السودان.. هل يتمكن "حمدوك" من إعادة المياه لمجاريها مع واشنطن؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/wZPM3Z

أول مسؤول سوداني كبير يزور واشنطن منذ 1985

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 06-12-2019 الساعة 19:55

بعد الحراك الشعبي الأضخم في البلاد، الذي دفع الجيش السوداني لإسقاط نظام الرئيس السابق، عمر البشير، في أبريل 2019، ثم بدء مرحلة انتقالية أفرزت حكومة  بالشراكة مع العسكر يقودها رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك؛ يسعى الأخير جاهداً فيما يبدو لوضع الدولة السودانية على طريق جديد في علاقاتها الدولية.

تواجه الحكومة الانتقالية صعوبات كثيرة بدأت في التعامل معها مع بداية تشكلها، خلال الشهور القليلة الماضية؛ لعل من أبرزها الوضع الداخلي المعقد على أثر النزاعات والديون التي أرهقت عاتق الدولة، بالإضافة للعدالة الانتقالية، في حين يبقى الوضع الخارجي مؤثراً على كل ما سبق؛ وهو شطب اسم السودان من لائحة الخارجية الأمريكية للدول "الراعية للإرهاب".

زيارة كسر الجمود

وفي أول زيارة لمسؤول سوداني بهذا المستوى إلى الولايات المتحدة بشكل رسمي، منذ عام 1985، انطلق حمدوك، يوم الأحد (1 ديسمبر 2019)، في زيارة إلى واشنطن، نجح خلالها الرجل في كسر الجمود في العلاقة بين البلدين.

وجاء ذلك في إعلان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، يوم الأربعاء (4 ديسمبر 2019)، أن الولايات المتحدة والسودان يعتزمان تبادل السفراء، بعد انقطاع دام 23 عاماً.

ولفت إلى أن هذا القرار يُعد خطوة مهمة إلى الأمام في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، خصوصاً أن الحكومة الانتقالية التي يقودها مدنيون تعمل على تنفيذ الإصلاحات الواسعة بموجب الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري، الصادر في 17 أغسطس 2019.

وبيّن أنهم يتطلعون إلى العمل مع مجلس الشيوخ الأمريكي لإجازة تسمية سفير جديد لدى الخرطوم، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستظل شريكاً ثابتاً للشعب السوداني في سعيه لتحقيق السلام والأمن والازدهار والديمقراطية والمساواة.

وأشاد الوزير الأمريكي بشكل واضح بحمدوك في بيانه، قائلاً: إنه "منذ تعيينه قاد وأقام حكومة مدنية، وأجرى تغييرات أساسية في شؤون الموظفين للتخلي عن سياسات وممارسات النظام السابق"، منوهاً بأن الرجل أظهر التزاماً بمفاوضات السلام مع مجموعات المعارضة المسلحة، وأنشأ لجنة للتحقيق في أعمال العنف التي تعرض لها المتظاهرون، والتزم بإجراء انتخابات ديمقراطية في نهاية فترة الانتقال البالغة 39 شهراً.

من جهته رد حمدوك على الإعلان الأمريكي بتغريدة على "تويتر" أكد فيها أن توطيد العلاقات الدبلوماسية الدولية يُعتبر معلماً هاماً في خريطة التنمية، مضيفاً أنه "بعد انقطاع دام 23 عاماً، من العظيم أن نشهد بدء عملية تبادل السفراء بين السودان والولايات المتحدة"، وعدّها خطوة مهمة نحو إعادة بناء السودان.

ولم يلتقِ حمدوك بومبيو أو الرئيس دونالد ترامب؛ بسبب وجودهما خارج البلاد، لكنه اجتمع مع ديفيد هيل، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية، وعدد من المشرعين.

واحتفى المسؤولون الأمريكيون بشكل كبير برئيس الحكومة السودانية، وأعربوا عن ارتياحهم للتغيير الذي حدث في السودان، وتعهدوا بتقديم كل ما هو ممكن لمساعدة السودان لضمان نجاح الفترة الانتقالية.

زيارة ضرورية بتوقيت غير مناسب

وفي هذا الإطار يقول محمود زاهر الجمل، عضو الجبهة الوطنية للتغيير (تحالف يضم عدة تنظيمات وأحزاب سياسية وحركات تؤمن بضرورة التغيير بإعادة هيكلة الدولة السودانية)، إن زيارة حمدوك إلى واشنطن كانت ضرورية؛ "لأنه من المهم التعاطي مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب"، لكنه شدد في الوقت عينه على أن توقيت الزيارة "كان غير مناسب"، مستشهداً بأنه لم تكن هناك "لقاءات رفيعة المستوى مع الإدارة الأمريكية".

وعدّ "الجمل" في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، خطوة تبادل السفراء بين واشنطن والخرطوم بأنها "رمزية"، مشيراً إلى أنها "لم تغير شيئاً من المعطيات على الواقع".

وحول عدم اتخاذ الإدارة الأمريكية قراراً حاسماً بشطب السودان من لائحة داعمي الإرهاب بشكل فوري، أوضح السياسي السوداني أن واشنطن "لديها أجندة في بقية أنحاء السودان تريد أن تفرغ منها أولاً".

وأكمل قائلاً: "الولايات المتحدة أجندتها ليست خاصة بالعملية السلمية في السودان فحسب؛ بل متعلقه ببقية السودان ونظرتها إليه في المستقبل، ولذلك هي لا توضح مطالباها بصورة دقيقة".

