بعد تسع سنوات.. أين وصل أمل "الثورة السورية" بالتغيير؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/rqq375

انطلقت الثورة في 15 مارس 2011

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 16-03-2020 الساعة 22:44

اكتملت تسع سنوات من انطلاق الثورة السورية في مارس 2011، التي طالبت بالحرية والكرامة وبناء دولة مدنية ديمقراطية، ومن ثم إسقاط نظام بشار الأسد الذي واجه شعبه بالعنف الشديد واستخدم ضده كل أنواع الأسلحة، ومن ضمنها السلاح الكيماوي.

ومع دخول العام العاشر، لم يكن يتوقع السوريون أن يكون مشوارهم طويلاً إلى هذا الحد، ومطلبهم الطبيعي والمحق صعباً لهذه الدرجة، في ظل تعنت النظام وحلفائه، ورضا عالمي، ما جعل الأرض السورية تتحول إلى ساحة صراع ونفوذ دولي، وبقيت آمال الشعب وأهدافه في إمكانية بناء منظومة حكم جديدة شبه مستحيلة بالوضع الراهن.

فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 226247 مدنياً (91.36% منهم قتلوا على يد قوات نظام الأسد وروسيا وإيران والمليشيات التابعة لها)، بينهم 14391 بسبب التعذيب، وإخفاء قسري لـ 100 ألف، إضافة لتشريد 15.2 مليون سوري.

ووثقت الشبكة، في تقريرها الصادر  في (15 مارس 2020)، 222 هجوماً كيميائياً و492 عنقودياً و81916 برميلاً متفجراً اعتبر فاتورة المطالبة بالتغيير السياسي نحو الديمقراطية.

من الشرارة إلى الانحسار

انطلقت مظاهرة شعبية وسط دمشق العاصمة في 15 مارس 2011 طالبت بالحرية والكرامة، اعتقل أغلب من شارك فيها، وتكرر المشهد في اليوم التالي، ثم ما لبثت أن اشتعلت شرارتها الكبرى، حيث خرجت مظاهرة كبرى في 18 مارس من ذات العام من مدينة درعا جنوبي سوريا حيث قوبلت بالعنف وسقط أول "شهداء" الثورة السورية.

وبشكل عام تمددت الثورة السورية لتشمل أغلب مدنها وقراها، مرددة شعارات الحرية وتأكيد سلمية الثورة في مقابل عنف مستمر وتحرك فوري لقطع الجيش، واستخدام النظام بعد أسبوعين فقط لخطاب طائفي يؤكد فيه استمرار الحل الأمني الذي لم يتوقف حتى اليوم.

الثورة السورية

ومع زيادة استخدام العنف من قبل النظام ضد الثورة، التي بقيت أول خمسة أشهر إلى ستة أشهر من عمرها سلمية بشكل شبه كامل؛ بدأ جيش النظام بالتفكك البسيط وبدأت الانشقاقات عنه تتوالى بين العساكر والضباط بهدف حماية المتظاهرين، ثم بدأ التسلح بشكل محلي حتى تولته دول عربية وأجنبية بدعوى إسقاط النظام عسكرياً، وفي ظل ذلك بدأت حركة النزوح الداخلي واللجوء خارج سوريا، مع وجود عشرات الآلاف من المعتقلين داخل السجون النظام.

ومع نهاية 2013، كان هناك فصائل عسكرية باسم "الجيش السوري الحر" تضم منشقين ومتطوعين مسلحين ضد نظام الأسد، إلا أن عنف النظام ازداد، وكانت إيران ومليشياتها إلى جانبه في حرب كسر عظام أدت لسيطرة "الثوار" على نحو 70% من مساحة سوريا.

ومع الانشقاقات المتتالية كانت على الطرف الآخر تتشكل أجسام سياسية لتمثيل الثورة خارجياً في المحافل الدولية، حيث تشكل المجلس الوطني عام 2011، ثم توسع إلى الائتلاف الوطني للثورة وقوى المعارضة أواخر عام 2012، واعترف به كممثل للشعب السوري عالمياً.

وأدى ظهور تنظيم الدولة "داعش" عام 2014 إلى خسارة كبيرة في جسم الثورة السورية، حيث توجهت الأنظار العالمية لمواجهة "الإرهاب" الذي تسبب به التنظيم، ولم يعد يعبأ بمآسي السوريين الذي يعانون من القصف بالبراميل المتفجرة ومئات القتلى والجرحى يومياً.

