الرياض وتل أبيب.. المصالح تلقي بالتاريخ في سلّة المهملات

بن سلمان يعتبر واحداً من القائمين على تمرير صفقة القرن

بن سلمان يعتبر واحداً من القائمين على تمرير صفقة القرن

Linkedin
whatsapp
الجمعة، 23-03-2018 الساعة 12:05


تتصاعد وتيرة التقارب السعودي الإسرائيلي بشكل ملحوظ، في ظل محاولات ولي عهد المملكة تسويق نفسه كرجل سيعيد تشكيل سياسات بلاده الراسخة، استناداً لمبدأ "الصدمة" الذي بات أساساً لكل قراراته.

ومنذ إعلان قيام دولة الاحتلال قبل 70 عاماً، ترفض الرياض الاعتراف بتل أبيب، ولا تقيم معها أي علاقات على أي مستوى، غير أن الشهور الماضية كشفت وجود كثير من الاتصالات من تحت الطاولة، خاصة بعد إحكام ولي عهد المملكة محمد بن سلمان قبضته على البلاد، بمباركة أمريكية.

آخر ملامح هذا التقارب كان عبور طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الهندية، الخميس 22 مارس 2018، بالأجواء السعودية وهي في طريقها إلى مطار "اللد" الإسرائيلي، في سابقة هي الأولى، وقد لاقت الخطوة ترحيباً كبيراً من الجانب الإسرائيلي الذي اعتبرها مقدمة لخطوات أخرى أكبر.

وصول الطائرة الهندية إلى إسرائيل عبر الأجواء السعودية تزامن مع زيارة بن سلمان لواشنطن، وهي الزيارة التي يفترض أن تتم خلالها مناقشة أمور من بينها "صفقة القرن"، التي يقول الفلسطينيون إنها ستجهز على حقوقهم التاريخية في بلدهم، وأيضاً مشروع "نيوم" الذي يقول الإسرائيليون إنهم سيؤدون دوراً كبيراً فيه.

وقبيل زيارته التي بدأت الثلاثاء 20 مارس 2018، قال ولي العهد السعودي إنه متفائل بالسلام مع إسرائيل، وإنه لا يحب الوقوف أمام الأمور التي تثير التوتر، في إشارة إلى الاعتراف الأمريكي بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، والذي يوصف بأنه أولى الخطوات العملية لتهويد المدينة المقدسة.

اقرأ أيضاً :

شاهد: أول طائرة هندية تصل "إسرائيل" عبر أجواء السعودية

- بداية علاقات مدنية

حكومة الاحتلال اعتبرت تحليق طائرة الركاب الهندية في سماء المملكة وهي في طريقها لإسرائيل "خطوة تاريخية"، وقالت إنها "أول علاقة مدنية بين تل أبيب والرياض"، وإنها "تمهّد الطريق لتطوير العلاقات والتفكير بمشروع السكك الحديدية التي تربط ميناء حيفا بالسعودية ودول الخليج".

ولدى هبوط الرحلة الجوية الأولى نظم الإسرائيليون احتفالاً في مطار اللد، شارك فيه وزير المواصلات يسرائيل كاتس، ووزير السياحة ياريف ليفين، ومدير عام وزارة الخارجية أمير هليفي، إضافة إلى كبار المسؤولين في السفارة الهندية، ومدير عام المطار نفسه.

ووصف الوزير ليفين الحدث بـ"التاريخي". وقال إنه مسرور لأن الأمر من شأنه أن يزيد حركة السياحة. في حين قال كاتس: "إننا بصدد الحديث عن لحظة تاريخية، حيث إن أجواء إسرائيل ترتبط بأجواء السعودية في رحلة واحدة مباشرة".

وأضاف: "نحتفل مساء اليوم بتوطيد العلاقات مع الهند، وبالعلاقة المدنية الأولى مع السعودية ودول الخليج".