وحول ما إذا كان وجود ترامب في سدة الرئاسة يؤثر على قرار رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أشار الجمل إلى أن ثقل الرئيس الأمريكي معلوم ومؤثر، لكنه تساءل في الوقت نفسه عن أن "هذا يعتمد على مدى اهتمامه بحسم قضية السودان أم يجعلها قضية مؤجلة أو معلقة".

وأكمل موضحاً: "إن تعامل ترامب معها كقضية معلقة فلن يكون هنالك تطور مفيد"، فيما رأى أن "التأثير سيكون كبيراً في حال تعامل ترامب معها تعاملاً أخلاقياً وفنياً".

تحديات متعلقة بالإرهاب

تصريحات الجمل توافقت مع ما قاله حمدوك على هامش زيارة واشنطن، عندما أكد لشبكة "بي بي سي" الأمريكية أنه يأمل أن ترفع الولايات المتحدة اسم بلاده من لائحة الدول الراعية للإرهاب قريباً.

و"الدول الراعية للإرهاب" هي تسمية تطلقها وزارة الخارجية الأمريكية على الدول التي تزعم الوزارة بأنها "قدمت مراراً وتكراراً الدعم لأعمال الإرهاب الدولي"، حيث إن الدول المدرجة في القائمة تفرض عليها عقوبات صارمة أحادية الجانب.

وقال حمدوك أيضاً، ضمن مؤتمر نظمه مركز أبحاث المجلس الأطلسي بالولايات المتحدة: إن "هذه القضية تعوق كثيراً من العمليات"، لكنّ المحادثات التي بدأت خلال الأشهر الأخيرة مع الأمريكيين "تتقدم بشكل جيد جداً"، مبيناً: "نحن نصل إلى تفاهم أفضل لهذا الملف بكل مرة نتحدث فيها معاً".

وأردف حمدوك، وهو دبلوماسي ومسؤول سابق في الأمم المتحدة وتلقى تعليمه في بريطانيا، أن القائمة السوداء كان لها تأثير ليس على الاستثمار فحسب ولكن أيضاً على الجهود المبذولة لتخفيف ديون السودان وعلى انفتاح البلاد بشكل أكبر.

وكانت وكالة "رويترز" نقلت عن مسؤول بالخارجية الأمريكية قوله، في نوفمبر 2019، إن واشنطن ربما ترفع السودان من القائمة، وإن البلدين لم تعد تجمعهما "علاقة عداء".

ورغم أن بعض المسؤولين الأمريكيين يبدون شيئاً من التعاطف مع الحكومة الانتقالية في السودان، لكنهم يقولون: إن "إزالة ذلك التصنيف هو عملية قانونية تستغرق وقتاً".

وتسبب النظام السابق، الذي كان متهماً بالارتباط بجماعات إسلامية "متطرفة" بالإضافة لحروبه الداخلية، وحملات القمع الممنهجة، بإبقاء السودان معزولاً في الساحة الغربية.

وشاب التوتر العلاقات بين الخرطوم وواشنطن منذ انقلاب البشير وتسلمه السلطة عام 1989، بالإضافة لاستقباله زعيم القاعدة، أسامة بن لادن، في الأراضي السودانية لفترة، ما فاقم الأمر.

وحرمت الولايات المتحدة سريعاً السودان من كافة القروض والمنح استناداً إلى الدستور االأمريكي القاضي بمنع تقديم مساعدات لأي بلد يحصل فيه انقلاب عسكري على حكومة ديمقراطية منتخبة.

وأضافت الحكومة الأمريكية السودان على قائمتها للدول الراعية للإرهاب عام 1993، استناداً إلى مزاعم بدعم البشير "الجماعات الإرهابية"، وهو تصنيف يجعل السودان غير مؤهل نظرياً للحصول على إعفاء من الديون وتمويل من صندوق النقد والبنك الدوليين.

وأدى استهداف السفارة الأمريكية في كل من كينيا وتنزانيا، في العام 1998، إلى تدمير الولايات المتحدة بهجوم صاروخي "مصنع الشفاء" للأدوية في السودان، متهمة إياه بتصنيع غاز للأعصاب، وهو ما نفته الخرطوم بشدة.

ورغم العقوبات الأمريكية التي فُرضت عام 1997، فإن العلاقات الأمريكية السودانية شهدت تعاوناً بعيد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، فقد عمل الجانبان على شكل واسع في مجال مكافحة الإرهاب، تلاه تعاون في مجال تحقيق السلام في جنوب السودان، انتهى بتوقيع نظام البشير على اتفاق سلام مع المتمردين في جنوب السودان برعاية من الإدارة الأمريكية، منح الجنوب فرصة الانفصال عن السودان في عام 2011.

ومع ذلك بقي اسم السودان ضمن لائحة "الدول الداعمة للإرهاب"؛ حيث بقيت المعايير الأمريكية تُجدد على الخرطوم للحصول على ذلك الهدف، لا سيما بعد اندلاع الحرب في دارفور واتهام النظام بإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.

لكن الحكومة الانتقالية التي جاءت بعد البشير تحمل آمالاً واسعة بإنهاء تلك التهمة، التي لا يمكن للسودان أن يتقدم أي خطوة في ظلها، بحسب تعبير المسؤولين الجدد، وتضاعف ذلك الأمل مع التلميح الأمريكي للتعاون، الذي يتوقع أن يكون في إزالة الخرطوم من اللائحة السوداء وتقديم الدعم المالي لها، لكن مع التردد الأمريكي لا يبدو أن التحرك سيكون قريباً.

مكة المكرمة