"العواينية" في الجنوب السُّوري.. بين رفض المجتمع وانقلاب النظام

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LvznVj

نقاط التفتيش التابعة لنظام الأسد

Linkedin
whatsapp
الجمعة، 30-11-2018 الساعة 12:09

عُرف عن النظام السوري- شأنه شأن كل الأنظمة البوليسية- تجنيد العملاء للتجسّس على مواطنيه؛ وذلك يحقق له أهدافاً كثيرة؛ منها بث الرعب في شعبه، وضمان ولائه له وعدم التفكير في أي معارضة أو انتقاد لجوانب الفساد الكبيرة، وتفكيك المجتمع بانعدام الثقة بين أفراده، وبهذا تسهل السيطرة عليه.

وقد أطلق السوريون تسميات كثيرة على الأشخاص الذين يجنّدهم النظام لهذا الغرض، من ذلك "الجواسيس"، أو "عملاء الأمن"،  أو "العواينية"، أي عيون النظام.

وقد تمكّن النظام بسبب خبرته الطويلة بهؤلاء العملاء وتدريبه لهم، من زرعهم في جسم الثورة والمعارضة بعد انطلاق الثورة السورية؛ وهم إما مرتشون أغراهم بالمال، أو أناس وصوليون محبّون للسلطة أعطاهم بعض الميزات في المناطق الخاضعة لسيطرته؛ بتلبية بعض المطالب التي يَبرزون من خلالها وكأنهم أصحاب سلطة ونفوذ في الدولة.

وقد أطلق الناس على من ظهر منهم وبرز بعد دخول النظام مناطق المعارضة لقب "الضفادع" أيضاً، وهي آخر ما أضيف إلى قاموس توصيف هذه الفئة لدى الشعب السوري؛ وتعود التسمية إلى الشيخ بسام ضفدع، الذي ذاع صيته أثناء استعادة النظام للغوطة الشرقية، حيث كان له دور كبير في ذلك؛ من خلال طعنه الثوار بالظهر، بحيث أصبحوا بين نار النظام المهاجم من الخارج، ونار هؤلاء العواينية من الداخل.

وقد عرف الجنوب السوري مجموعة كبيرة من هؤلاء العواينية، حيث وصل الكثير منهم إلى مناصب قيادية، مخترقين المعارضة سواء العسكرية أو المدنية، حتى إذا حانت ساعة الصفر أداروا ظهورهم للعدو المهاجم ووجهوا سلاحهم إلى صدور الثوار، وهو ما كان له الأثر الأكبر في سقوط المنطقة الجنوبية (درعا والقنيطرة) في زمن قياسي لم يكن النظام نفسه يحلم به.

وقد قوبل هؤلاء العواينية بمقت أقرب الناس لهم، حتى أسرهم  وأهلهم.

- مكافأة مهينة

وبعد سيطرة النظام على المنطقة الجنوبية قَلب لهم ظَهر المِجَن، وبدأ بتصفية بعضهم أو اعتقالهم، كما حصل مع أحمد فروخ من بلدة الحارة، الذي كان قائدَ كتيبة في المعارضة السورية، ثم انقلب عليها وتسبب في تسليم عدد من الثوار للنظام السوري، ثم كان له الدور الأبرز في تسليم بلدة الحارة وتل الحارة ذي الأهمية الاستراتيجية للنظام.

فقد اعتقله النظام السوري قبل مدة، وأظهرته وسائل إعلام النظام على أنه قاتل وعميل للعدو الإسرائيلي، وانتزعت منه كل الاعترافات تحت التعذيب، وبهذا تكون خدماته قد انتهت بالنسبة إلى النظام، وتلك هي مكافأة نهاية الخدمة.

المواطن (أ.ص) عوايني من إحدى مدن درعا (مدينة الشيخ مسكين)، تابع مهامه مع بداية الثورة، وقد أظهر للناس أنه ثائر معارض، فكتب تقارير كثيرة عن المعارضة، وقد تسلم قيادة إحدى الكتائب العسكرية في المنطقة، وعندما أحسّ بانكشاف أمره هرب إلى مناطق النظام، فعلم الناس أنه كان "عواينياً" يكتب التقارير ويُفشي أسرار الفصائل ويبث الشائعات التي يريدها النظام.

ولأنه من نسيج المجتمع وقائد معارض فهو يحصل على المعلومات بسهولة دون إثارة الشكوك، وهذا ما يؤكده (أبو الطيب) لمراسل "الخليج أونلاين"، وهو أحد القادة الميدانيين الذين خرجوا للشمال، إذ يقول إنّ هذا العوايني كان سبباً في تأزيم الخلافات بين الفصائل، ومحاولة تعطيل أي عمل عسكري ضد قوات النظام. 

وعاد إلى بلدته بعد دخول النظام السوري مؤخراً إلى درعا، وهو الآن مسؤول عن أحد الحواجز هناك، وينظر الناس له نظرة ازدراء وكره.