ورغم ذلك كانت الثورة السورية في تقدم ميداني وسياسي مع وجود ضحايا بشكل يومي، وتشكلت مجالس محلية وهيئات قضائية ومراكز شرطة لإدارة المناطق المحررة، في ظل تقارير تؤكد شبه انهيار لنظام الأسد.

إلا أن المشهد بدأ ينقلب لمصلحة النظام منذ 30 سبتمبر 2015، حيث تدخلت روسيا عسكرياً إلى جانب جيشه الذي أنهك جراء العمليات العسكرية التي يقودها الثوار من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب رغم تفوقه الجوي والعسكري.

وكسر التدخل الروسي تماسك الثوار، وأوغل في دماء السوريين، فقد كان السلاح الروسي أشد تدميراً وأكثر فتكاً بالمدنيين والعسكريين على حد سواء، وعملت روسيا على تقطيع أوصال المدن وتشديد الحصار ومهاجمة كل منطقة على حدة، ثم مفاوضتها على الاستسلام والتهجير نحو شمال سوريا أو استمرار القصف والتدمير، ما تسبب بإفراغ مدن كاملة من سكانها مثل حمص وريفها، وأحياء كاملة من مدينة حلب، ومدن ريف دمشق ومحافظة درعا وريف القنيطرة وغيرها.

الثورة

وفي عام 2016 بدأ التدخل العسكري التركي لأول مرة في مناطق شمال سوريا وإعادة أعداد كبيرة من المدنيين إليها، واستطاعت السيطرة على عدة مناطق بالتعاون مع فصائل الثوار، وإنهاء سيطرة تنظيم "داعش" وفصائل كردية "انفصالية" (الوحدات الكردية التي تتبع لحزب العمال الكردستاني) على مدن كـ "الباب وجرابلس وإعزاز وعفرين" بالإضافة للمناطق الواقعة شرق الفرات.

وحتى عام 2020، ما زالت إيران وروسيا تدعمان النظام عسكرياً وسياسياً، وتوفران له الدعم المادي واللوجستي، فيما تراجعت معظم الدول العربية عن دعم الثوار، مثل السعودية، في حين أعادت دول العلاقات إلى سابق عهدها مع نظام الأسد مثل الإمارات والبحرين ومصر.

ومن الناحية السياسية، لم يحصل أي تقدم دولي في إنهاء مأساة الشعب السوري بحدوث انتقال سلمي للسلطة عبر محادثات "جنيف" التي ترعاها الأمم المتحدة حيث استقال كل المبعوثين الذين كلفتهم بجمع النظام والمعارضة، لتعين عام 2019 "غير بيدرسون"، الذي لم يستطع أن يغير من الملف السياسي سوى اجتماعات جديدة بجنيف (نوفمبر 2019) لم تخرج بأي نتائج.

وأدت حرب النظام إلى خسارة هائلة في اقتصاد البلاد، وانهيار قيمة الليرة السورية حيث تجاوزت الألف ليرة مقابل كل دولار (كانت تساوي 50 ليرة لكل دولار عام 2011)، وضياع مستقبل ملايين الطلاب نتيجة قصف المدارس والجامعات، بالإضافة إلى امتلاء دول العالم باللاجئين السوريين، وحصر قرابة 4 ملايين آخرين في مناطق إدلب وريف حلب الشمالي.

إدلب

ماذا تبقى من الثورة اليوم؟

وبعد تسع سنوات من انطلاق أكبر ثورة شعبية في تاريخ البلاد، أين باتت الثورة؟ وكيف يرى أبناؤها مستقبلها القريب، في ظل خسارات هائلة في الأرواح والأموال والعمران، وخيبات الأمل من الدول العربية والمجتمع الدولي؟

يرى الباحث السياسي السوري هاني أحمد أنه "لم يتبقَّ من الثورة السورية بعد تسع سنوات سوى أربع مناطق متمثلة بإدلب المدينة وبعض البلدات التابعة لها، ومنطقة غصن الزيتون ونبع السلام ودرع الفرات (مناطق العمليات العسكرية التركية)؛ استناداً إلى العمليات التي انطلقت من أجل تحريرها بعد أن كانت تسيطر المعارضة على نحو 70٪ من مساحة سوريا في عام 2013".

ويفرق الباحث في المواقف الدولية من الثورة حالياً بما يلي، وفق حديثه لـ"الخليج أونلاين": "الدول العربية موقفها متذبذب، فمن جهة لا تريد بقاء الأسد باعتباره إحدى أذرع إيران الإقليمية، ومن جهة ترفض قيام نظام موال لتركيا".

