باركته إيران فور تكليفه.. لماذا فشل "علاوي" في تأليف حكومة العراق؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/jJxAzy

الرئيس العراقي كلف محمد توفيق علاوي بعد توافق الكتل الشيعية عليه

Linkedin
whatsapp
الثلاثاء، 03-03-2020 الساعة 08:33

بعد شهر بالتمام والكمال رفع رئيس الوزراء العراقي المكلف، محمد توفيق علاوي، الراية البيضاء، معلناً اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة العراقية، ليزيد من المشهد السياسي تأزماً ويضع العراق برمته على مفترق طرق؛ تزامناً مع تخلي سلفه عادل عبد المهدي عن منصبه في تسيير أعمال الحكومة المستقيلة.

وكان الرئيس العراقي برهم صالح قد كلف "علاوي"، بداية فبراير 2020، بتشكيل الحكومة المقبلة، وذلك بعد مخاض طويل شهد جدلاً واستقطاباً حاداً في الساحة العراقية التي تعيش على وقع احتجاجات شعبية غير مسبوقة.

ولم يكن تكليف "علاوي" بالأمر السهل على الرئيس العراقي، الذي كان قد وضع سقفاً زمنياً للكتل السياسية للتوافق على اسم مرشح لرئاسة الوزراء يحظى بقبول الشارع المنتفض ضد الطبقة السياسية الحاكمة، ويرفض تكليف أي من رموزها لتصدر المشهد السياسي في البلاد.

وبعد أقل من 24 ساعة على تكليف رئيس الحكومة الجديد، الذي ينظر إليه على أنه "سياسي مستقل علماني"، سارعت كتل سياسية بارزة للتبرؤ من ترشيح "علاوي" لخلافة رئيس الوزراء المستقيل، فيما تشبثت ساحات الاعتصام في مختلف المحافظات برفض أي شخصية تولت منصباً وزارياً سابقاً.

وضاعف كل هذا من محنة رئيس الحكومة المكلف، الذي وجد نفسه محشوراً في زاوية، في ظل الابتزازات السياسية التي تعرض لها من قبل الكتل البرلمانية المختلفة، وخاصة الشيعية منها.

والآن، وبعد شهر كامل من محاولة تشكيل الحكومة العراقية ومحاولة عرضها على البرلمان لنيلها الثقة، تطرح تساؤلات في مختلف الاتجاهات منذ بداية التكليف وسرعته، ووصولاً إلى النهاية الحزينة، وسط مؤشرات تنذر بذهاب العراق إلى المجهول في ظل غياب المسؤول التنفيذي الأول في البلاد.

برهم صالح ومحمد توفيق علاوي

اعتذار علاوي

مساء الأحد (1 مارس 2020)، أعلن محمد توفيق علاوي اعتذاره عن عدم قبول التكليف الخاص بتشكيل الحكومة العراقية للفترة الانتقالية، فيما قال سلفه إنه لن يتمكن من الاستمرار في منصبه بعد اليوم.

وقال في مقطع فيديو نشر عبر صفحته في "تويتر"، إنه وعد الشعب عندما تم تكليفه بأنه سيترك تشكيل الحكومة إذا تعرض لضغوط سياسية "لتمرير أجندة معينة".

وشدد على أنه لم يتنازل ولم يقدم المصالح الخاصة على مصلحة البلد، مشيراً إلى أن هناك من يبحثون عن مصالح ضيقة، وبعض الجهات السياسية ليست جادة بالعمل.

وباستثناء "تحالف الصدر" (54 نائباً)، الذي يتزعمه مقتدى الصدر، و"تحالف الفتح" (48 مقعداً) بزعامة هادي العامري، وتحالف "القرار العراقي" (11 نائباً) برئاسة أسامة النجيفي، لم تعلن أي من الكتل البرلمانية دعمها لحكومة علاوي.

من جانبها قالت رئاسة الجمهورية في بيان، إنه استناداً إلى المادة 76 من الدستور يبدأ الرئيس برهم صالح مشاورات لاختيار مرشح بديل عن علاوي خلال مدة 15 يوماً.

وكان علاوي قد فاجأ الأوساط العراقية كافة بإعلان تكليفه لرئاسة الحكومة الجديدة من خلال مقطع فيديو بثه عبر حسابه في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

وطالب وزير الاتصالات الأسبق العراقيين بمواصلة التظاهر في الساحات حتى تحقيق جميع مطالبهم، ودعاهم أيضاً للوقوف إلى جانبه من أجل تنفيذها على أرض الواقع.

وفي محاولة لكسب قبول الشارع تعهد رئيس الوزراء المكلف بـ"محاسبة القتلة، وتعويض أسر الشهداء"، في إشارة منه إلى عدد الضحايا (أكثر من 600 بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية)، الذين سقطوا جراء قمع القوات الأمنية ومليشيات مسلحة محسوبة على إيران للحراك الشعبي وقياداته، منذ مطلع أكتوبر 2019.

