الأساطيل العسكرية والتلوث.. مخاطر تعكر صفو المحيط الهادئ

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/155j4k

أجرت موسكو وبكين مناورات مشتركة في مياه المحيط الهادئ، الشهر الماضي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 24-07-2019 الساعة 19:35

يشهد المحيط الهادئ تنامياً في وتيرة التوترات، واحتداماً للصراع الدولي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، بسبب المساعي المحمومة للسيطرة والنفوذ في المياه الدولية. وتدعم الدول الثلاث قدراتها العسكرية ووجودها في المحيط، وهو الأمر الذي يثير مخاوف من حدوث نزاع في المنطقة.

وفي الوقت ذاته، تعكر هدوءَ المحيط وسكينته الأنباءُ المتواترة عن ارتفاع مستويات التلوث فيه إلى أرقام قياسية حذرت منها عديد من التقارير والمعلومات التي تصدرها الهيئات الدولية، وهو ما أكدته الأمم المتحدة، مشيرة إلى وجود مخاطر تلوث نووي تهدد الأمن والسلام البيئي العالمي، بسبب مقبرة نفايات نووية استخدمتها الولايات المتحدة للتخلص من مخلفات تجاربها النووية خلال القرن العشرين، ويهدد انهيارها بحصول كارثة عالمية في حال خروجها عن السيطرة.

وفي هذا الإطار تستعرض واشنطن وموسكو وبكين أساطيلها وقدراتها العسكرية في عرض المياه الدولية للمحيط، وهو استعراض لا يخلو من احتكاكات بينها وحوادث بين فترة وأخرى.

وفي هذا السياق تحرشت سفينة أمريكية بمدمرة روسية، وكادت تصطدم بها يوم 7 يونيو الجاري، بحسب وكالة الأنباء الروسية.

ونقلت الوكالة عن متحدث باسم الأسطول الروسي في المحيط الهادئ، لم تسمه، قوله: إن "السفينة الأمريكية (تشانسلورزفي)، التي تحمل صواريخ موجهة، اقتربت لمسافة 50 متراً فقط من المدمرة الروسية (أدميرال فينوجرادوف) التي اضطرت إلى اتخاذ إجراء طارئ، لتجنُّب الصدام".

ووصف المتحدث مناورة السفينة الأمريكية بـ"الخطيرة"، معتبراً أن "تلك المناورة غير الآمنة كادت تتسبب في تصادم بين القطعتين الحربيتين في بحر الصين الشرقي".

وكانت موسكو وبكين أجرتا مناورات مشتركة في مياه المحيط الهادئ مطلع مايو الماضي، نفذت خلالها سفن مشتركة تدريبات رماية بالذخيرة الحية ضد أهداف بَحرية وجوية.

وقال المكتب الإعلامي للأسطول الروسي بالمحيط الهادئ، في بيان صادر يوم 5 مايو الماضي: إن "السفن الحربية لكلا البلدين أطلقت نيران المدفعية على أهداف بَحرية تدريبية، قبل استهداف طواقمها مجسماتٍ لسفن وطائرات العدو المفترض".

وبحسب البيان، "انطلقت المرحلة البحرية من التدريب الروسي الصيني تحت اسم (التعاون البحري-2019)، يوم 1 مايو، في ميناء تشينغداو الصيني على شاطئ البحر الأصفر، بهدف تحسين إدارة العمليات المشتركة في البحر، وتطوير قدرة أسطولي البلدين على التصدي المشترك للتحديات الأمنية".

استعراض قوة

التحركات الروسية الصينية دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استعراض قوة بلاده العسكرية بالمحيط، خلال زيارته لليابان في 28 مايو الماضي.

وعلى متن سفينة "يو إس إس واسب" الحربية الرابضة في قاعدة "يوكوسوكا" البحرية الأمريكية، قال مخاطباً 800 عسكري أمريكي: "إنكم أكثر المحاربين الأمريكيين إثارة للرعب في هذا الجانب من المحيط الهادئ".

وأضاف: "لدينا معدّات وصواريخ وقذائف ودبابات وطائرات وسفن، لا أحد في العالم كله يستطيع أن يبنيها كما نفعل نحن؛ إنهم حتى ليسوا قريبين من ذلك"، مستدركاً: "تعرفون ما الذي أتكلم عنه"، واعتبر المراقبون أن الرئيس الأمريكي يقصد بكلمته روسيا والصين.

