الدول لا تقاس بحجمها.. حقيقة أكدها "كورونا" مع دول الخليج

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/X8xqKk

اتخذت دول الخليج إجراءات حاسمة للسيطرة على المرض

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 20-04-2020 الساعة 20:31

لم تقف جائحة "كورونا" عند حد كشف الهشاشة الصحية والمالية للدول فحسب، لكنها كشفت أيضاً هشاشة سياسية وأخلاقية لدول كان يُفترض أنها مستعدة لمجابهة التحديات.

لقد تحوَّل الفيروس من تهديد صحي للشعوب إلى تهديد وجودي لكثير من الأنظمة، بل النظم السياسية؛ بعدما عصف بمعتقدات سياسية عتيدة وضرب مراكز قوة دولية.

شهران فقط قضاهما الفيروس متجولاً في البلاد، فهدم خلالهما مسلّمات ظن البعض أنها غير قابلة للهدم، وكشف حقيقة أن الدول لا تقاس بالمساحات، كما قال وزير خارجية قطر الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني.

لقد أتى الوباء على أخضر البلاد ويابسها، روحها ومادتها، قدراتها ومقدَّراتها، فكرَّس مفهوماً لطالما أنكره أو تنكر له كثيرون، وهو أن الدول الكبيرة هي تلك القادرة على إدارة الأزمات الكبيرة.

دروس سياسية وأخلاقية

درس آخر علَّمه "كورونا" للعالم، وهو أن الأزمات المصيرية تكشف أخلاق الناس، وكذلك الدول. فبينما كانت الولايات المتحدة (قائدة العالم) تسطو على شحنات المستلزمات الطبية، كانت الطائرات تقلع من عواصم خليجية محملة بالمساعدات للدول المنكوبة.

لقد ضربت دول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما دولة قطر، مثالاً على كيفية مواجهة الأزمات الكبرى عبر تعاطيها مع الجائحة داخلياً وخارجياً، بعدما تمكنت من مجابهة الواقع السيئ والمعقد والباعث على الأنانية، لثبتت حقيقة أن حجم الدولة إنما يقاس بحجم دعمها لنفسها وللآخرين.

فمنذ اللحظة الأولى، مدَّت دول مجلس التعاون يد العون لغيرها من الدول المنكوبة، سواء التي تختلف معها سياسياً مثل إيران، أو التي وقفت على حافة السقوط بعدما خذلها الجيران والحلفاء وذوو الأرحام، مثل إيطاليا، بل ساعدت دولاً كبرى مثل أمريكا والصين.
.

وعلى المستوى الداخلي، اتخذت حكومات الخليج إجراءات سريعة وفاعلة لمواجهة التداعيات الاقتصادية والصحية والاجتماعية الناجمة عن انتشار الفيروس؛ وذلك من خلال خطط وإجراءات نجحت إلى حد كبير في تخفيف هذه التداعيات.

ففي دولة قطر، أقرت الحكومة خطة لدعم المؤسسات الخاصة، تضمنت تأجيل أقساط القروض المستحقة والفوائد المترتبة عليها للقطاعات المتضررة لمدة 6 أشهر، بغية تخفيف الأعباء التي فرضتها الظروف على هذه المؤسسات.

ووقعت الحكومة عقوداً مع 14 شركة لرفع مخزون البلاد الاستراتيجي من المواد الغذائية والاستهلاكية، كما سارعت لإنشاء مرفقين صحيين بسعة تجاوزت 4600 سرير كخطوة أولى تستهدف الوصول لقدرة استيعابية تصل إلى 18 ألف سرير.

وضمن الإجراءات الوقائية، استخدمت الحكومة القطرية روبوتاً أمنياً، أطلقت عليه اسم "العساس"؛ لتوفير التوعية المجتمعية بشأن منع التجمعات، وضبط المخالفين.

وفي سلطنة عمان، قلصت الحكومة عدد الموظفين في الخدمات الحكومية إلى 30% من إجمالي العاملين وأحالت الباقين إلى العمل عن بعد، وذلك ضمن سلسلة إجراءات للحد من التجمعات.

كما دعمت الحكومة القطاع الصحي والمصرفي بالتزامن مع تشديد الإجراءات الهادفة إلى الحد من انتشار الوباء، وهي الخطة التي وصفتها شبكة "المجلس الأطلسي" الأمريكية بأنها "مثيرة للإعجاب".

وأقرت عُمان، منتصف الشهر الجاري، حزمة تسهيلات تهدف إلى دعم القطاع الخاص والقوى العاملة. وألزمت اللجنة العليا المكلفة بحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا في عمان، مؤسسات وشركات القطاع الخاص بالمحافظة على استمرار عمل القوى العاملة العمانية، وعدم إنهاء خدماتها.

أما في البحرين، فقد سارعت الحكومة لتقليص تداعيات الأزمة داخلياً من خلال خطة مالية بقيمة 4.3 مليارات دينار (الدولار يساوي 2.66 دينار). وتشمل الخطة تخصيص 215 مليون دينار لدفع رواتب المواطنين العاملين بالقطاع الخاص من خلال صندوق التعطل للأشهر (أبريل ومايو ويونيو).

