انتهاكات الدول "العظمى".. جرائم حرب تمضي دون محاسبة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/K8yRbE

الجنايات الدولية لم تقدم أي مسؤول أو متهمين من دول عظمى للمحاكمة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 19-11-2019 الساعة 09:14

شهدت السنوات الماضية محاكمة قادة من دول عدة أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، أو محاكم خاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وانتهت تلك المحاكمات إما بالإدانة أو البراءة، وتعذر جلب البعض للمحاكم، في حين يتم تجاهل إدانة دول عظمى ارتكبت جرائم جسيمة في دول مختلفة.

ومع مرور سنوات طويلة من التجاهل المتعمد لجرائم الدول العظمى تواجه حالياً الحكومة البريطانية ووزارة الدفاع اتهامات بالتستر على ارتكاب قواتها عمليات قتل مدنيين ترقى إلى جرائم الحرب في أفغانستان والعراق، وقد تفتح محكمة الجنايات أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني.

ورغم مضي نحو 15 عاماً على إعلان اتفاقية روما بإنشاء محكمة الجنايات الدولية، في 2003، فإن هناك دولاً انسحبت من هذه الاتفاقية، وسط اتهامات للمحكمة الجنائية بالتعامل الانتقائي وتسييس بعض القضايا؛ على غرار أحداث العنف في إقليم دارفور بالسودان، والغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، والإبادة التي تتعرض لها أقليات مسلمة في عدة دول.

بريطانيا.. هل تمثل أمام الجنايات؟

ورغم تجاهل المحكمة لجرائم ارتكبتها الدول العظمي فإنها قد تفتح أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني؛ في أعقاب بث برنامج لقناة "بي بي سي" البريطانية عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد البرنامج، منتصف نوفمبر الجاري، أدلة على أن الدولة غطت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان، وقالت المحكمة إنها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، في حين قالت وزارة الدفاع البريطانية إن تلك الادعاءات "لا أساس لها".

بريطانيا

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب، وذكرت أنها "ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه بي بي سي، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أن الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية".

وكانت المحكمة قد توصلت، في أواخر 2017، إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أن قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

لكن وزارة الدفاع البريطانية قالت إنها "تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أن هناك مبرراً لتدخل المحكمة من جديد في الأمر".

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إن قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق، إنهم وجدوا أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية.

أمريكا فوق الكل

وفي المقابل ترفض الولايات المتحدة مطالبات محكمة الجنايات التحقيق في جرائمها في الحروب التي شنتها بعدة دول، وفي مقدمتها حرب أفغانستان 2001، وحرب العراق 2003، والتي راح ضحاياها عشرات الآلاف من المدنيين.

وكانت التحديات التي أطلقتها واشنطن مؤخراً لافتة؛ بعدما ألغت السلطات الأمريكية، في شهر أبريل 2019، تأشيرة دخول للبلاد خاصة بالمدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، الغامبية فاتو بنسودة.

واشنطن

وأعلن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، منتصف مارس الماضي، أن بلاده ستلغي أو تمنع تأشيرات لموظفي محكمة الجنايات الدولية؛ في خطوة تهدف إلى ردع تحقيقات محتملة لمحكمة الجنايات الدولية بلاهاي في مزاعم ارتكاب القوات الأمريكية جرائم حرب في أفغانستان.

وكان موقع "ويكيليكس"، المعني بتسريب المعلومات السرية كوسيلة لمكافحة الفساد في الشركات الكبرى والحكومات، نشر عام 2010 بإجمالي 91 ألف وثيقة عسكرية سرية، يرجع بعضها للعام 2004، تكشف الفشل الأمريكي في العراق، وما سماه بـ"جرائم حربٍ" ارتكبتها القوات الأمريكية على الأراضي الأفغانية.

وواشنطن تدافع عن جرائم "إسرائيل"

ولم تكن التهديدات الأمريكية ضد محكمة الجنايات بسبب جنودها فقط؛ بل كانت ضد أي اتهامات موجهة للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

وفي أبريل الماضي، حذر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المحكمة من السعي لمقاضاة إسرائيليين أو أمريكيين بعد شكوى رفعها الفلسطينيون تدعو المحكمة لفتح تحقيق بشأن "إسرائيل".

وأغلقت واشنطن مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية لديها؛ بسبب قرار الأخيرة عزمها التوجه لمقاضاة "إسرائيل" في المحكمة ذاتها.

فلسطين

وانضمت فلسطين إلى الجنايات الدولية في 2015، في خطوة رئيسية أتاحت للمسؤولين الفلسطينيين ملاحقة "إسرائيل" بدعاوى حول ارتكاب جرائم حرب بحق المواطنين الفلسطينيين.