كما تعهد بمحاربة الفساد وتحديد موعد للانتخابات البرلمانية المبكرة، وهو مطلب مهم يرفعه الشارع في وجه الساسة بعد استقالة حكومة عبد المهدي، مطلع ديسمبر الماضي، وأكده المرجع الشيعي علي السيستاني في أكثر من مناسبة.

وشدد على أنه سيتنازل عن تكليفه برئاسة الحكومة في حال "تعرّض لأي ضغوط من القوى السياسية في عملية تشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما حدث بالفعل.

كتل تتبرأ وشارع يقول "لا"

وعلى غرار ما حدث مع من سبقوه، خرجت مظاهرات ومسيرات حاشدة في العاصمة بغداد ومحافظات أخرى رفضاً لخطوة الرئيس العراقي، وتأكيداً لضرورة اختيار شخصية مستقلة، لم تتولَّ سابقاً مناصب رسمية، وبعيدة كلياً عن الطبقة السياسية الحالية والتعبية للأحزاب وللخارج، وخاصة إيران، المرتبطة بعلاقات وثيقة مع القوى الشيعية الحاكمة في بغداد منذ عام 2003.

وأمام تلك التطورات نأت كتل سياسية بارزة بنفسها عن تكليف علاوي، وعن الأحزاب والخارج، وخاصة إيران، المرتبطة بعلاقات وثيقة مع القوى الشيعية الحاكمة في بغداد منذ عام 2003، منها ائتلاف "النصر" برئاسة حيدر العبادي، وائتلاف "الوطنية" بزعامة إياد علاوي، ودولة القانون بزعامة نوري المالكي.

وبحسب الدستور العراقي يتعين على رئيس الوزراء المكلف تأليف تشكيلته الوزارية في غضون 30 يوماً، ودعت الأمم المتحدة آنذاك إلى ضرورة العمل سريعاً من أجل تحقيق الإصلاحات المطلوبة وتلبية مطالب المتظاهرين، في حين قالت السفارة الأمريكية في بغداد إن الظروف الحالية تتطلب حكومة مستقلة ونزيهة، فيما رحبت إيران باختيار علاوي عبر المتحدث باسم وزارة خارجيتها.

وواجهت حكومة علاوي اعتراضات من القوى الكردية (53 نائباً)، وتحالف "القوى العراقية"، وهو أكبر تكتل للقوى السنية (40 مقعداً)، حيث طالبت هذه الكتل بأن تقوم بترشيح أسماء (من يمثلون الكرد والسنة في الحكومة) للتشكيلة الوزارية، وهو ما رفضه علاوي لرغبته باختيار الوزراء بنفسه دون أي تدخل من الكتل السياسية.

علاوي مرفوض

على خُطا عبد المهدي

وكان الصحفي العراقي عمر الجنابي قد توقع في حديث سابق مع "الخليج أونلاين"، أن لا ترى حكومة علاوي النور، مشيراً إلى أنه سيتم وأدها قبل ولادتها.

وأوضح الصحفي المتخصص في الشؤون الداخلية أن حكومة علاوي يُنظر إليها بأنها "مؤقتة" تمهد لانتخابات مبكرة، ولأجل تلبية ما يُمكن تلبيته من مطالب الشعب، ومتابعة القوانين وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة، مبيناً أن نسبة نجاحها "ضئيلة للغاية"، شأنها شأن الحكومات السابقة.

وأشار إلى أن تكليف الرجل بتأليف حكومة جديدة جاء  خلال وجود مظاهرات عراقية مستمرة، لافتاً إلى أن الجهات السياسية التي كلفته دخلت في دائرة الصخب الجماهيري، وخصوصاً التيار الصدري، الذي كان في فترة من الفترات مع الحراك الشعبي، قبل الانفكاك عنه.

واستطرد بأن الحكومة المقبلة "لا يُمكن أن تحقق أي طفرة فعلية"، وعمرها الافتراضي 9 أشهر، وقد يتم التمديد لها، وهو ما سيواجه بضغط جماهيري وقد تسقط منذ أسابيعها الأولى، محذراً إياها من مواجهة المتظاهرين بالقمع.

وحول تبرؤ كتل سياسية من اختيار رئيس الوزراء المكلف الذي اعتذر لاحقاً، يقول الصحفي العراقي، إن الكتل السياسية لم تفعل ذلك؛ وإنما هو أسلوب تعتمده مثلما حدث مع عادل عبد المهدي عندما تم التوافق عليه بين كتلتي "سائرون" و"الفتح"، وهو ما تكرر في حالة محمد توفيق علاوي.