وتابع كاتس: "بعد التوقيع على اتفاقية الأجواء المفتوحة مع دول الاتحاد الأوروبي لم نتجرأ أن نحلم بفتح أجواء فوق دول عربية، وها هي طائرة إير إنديا تصل إلينا وللمرة الأولى منذ قيام الدولة، في مسار يمر فوق أجواء السعودية".

ورغم المؤشرات الكثيرة التي تعطيها هذه الخطوة، فإنها ليست الأولى في مضمار توطيد علاقات لم يكن أحد يجرؤ على التفكير في إقامتها؛ فقد سبق أن اجتمع مسؤولون سعوديون وآخرون إسرائيليون في القاهرة بوساطة مصرية، لمناقشة ملفات سياسية واقتصادية كمقدمة لعلاقات أكبر.

وفي أكتوبر 2017، أكد مسؤولون إسرائيليون كبار لوكالة "فرانس برس" أن ولي العهد السعودي زار تل أبيب العام الماضي لتسريع عجلة التطبيع، التي يعمل محور الرياض – أبوظبي بجد لوضعها في إطار رسمي معلن.

- علاقات قديمة مخفيّة

بيد أن الزيارة لم تمثل التنسيق الأول والوحيد بين الرياض وتل أبيب، إذ تشير تقارير صحفية غربية إلى أن البلدين يمتلكان تاريخاً طويلاً ومشتركاً من التعاون السري، في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وبعد سيطرة الملك الراحل عبد العزيز على كامل أراضي الجزيرة العربية عدا الشريط الساحلي، أحجم بأوامر بريطانية من القائد العسكري، غلوب باشا، عن المضي نحو الأردن وفلسطين، حيث كانت تستعر حرب طاحنة بين عصابات "الهاغانا" الإسرائيلية والفلسطينيين.

كما اختار الملك عبد العزيز التنازل عن المطالبة بكل الجزر التي تقع على خليج العقبة تجنباً للمواجهة مع إسرائيل، حيث انشغلت السعودية ببناء دولتها الوليدة عن مواجهة إسرائيل، أو حتى عن التعاون معها.

لكن الجمهورية المصرية التي أسسها الضباط الأحرار بعد إطاحتهم بالملك فاروق عام 1952، خلقت عدواً مشتركاً جديداً وقوياً للرياض وتل أبيب، وهو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان يحلم بإنهاء الملكية في السعودية بعد إنهائها في مصر ثم العراق.

لكن هذا التعاون تأخر إلى عام 1962 حينما قام عدد من ضباط الجيش اليمني بثورة ضد الحكم الملكي، حيث دعم عبد الناصر هذه الثورة وأرسل 70 ألف جندي مصري للقتال بجانب جيشها.

وعلى الجانب المقابل دعم السعوديون قوات القبائل الموالية للملك خفيةً، وكان لا بد من الاستعانة بخدمات سلاح الجيش الإسرائيلي المتطور حينها، حيث قام سرب الطيران الدولي الإسرائيلي رقم 120 بقيادة الطيار أرييه عوز بأكثر من 14 رحلة مروراً بالأراضي السعودية، وبالتنسيق مع السلطات السعودية التي تولى مهمتها رئيس الاستخبارات آنذاك وصهر الملك فيصل، كمال أدهم.

وعاد التنسيق بين البلدين اللذين لا يتمتعان بأي علاقات على المستوى الرسمي، مرة أخرى بعد انتصار ثورة الخميني في إيران، وظهور مصطلح "تصدير الثورة"، والذي كان يهدف من خلاله إلى تهديد أمن الساحل الخليجي العربي.

لكن عمليات التنسيق بقيت محدودة في مناطق الصراع في لبنان وفلسطين والعراق، وبمعرفة أمريكية، حتى الغزو العراقي للكويت مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث عمل السعوديون على إقناع إسرائيل والاجتماع مع مسؤوليها في نيويورك للالتزام بعدم الرد على ضربات الرئيس الراحل صدام حسين إلى حين تحرير الكويت.

وتنامت بعدها العلاقات التجارية "الخفيّة" بين رجال الأعمال السعوديين والمقربين من الأسرة الحاكمة وإسرائيل، كما غضّت السعودية الطرف حينها عن بعض المنتجات الإسرائيلية التي دخلت إليها بسبب حاجتها الاقتصادية لها.

وبعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001، وجد السعوديون أنفسهم بحاجة إلى التنسيق مع إسرائيل مرة أخرى، حيث تولى السفير السعودي في واشنطن آنذاك، الأمير بندر بن سلطان، مهمة التنسيق وربط الأجهزة الأمنية السعودية بالإسرائيلية والأمريكية لمواجهة تنظيم "القاعدة" والجماعات المدعومة من إيران في المنطقة الشرقية للمملكة.

ووصلت العلاقات السعودية الإسرائيلية بتنسيق من بن سلطان ذروتها عقب التنسيق الأمني للتعامل مع الملف الإيراني مع رئيس الموساد مئير داغان، لكن هذا التنسيق تعرض لهزّة بوصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، بالإضافة إلى ثورات الربيع العربي وإقالة داغان من منصبه في الموساد.

اقرأ أيضاً :

إنترسبت: كوشنر سلّم بن سلمان قائمة "الخونة" قبل اعتقالات "الريتز"

- مصالح مشتركة

وبعد انتهاء الجولة الأولى من ثورات الربيع العربي، وبدء ما سمي بـ"الثورة المضادة" في مصر، والتي انتهت بالانقلاب على محمد مرسي، تقاطعت الطرق الإسرائيلية–السعودية من جديد بالتنسيق حول تحسين صورة الانقلاب وسط دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

لكن الاتفاق النووي الإيراني الذي تم عام 2015، والذي رافقه صعود نجم محمد بن سلمان، حتّم تسريع العلاقات بين البلدين بدعوى مواجهة عدو مشترك يتمثل في إيران، حيث التقى اللواء المتقاعد، أنور عشقي، المستشار السابق لرئيس الاستخبارات السعودية، عدداً من المسؤولين الإسرائيليين المقربين من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وعلى رأسهم المدير العام لوزارة الشؤون الخارجية الإسرائيلية، دوري غولد. ولم تكن لقاءات عشقي الأولى من نوعها.

وأسس محمد بن سلمان جماعة ضغط سعودية في أمريكا سميت باسم "سابراك"، برئاسة أحد الصحفيين المقربين منه هو سلمان الأنصاري، والذي نشر على الفور مقالة في صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، قال فيها إن وجود إيران كعدو مشترك يحتّم على إسرائيل والسعودية أن تعجلا بتطبيع العلاقات، وتأسيس رابطة متينة وقوية بينهما، مؤكداً استعداد ولي العهد شخصياً لإقامة علاقات دائمة مع إسرائيل.

ولم يكتف اللوبي السعودي في واشنطن بمغازلة إسرائيل والتقرب منها علناً، بل دعا إلى تنظيم ندوات تنسيقية وأمنية بين البلدين؛ ممَّا يوحي بأن هدف تأسيس جماعة الضغط هذه كان افتتاح قناة تواصل رسمية بين الطرفين في واشنطن، دون التعرض لضغوط شعبية.

وحالياً فإن بن سلمان يعتبر واحداً من القائمين على تمرير صفقة القرن، من خلال تعاونه الوثيق مع مستشار وصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر. وتشير تقارير كثيرة إلى تعرض السلطة الفلسطينية لضغوط كبيرة من عواصم عربية هامة للقبول بالصفقة.

وفي الأزمة الخليجية الأخيرة اتخذت إسرائيل جانب دول الحصار، واتهمت قطر بدعم الإرهاب، وأغلقت مكتب قناة "الجزيرة" في رام الله، وألغت تصاريح صحفييه، على غرار ما فعلته هذه الدول.

وشهدت الشهور الأخيرة حملة إعلامية كبيرة ومنظمة للترويج للتطبيع، ودخلت المؤسسة الدينية على الخط، ووصم مفتي البلاد عبد العزيز آل الشيخ، في نوفمبر 2017، حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالإرهاب، وحرّم قتل الإسرائيليين.

مكة المكرمة