثم جاء من بعده إلى الحكم من هادن ومن توعّد، قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة السلام الدافئ والمناورات المشتركة. فهل كان السادات محقاً عندما قال "إن حرب 1973 ستكون آخر الحروب؟".

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد كتب المتحدث باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، في ذكرى الحرب، على حسابه الرسمي بـ "فيسبوك": "إن معاهدة السلام مع مصر هي من الإنجازات الاستراتيجية الهامة التي حققتها دولة إسرائيل. السلام أصبح حقيقة راسخة، حيث استُبدل خط الحدود المعادي المتحفز بآخر سلمي".

ويضيف أدرعي: "لقد تم الوفاء بالوعد. لا للحرب. ولا لمزيد من سفك الدماء"، وهو بذلك يطرح أسئلة عن هذه الوعود ومن وعدها ومن وفّى بها؟ وعمّا وصلت إليه الأمور بسببها؟ وهي أسئلة ليست لها إجابات في الوقت الحالي على الأقل.

اقرأ أيضاً :

"السادات" وحرب أكتوبر.. ميلاد عرّاب المفاوضات مع "إسرائيل"

- مهادنة ونديّة

في أكتوبر 1981، أصبح حسني مبارك رئيساً لمصر، وهو الذي شارك في وضع خطط الحرب عندما كان قائداً لسلاح الجو المصري. وإجمالاً، فقد اعتمد مبارك في تعامله مع إسرائيل أسلوباً براغماتياً، التزم عبره باتفاقية السلام، لكنه أيضاً كثيراً ما اعتمد "نديّة" ولو شكلية.

وعندما ضاق الحصار على سكان غزة فكسروا الحدود مع مصر وعبروا إلى مدينة رفح بحثاً عن الطعام والماء والدواء، خرج مبارك بجملة واحدة: "غزة لن تموت".

وبالنسبة إلى محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب، فقد اتسم عام حكمه بنديّة أكثر واقعية مع إسرائيل. وقد تجلّى هذا في رد الفعل المصري الرسمي على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، عام 2012، حيث شاركت مصر بقوة في وقفه، وقد بدا الموقف المصري في حينها لافتاً.

أما السيسي فقد استغل حالة عدم اليقين التي سادت عقب عزله لمرسي، وأجرى تعديلات كبرى على قائمة خصوم البلاد وأصدقائها، وطبّق خططاً جعلت مستقبل شبه جزيرة سيناء رهناً بسيناريوهات ضبابية، وأدخل عقيدة الجيش المصري في خلاف حادٍّ مع التاريخ.

ومع ذلك، يقول المهندس حسين عبد الهادي، وهو ضابط سابق بالجيش: "ليس لأحد أن يقلل من النصر. إن بعضاً من بني جلدتنا خلطوا بين غضبهم من أخطاء السيسي وبين الجيش (الذي هو جيشُهم من قبل ومن بعد) وبين مصر صانعة الجيش والنصر معاً".

ويضيف عبد الهادي، عبر حسابه على فيسبوك: "لقد اصطَّفُوا مع إسرائيل (عن حُمقٍ أو خيانة) في بَخْسِ هذا النصر حَقَّه. هذا نصر مصر. ومصر أكبر من حُكَّامِها. أكبر من عبد الناصر والسادات ومبارك. والسيسي طبعاً".

مكة المكرمة