وبيّن "الجنابي" في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن الكتل السياسية تنتهج تلك الاستراتيجية حتى "لا تقع عليها لائمة فشل رئيس الوزراء المكلف"، مؤكداً أن هذا ينطبق على جميع الكتل الشيعية المخولة وحدها باختيار رئيس الحكومة، بعد عام 2003.

وشدد على أن ما حدث ليس تبرؤاً؛ بل تقول تلك الكتل إنه تم التوافق عليه سياسياً، و"هو من خارج السياقات الدستورية"، التي تؤكد أن رئيس الوزراء يكلف من قبل الكتلة الكبرى، موضحاً أن المحكمة الاتحادية فسرت هذا النص عام 2010 بأنها الكتلة الكبرى داخل البرلمان المكونة من عدة تحالفات أو كتلة واحدة.

الحراك الشعبي يرفض علاوي

وحول مباركة إيران لتكليف علاوي، قال إن طهران تبارك أي شخص ترشحه الكتل السياسية القريبة منها، ومن ثم فأي شخص مرشح هو تلقائياً تابع لإيران أو مقرب منها، مستشهداً بما تقوله تلك الكتل حول إخراج القوات الأمريكية من البلاد، بشكل مطابق لما يقوله المسؤولون الإيرانيون.

ويؤكد "الجنابي" أن برهم صالح لم يكن معارضاً لترشيح أي مرشح، خلافاً لما أشيع في وسائل الإعلام، مستحضراً ما قاله بأنه ينتظر توافق الكتل الشيعية حول اسم معين، وهو ما حدث حول علاوي؛ حيث كلفه مباشرة.

ماذا حدث في "قم"؟

وفي إطار  التكليف السريع لعلاوي من أجل خلافة عبد المهدي، فجّر النائب العراقي كاظم الصيادي، بأن الأول جاء بتوافق القوى السياسية بعد "توزيع المناصب والحقائب الوزارية فيما بينها".

وكانت الصحافة الإيرانية قد احتفت بتكليف علاوي، معتبرة أنه نجاح لاتفاق سياسي بين كتلة "سائرون" التي يترأسها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، مع كتلة "الفتح" التي يقودها زعيم تنظيم بدر وأحد قادة الحشد الشعبي، هادي العامري.

وبحسب ما أوردته قناة "الحرة" الأمريكية فإن تكليف علاوي جاء بعد "فترة قصيرة من اجتماع ضم قادة المليشيات العراقية الموالية لإيران مع قادة النظام الإيراني في "قم"، هدفه إعادة التشكل من جديد لمواجهة المتظاهرين العراقيين بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بغارة جوية أمريكية، مطلع يناير المنقضي.

من هو "علاوي"؟

ومحمد توفيق علاوي من مواليد العاصمة بغداد عام 1954، ويحمل شهادة البكالوريس في الهندسة المعمارية من الجامعة الأمريكية في العاصمة اللبنانية بيروت عام 1980.

كان توجهه إسلامياً وقريباً من رجل الدين الشيعي محمد باقر الصدر، أحد مؤسسي حزب "الدعوة"، وانتمى إليه فترة وجيزة، ثم تركه عندما اختلف مع الصدر، ليتبنى لاحقاً مفهوم الدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة.

وعقب إسقاط نظام صدام، في 2003، دخل المعترك السياسي ضمن قائمة إياد علاوي، وهو شيعي علماني، وبقي معها بمسمياتها المختلفة؛ "القائمة العراقية"، و"القائمة الوطنية" و"ائتلاف الوطنية".

علاوي

انتُخب عضواً في البرلمان عام 2006، ثم عُين وزيراً للاتصالات منتصف العام ذاته، قبل أن يستقيل نهاية 2007، ثم انتُخب ثانية عضواً في البرلمان إثر وفاة نائبة عام 2008، وحتى انتخابات 2010.

وللدورة الثانية على التوالي انتُخب عضواً في البرلمان عام 2010، ثم عُين مجدداً وزيراً للاتصالات نهاية ذلك العام، لكنه استقال مرة أخرى نهاية 2012.

وفي المرتين قدم علاوي، الذي يحمل الجنسية البريطانية، استقالته من الوزارة احتجاجاً على "التدخل السياسي لرئيس الحكومة آنذاك، نوري المالكي، في شؤون وزراته"، على حد قوله، كاشفاً أنه نتيجة لخلافاته مع رئيس الوزراء تم تشكيل لجان تحقيق عديدة بشأنه، وأصدر القضاء -في وقت لاحق- حكماً بسجنه لمدة 7 سنوات بتهمة هدر المال العام، قبل أن تسقط جميع الأحكام الصادرة بحقه لعدم صحتها.

الاكثر قراءة

مكة المكرمة