وتابع ترامب في كلمته لجنود البحرية: "إنكم تواجهون في هذه المنطقة تحديات أمنية ملحَّة بشجاعة لا مثيل لها، وتُجرون بفخر دوريات في مياه المنطقة".

وأكد أنه "ليس للولايات المتحدة نية أن تخسر مركزها الريادي في العالم، فهي ستبقى الأولى إلى الأبد".

أسعد إسماعيل شهاب، الخبير العسكري، يرى أن أي خطأ بين الأساطيل التي تتزاحم في المحيط الهادئ يمكن أن يكون شرارة تُشعل حرباً لا تحمد عواقبها، معتبراً المناورات بين الجيشين الصيني والروسي إيذاناً بميلاد تحالف شرقي يشبه "حلف وارسو".

وأضاف شهاب، المدرس السابق بكلية الأركان العراقية، في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "هذا الحلف مؤشر على دورة جديدة في العلاقات الدولية يطبعها التوتر والاصطفاف، خصوصاً إذا انضمت إليه دول أخرى متضررة من سياسات ترامب"، مشيراً إلى أن "مسرح عمليات هذا الحلف سيكون بمنطقة الشرق الأوسط ومناطق النفوذ التقليدي لكل من روسيا والصين، خاصة في آسيا والمحيط الهادئ".

وتابع: "خلال السنوات الخمس الماضية تطورت العلاقات الصينية الروسية، متجاوزةً الصراع التاريخي والجيواستراتيجي والتنافس بينهما، ليصل إلى مرحلة التنسيق السياسي في عديد من القضايا الإقليمية والدولية".

شهاب اعتبر أن "التعاون الصيني الروسي العسكري بلغ مرحلة التنسيق العسكري، حين أجرى الجانبان العام الماضي، المناورات الأكبر في تاريخهما وأطلقا عليها اسم (فوستوك 2018)، وهي الأكبر التي تجريها روسيا منذ عهد الاتحاد السوفييتي السابق، حيث شارك فيها 300 ألف عسكري إلى جانب أسطول المحيط الهادئ والأسطول الشمالي وقوات الإنزال الروسية بالكامل".

ويرى الخبير العسكري أن "انشغال أمريكا بالشرق الأوسط، وحروب غزو العراق وأفغانستان، جعل ديناميكية القوة العظمى في المحيط الهادئ تتغير؛ وهو ما دفع روسيا والصين إلى تعزيز قدراتهما العسكرية في المنطقة. ورغم أن احتمال نشوب حرب ضعيف، فإن أي خطأ يمكن أن يُشعل أزمة قد تتطور إلى حرب".

وختم شهاب حديثه بالقول: "لذلك فإن دخول الولايات المتحدة في حرب جديدة بمنطقة الشرق الأوسط مع إيران في هذا التوقيت، سيمنح الفرصة لانطلاق هذا الحلف بقوة أكبر، مشكِّلاً عالماً ثنائي القطبية، وهو ما لا تريده واشنطن؛ لذلك لا تريد المؤسسة العسكرية الأمريكية حرباً مع طهران".

تلوث يهدد العالم

على صعيدٍ آخر، تهدد مخاطر التلوث البيئي الدول المتشاطئة للمحيط والعالم، حيث يموت 7 ملايين شخص في العالم سنوياً بسبب التلوث، 4 ملايين منهم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة.

وتتنوع مخاطر التلوث المحدقة بالمحيط الهادئ ما بين مسبّبات الاحتباس الحراري، وتلوث الهواء، وملايين الأطنان من المخلفات والنفايات التي تُلقى فيه، إلا أن أخطر ما يهدد الحياة فيه حالياً، ويمتد أثره إلى البيئة العالمية بأَسرها، خطر التلوث الإشعاعي الناتج عن مخلفات التجارب النووية التي أجرتها الولايات المتحدة على مدار القرن العشرين.