وأضاف: "أما بالنسبة للدول الأوروبية فموقفها يعتمد بشكل أساس على قضية اللاجئين؛ فهي لا تقبل ببقاء الأسد حتى لا يتدفق المزيد من اللاجئين باتجاه أراضيها ما يسبب إحراجاً لحكومات هذه الدول (مثل موجة لجوء 2015) والتي قابلها صعود اليمين المتطرف".

ويرى أحمد أن الموقف الأمريكي تركز على منع ظهور التنظيمات الإسلامية كـ"داعش" مرة ثانية، وعدم سيطرة روسيا على ما تبقى من مناطق المعارضة، فيما يعتقد أن الموقف التركي تغير بشكل كبير وانتقل من الدعم السياسي فقط إلى الدعم العسكري والسياسي؛ بزج الجيش التركي وبأعداد كبيرة منه في إدلب في مواجهة قوات النظام والمليشيات الروسية والإيرانية.

وأكّد أنه من الممكن أن تقف الثورة السورية مجدداً على قدميها "وهذا يعتمد على الموقف الأمريكي وتقديم الدعم العسكري لقوات المعارضة وإعطاء الضوء الأخضر لتركيا في التحرك، في حين أن أكبر العقبات التي تمنع ذلك هو وجود هيئة تحرير الشام "جبهة النصرة" (محسوبة على تنظيم القاعدة رغم فك ارتباطها به) فيجب حلها بداية كخطوة أولى، خصوصاً أن مرحلة تعويم الأسد انتهت ولا سيما مع صدور قرار سيزر الأمريكي (عقوبات من الإدارة الأمريكية على نظام الأسد وروسيا وإيران) والذي سيدخل حيز التنفيذ في مايو من العام الجاري".

الثورة السورية

هل بقي إيمان بانتصارها؟

وبما يخص تأثير الانكسارات المتتالية على إيمان الشعب السوري بانتصار ثورته، قال أغيد الطباع، أحد المشاركين بالثورة منذ يومها الأول: إن "حجم الإجرام الذي تعرض له الشعب السوري خلال السنوات التسع الماضية، وبالمقابل حجم الإصرار الذي تجلى في بذل أقصى ما يمكن للمقاومة في أصعب الظروف وبأقل الإمكانيات حيناً، وبقبول التهجير خياراً عند الاضطرار لفقد الأرض بسبب إجرام عصابة الأسد ومن ورائها روسيا وإيران وسواهما، حيناً آخر، كل هذا يظهر القيمة الإنسانية في أسمى تجلياتها، عندما يشعر الإنسان بكرامته وإنسانيته ليصبح الخيار الأصعب لديه أن يعود لخسارتها من جديد فيفضل الموت والتشرد على ذلك".

وأضاف، في حديث مع "الخليج أونلاين"، أن الثورة السورية على المستوى الاجتماعي رغم ما تفرضه حالةُ الحرب المستمرة وما يترتب عليها من هجرات وتفكك وتشتت، "فأزعم أن السوريين لم يصطفوا منذ زمن بعيدٍ بهذا القدر من الوضوح، حتى بات الموقف من عصابة الأسدِ المجرمة معياراً رئيسياً أولياً لقبول أو رفض الآخر عند الشريحة الأوسع منهم".

ويرى الطباع أنه "رغم الظلم والخذلان الكبير الذي تعرض له السوريون ما زال الأمل بالنصر راسخاً في نفوس أكثرهم، ربما لأن الأمور لا تبدو دوماً بظاهرها، فحتى في المناطق المحررة التي تعرضت للحصار والحملات المتتابعة والقصف بأبشع صوره، كانت تجربة الشعور بالحرية طاغيةً على الألم والضغط".

وأوضح أن الثورة "خلقت مجتمعاً سورياً جديداً مختلفاً بطبيعةِ أفراده عن ذلك المجتمع الخنوع الذي حكمه الأسد طويلاً، ومن ثم لم يعد (النصر) مجرد أملٍ يمكن التكيف مع عدم تحقيقه، بقدر ما غدا مفهوماً وجودياً لا تمكن الحياةُ لكثيرٍ منا من غيره؛ فلعله من الممكن لتعقد الأوضاع إقليمياً ودولياً أن تربك السوريين المتطلعين لاستكمال ثورتهم، ولكنها باعتقادي لن توقفهم طويلاً حتى يبدعوا وسائلهم وأدواتهم المناسبة لذلك بإذن الله".

مكة المكرمة