وتقدمت فلسطين، في منتصف 2018، بطلب إحالة ملف جرائم الحرب التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني لمحكمة الجنايات الدولية، إلا أنه لم ينظر إلى أي جرائم حتى الآن.

ومن بين الاتهامات لدولة الاحتلال المقدمة للجنايات ملف المستوطنات، وتهجير الفلسطينيين، والحصار المفروض على قطاع غزة، والجرائم التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين، خصوصاً في قطاع غزة.

جرائم فرنسية

ورغم أن فرنسا ساهمت في تسليم متهمين بارتكاب جرائم حرب في دول أفريقية إلى الجنايات الدولية لكن لا أحد يسأل عن جرائم باريس أيضاً في أفريقيا الوسطى.

ويوماً بعد يوم يتكشف للعالم حجم الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي يقترفها الجيش المالي والقوات الفرنسية في شمال مالي.

وكعادة فرنسا في حروبها الاستعمارية فهي تقوم بعملية مناولة الجانب القاتم من الحرب للمرتزقة من أبناء البلد حتى تتجنب المساءلة الإنسانية والقانونية عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في حين تشرف هي على جانب التخطيط والدعم والتغطية الإعلامية.

فرنسا

وكشفت منظمات دولية كـ"العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش" عن تعرض المدنيين لقصف بالطائرات لتجمعات بدوية وقصف لبيوت طينية يسكن فيها قرويون من الطوارق والعرب، وصور أخرى لاعتقالات لشيوخ طاعنين في السن ومعاملتهم بطرق لا إنسانية من قبل القوات الفرنسية.

كما ارتكبت فرنسا انتهاكات كبيرة في مجال حقوق الإنسان في الدول التي تمتلك فيها نفوذاً سياسياً بأفريقيا، في حين يتهم الكثيرون المحكمة الجنائية الدولية بأنها تكيل بمكيالين؛ فهي تتعامل مع الجرائم التي تُرتَكب في العالم وكأنها لا ترى منها إلا ما يقوم به أبناء البلد المعني، وتتجاوز القوات الأجنبية المتواجدة على الأرض.

الصين ومأساة الأويغور

ويعاني أكثر من مليون مسلم من الأويغور من جرائم تعذيب واعتقال وسجن يرونها "استنساخاً لمعسكرات الاعتقال النازية"، لكن لم تتحرك الجنايات الدولية للتحقيق في هذه الجرائم، رغم الإدانات الأممية المتكررة.

وتجبر السلطات المعتقلين على ممارسات تتعارض وعقيدتهم الدينية؛ كشرب الخمور، وأكل لحم الخنزير، وترى من لا يشرب الخمر شخصاً "متطرفاً"، كما يُرغمون في مراكز الاحتجاز على حفظ دعاية الحزب الشيوعي، وانتقاد سلوكهم الديني السابق، وإنكار الإسلام، وتسبب ذلك في وفاة البعض تحت التعذيب.

الصين

ووفقاً لتقارير غربية، يتعرض الأويغور منذ نحو 15 عاماً لأنماط من التعذيب والمعاملة السيئة، وإلى مراقبة إلكترونية جماعية مفرطة، حيث يتم توقيفهم بشكل متكرر على حواجز الشرطة، وفحص محتويات هواتفهم المحمولة، وأخذ عينات من حمضهم النووي، وتجاهل طلباتهم للسفر خارج البلاد لسنوات.

وتقول "هيومن رايتس ووتش": إن "ما يحصل في إقليم تشينغيانغ يفوق الحدود؛ ترتكب الحكومة الصينية انتهاكات بحجم لم نشهده منذ عقود، هذه معسكرات تديرها الحكومة والحزب الشيوعي لم يتم إصدار أوامر اعتقال أو توجيه أي تهم، إنها أشبه بجرائم حرب".

روسيا وجرائمها بسوريا

ولعل روسيا كانت أبرز الدول المتهمة مؤخراً بارتكاب جرائم حرب في سوريا، حيث قالت منظمة العفو الدولية: "إن روسيا مسؤولة عن ارتكاب الكثير من الجرائم".

وأضافت في بيانات مختلفة بدأت منذ 2016: إن "روسيا مسؤولة عن حدوث بعض جرائم الحرب الأكثر دموية التي حدثت في السنوات القليلة الأخيرة في سوريا".

روسيا

ويستهدف الطيران الروسي بشكل متعمد المناطق السكنية للمدنيين في سوريا، وطواقم الإنقاذ، والمدارس، والمستشفيات، كما وجهت اتهامات لموسكو بارتكاب "أبشع الجرائم".

ورغم الاتهامات الدولية لروسيا التي تدعم نظام بشار الأسد المتهم بقتل نحو نصف مليون شخص منذ 2011، فإنه يبدو أن روسيا والنظام السوري سيفلتان أيضاً من الجرائم، على غرار الدول العظمى التي لا يتم الاقتراب منها.

مكة المكرمة