لكن مثل هذه المهمّات الكبيرة التي يجنّد لها الأمن السوري هؤلاء الأشخاص لا يستطيع القيام بها كل من يتعاملون معه، وهنا يؤدّي التدريب والخبرة دوراً أساسياً في تحديد حجم المهمّة التي توكل إليهم، وأما الأقل خبرة ومهارة فيكتفي منهم النظام بكتابة "التقارير"، وهو توصيف مشهور عند السوريين عمّن يعمل لحساب الأمن في أذية الناس والتجسّس عليهم ونقل أخبارهم إلى الأمن والوشاية بالمعارضين منهم.

- أكاذيب لكسب رضا النظام

وقد ألحق هؤلاء "العواينية" أذىً كبيراً بالناس في المنطقة، وتسببوا باعتقال المئات واختفاء أثرهم، والإلقاء بهم "وراء الشمس"، على حدّ تعبير هؤلاء المخبرين، فمنهم من قُتل تحت التعذيب، ومنهم من خرج بعد مدة اعتقال طويلة بآثار تعذيب جسدية ونفسية لا تمحى، وكثيراً ما يعترف النظام نفسه بأن ما اعتُقلوا بسببه كان "تقريراً كاذباً" أو "كيدياً"، دون أي محاسبة للمسؤول عن ذلك أو أي تعويض مادي أو معنوي للضحية.

يروي (أبو عمر) لـ"الخليج أونلاين" ما حدث مع ابنه عمر، فيقول: "كان ابني يدرس في جامعة دمشق، ألقت قوات أمن النظام القبض عليه واختفى ولم نعرف له مكاناً، ثم علمنا أن ذلك كان بسبب وشاية من أحد عواينية النظام، وظل في أقبية المخابرات السورية حتى قُتل تحت التعذيب، ولم نتسلّم من النظام سوى شهادة وفاة تثبت ذلك، وأما الجثة فممنوع السؤال عن مصيرها، لأنها تدفن بإشراف لجنة سرية من النظام وبمكان سري".

ولدى سؤال "الخليج أونلاين" لأبو عمر عن السبب الذي دفع ذلك "العوايني" للإبلاغ عن ابنه أجاب: "لا أعلم سبب ذلك، وليس لابني مشاكل مع أحد، ولكن دأب هؤلاء العواينية على افتراء التهم على ضحاياهم وتضخيمها في عين النظام حتى يحصلوا على منافع مادية على حساب أرواح الناس وسلامتهم".

أما محمد الحسين فيروي لـ"الخليج أونلاين" حادثة تعود إلى بدايات الثورة السورية عن جاره ماهر خليل، الذي كان جندياً في جيش النظام، وانشقّ عنه مطلع عام 2013، وقد وصل إلى مكان آمن في المنطقة الجنوبية، وبقي هناك مدّة، حتى استدل عليه أحد العواينية قبل تحرير المنطقة من قبل المعارضة، ووشى به إلى مفرزة الأمن العسكري، التي داهمت بدورها المكان، وأعدمته ميدانياً رمياً بالرصاص أمام أعين الناس.

ويضيف: "القصص عن هذه الحوادث لا تنتهي، والأمثلة كثيرة من المجتمع عن هذا النوع من الناس، وضحاياهم كثيرون جداً، لقد نُزعت من قلوبهم الرحمة والإنسانية، فهم يعلمون المصير الذي ينتظر من يكتبون به إلى قوات الأمن، ومع ذلك يستمرّون في هذه المهمّة القذرة"، على حد تعبيره.

وقد اتبع النظام السوري أساليب مختلفة للتخلّص من العواينية بعد أن انتهت مهامهم؛ فمن ذلك أنه كان يطلب من المواطنين تسوية أوضاعهم بعد سيطرته على المنطقة، وعند إجراء التسوية يقولون له إن "العوايني" الفلاني هو من وشى بك، وقد شهدت المنطقة الجنوبية حوادث انتقام كثيرة، كانت نتيجتها قتل بعض هؤلاء أو إصابتهم إصابات بليغة، وبذلك ضرب النظام عصفورين بحجر واحد؛ فيوقع المواطن في جناية ويعاقبه عليها، ويتخلّص من العوايني. 

وفي مدينة جاسم التابعة لمحافظة درعا قُتل 5 منهم على يد المعارضة، كان النظام قد أعطى أسماءهم أثناء إجراء عمليات ما يسمّى بالمصالحة. وقد شهدت محافظتا درعا والقنيطرة حوادث كثيرة مماثلة.

هؤلاء العواينية وقع بعض منهم في شر أعمالهم رغم كل الخدمات التي قدموها للنظام السوري وكل الإساءات التي أساؤوا بها إلى الثورة وأهلها، وما زال الكثيرون منهم على "رأس عملهم" في مهمات لا تنتهي ما دام هذا النظام الذي يدير البلد بهذه العقلية البوليسية قائماً، فهل يتّعظ هؤلاء بمصير أولئك؟

مكة المكرمة