كما تكفلت بفواتير الكهرباء والماء للمشتركين كافة من الأفراد والشركات خلال الأشهر الثلاثة، وكذا إعفاء المؤسسات التجارية من الرسوم البلدية، وإعفاء المؤسسات الصناعية والتجارية من رسوم استئجار الأراضى الصناعية الحكومية، وإعفاء المنشآت والمرافق السياحية من رسوم السياحة.

وطبَّق بنك البحرين المركزي خطة لرفع قدرة الإقراض لدى البنوك بما يعادل 3.7 مليارات دينار، لتمكين البنوك من التعامل بمرونة مع الأزمة.

وتستهدف الخطة دعم طلبات إرجاء الأقساط، أو التمويل الإضافي، وإعادة توجيه برامج صندوق العمل "تمكين" للشركات المتأثرة من الأوضاع، وإعادة هيكلة القروض بالتعاون مع البنوك بقيمة إجمالية تقدَّر بـ60 مليون دينار.

وفي السعودية -أكبر المتضررين بانخفاض أسعار النفط باعتبارها تتزعم "أوبك"، خصصت الحكومة 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، لدعم القطاع الخاص. كما أقرت تدابير اقتصادية بقيمة تقارب 32 مليار دولار، للحد من تداعيات هبوط أسعار النفط وتفشي فيروس كورونا.

وتضمنت الحزمة، بحسب ما أعلنه وزير المالية السعودي محمد الجدعان، تقديم أكثر من 13 مليار دولار للبنوك والمؤسسات المالية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. كما تضمنت تعليق تحصيل رسوم الجمارك على المستوردات لمدة ثلاثين يوماً.

وفي الإمارات، قدَّم مصرفها المركزي خطة دعم اقتصادي شاملة بقيمة 100 مليار درهم (27 مليار دولار) لدعم البنوك والشركات في البلاد، حيث تضررت قطاعات اقتصادية حيوية مثل السياحة والنقل.

وأرسلت أبوظبي طائرتين محملتين بـ32 طناً من الإمدادات الطبية، من ضمنها قفازات واقية وكمامات، إلى إيران؛ وذلك لدعم جهودها في مكافحة الفيروس.

عمليات إجلاء

جانب آخر من جوانب الأزمة تمثَّل في إعادة مواطني الدول الخليجية العالقين في الخارج بسبب توقف الطيران، وهو ما كشف اهتمام كل حكومة بمواطنيها.

ففي أواخر فبراير الماضي، وجَّه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بإجلاء المواطنين القطريين والكويتيين والبحرينيين العالقين في إيران التي اجتاحها الوباء.

وعرضت الحكومة القطرية إجلاء البحرينيين العالقين في مطار حمد الدولي مجاناً بعد أن أخضعتهم للفحص والحجر الصحي على نفقتها، لكن الحكومة البحرينية أرسلت طائرة من طرفها لإجلائهم، بسبب الخلاف السياسي مع الدوحة.

الكويت أيضاً أولت عملية إجلاء مواطنيها العالقين في الخارج وتوفير سبل الحماية في الداخل أهمية قصوى، حيث أعلن المتحدث الرسمي للطيران المدني سعد العتيبي، بدء رحلات عودة المواطنين من الخارج للمرحلة الأولى من 19 إلى 21 أبريل.

فكر جديد

كان لافتاً أن أزمة "كورونا" دفعت حكومات الخليج إلى العمل على تحديد أولويات عمل مشترك جديدة لتوفير الدواء والغذاء، في خضم تداعيات "كورونا" الكارثية على قطاعي الاقتصاد والصحة العالميَّين. وعلى وقع الأزمة، ظهرت أطروحات تعكس وجود رغبة في لمِّ الشمل وتجاوز الخلاف والاستفادة من الأحداث.

وفي هذا الإطار، وافق مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الخميس 16 أبريل الجاري، على مقترح قدمته الكويت يقضي بإنشاء شبكة أمن غذائي متكاملة تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي للبلدان الستة.

ونقلت وكالة الأنباء الكويتية "كونا" عن وزارة التجارة في البلاد، قولها إن الدول الأعضاء كلفت الأمانة العامة للمجلس الدراسة الفنية للمقترح، وإقرار موافقة نهائية عليه عند إنجازها.

وعلَّق وزير خارجية قطر الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، على القرار بقوله: إن صدوره عن الكويت "أمر يدعو إلى التفاؤل". وسبق أن طرح الشيخ حمد أيضاً فكرة إنشاء مخزون دوائي وتوطين صناعة الدواء في دول مجلس التعاون.

وحتى اللحظة، يمكن القول إن دول مجلس التعاون الخليجي في العموم أظهرت كفاءة في ملفات مهمة تتعلق بمواجهة تداعيات "كورونا"، مثل الدواء والغذاء وإجراءات الحد من انتشار المرض.

مكة المكرمة