وكانت أمريكا شيَّدت قبَّة صخرية في سبعينيات القرن الماضي، بجزيرة "إنيويتاك" المرجانية، التابعة لجمهورية "جزر مارشال"، حين كانت تحت إدارتها، بهدف إلقاء النفايات الناتجة عن التجارب النووية فيها.

ورُميت التربة المشعة والرماد الناتج عن 67 تجربة نووية بين عامي 1946 و1958، في حفرة وغُطيت بقبَّة إسمنتية بسُمك 45 سنتيمتراً، ولأن القبة كانت حلاً موقتاً لم يعالج قاع الحفرة؛ تسربت النفايات إلى المحيط، كما حدثت شقوق في الإسمنت بسبب تعرُّضه للإشعاع النووي، وهو ما أثار مخاوف عالمية من احتمال تفكك القبة وحدوث كارثة عالمية.

وقد حذَّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 16 مايو الماضي، من تسريب القبة للمواد المشعة في المحيط.

ووصف غوتيريش، خلال جولة له جنوبي المحيط الهادئ، لزيادة الوعي بقضايا تغيُّر المناخ، القبة بأنها "تشبه النعش"، وقال في إشارة إلى التفجيرات النووية: "كان المحيط الهادئ ضحية في الماضي كما نعلم جميعاً". وأضاف: إن "التاريخ النووي للمحيط لا يزال في حاجة إلى معالجة".

تامر أبو عفيف، الناشط في حزب الخضر الهولندي، أكد أن بداية تسرُّب إشعاعي من القبة الصخرية رُصدت مؤخراً في بيئة المحيط الهادئ، وهو ما دعا المدافعين عن البيئة إلى دق ناقوس الخطر.

وقال أبو عفيف لـ"الخليج أونلاين": إن "تعرُّض القبة الصخرية لزلزال أو إعصار سيؤدي إلى انهيارها؛ ومن ثم تسرُّب آلاف الأطنان من المخلفات المشعة في مياه المحيط، زالتي ستسبب كارثة بيئية أضعاف ما خلَّفته كارثة مفاعل تشرنوبيل الروسي".

وأشار إلى أن "مشكلة هذا التلوث أنه لا يُرى ولا يُشم ولا يُحَس به، كما أنه يتسرب إلى الإنسان والكائنات الحية بسرعة كبيرة".

وأضاف: إن "المشكلة الأكبر هي أن هذا التلوث ينتشر بسرعة هائلة، من خلال الرياح والسحب كما حدث بانفجار تشرنوبيل، حيث أطلق سحابة من الغبار النووي خيَّمت فوق الأجزاء الشمالية من أوكرانيا وبولندا، ثم ظهرت فوق فنلندا والسويد والنرويج والدنمارك، وبعد أربعة أيام حملت الرياح السحابة إلى ألمانيا وفرنسا ووسط أوروبا".

وأكد أبو عفيف أن "رسالة رُفعت إلى الأمين العام للأمم المتحدة، تحمل توقيع عشرات من المؤسسات والمدافعين عن البيئة، طالبته بتحميل الولايات المتحدة المسؤولية عن تدارك الأمر بحلول عاجلة تُجنِّب العالم كارثة لا يمكن توقُّع مداها"، مشيراً إلى أن "معالجة المشكلة تتطلب موارد مادية كبيرة وقدرات فنية لا تتوافر إلا لدى أمريكا".

وانتقد الناشط البيئي الأوروبي موقف غوتيريش، بسبب اكتفائه بالحديث عن حجم المشكلة دون طرح المعالجات، وقال بهذا الخصوص: إن "الأمين العام للأمم المتحدة تحدَّث عن تسبب أمريكا في المشكلة، لكنه لم يحمّلها مسؤولية تدارك آثارها، ولم يتحدث عن كيفية معالجة المشكلة وتجنُّب وقوع الكارثة".

يشار إلى أن العالم عاش أزمة تلوث إشعاع نووي في أبريل 1986، بانفجار مفاعل تشرنوبيل الروسي في مدينة "بريبيات" الأوكرانية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون شخص تعرضوا لهذه الإشعاعات، بالإضافة إلى التسبب في عشرات الآلاف من الوفيات، ولا تزال آثاره البيئية قائمة وقيد الدراسة من قِبل الجامعات العالمية المتخصصة.

مكة المكرمة