إقليم الصحراء.. محاولة مغربية للتوسّع وإنهاء نزاع الـ40 عاماً

"التفاوض سيعرف تقدماً خلال هذه المرحلة"

"التفاوض سيعرف تقدماً خلال هذه المرحلة"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 19-09-2017 الساعة 21:51


تعتزم السلطات المغربية إنشاء ميناء إقليمي في إقليم الصحراء المتنازع عليه، وذلك في ظل عملية التنمية التي تنفّذها هناك، رغم الخلاف القائم منذ أربعة عقود بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تسعى لحكم الإقليم ذاتياً.

وقال وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، الثلاثاء 19 سبتمبر 2017، إن بلاده تعتزم تشييد ميناء في مدينة الداخلة جنوبي الإقليم، بميزانية 642 مليون دولار، لكنه لم يحدد مواعيد دقيقة للبدء في المشروع، بحسب وكالة الأنباء المغربية الرسمية.

وتُبرز المشروعات التي يقيمها المغرب في إقليم الصحراء مدى تمسّكه به، وعدم استعداده للتخلّي عنه بشكل كامل، كما أنها تعكس إصراره على إثبات السيادة الدائمة عليه، برأي خبراء.

ونظراً لعمقها الاستراتيجي، حظيت الداخلية بـ 136 مشروعاً ضمن البرنامج التنموي، بكلفة إجمالية تقارب 18.1 مليار درهم (1.9 مليار دولار)، بحسب الوزير.

وإقليم الصحراء (الصحراء الغربية) هو منطقة متنازع عليها بين المغرب، الذي يسيطر على 80% من مساحة الإقليم، البالغة 26 ألف كيلومتر مربع، وبين جبهة البوليساريو، التي تسيطر على بقية مساحة الإقليم.

ويقع الإقليم شمال غرب أفريقيا، وتحدّه الجزائر من الشمال الشرقي، وموريتانيا من الجنوب، والمغرب من الشمال، وأكبر مدنه هي العيون، ويتمركز فيها عدد كبير من السكان.

وقد أنشأ المغرب في العام 1980 جداراً أمنياً في الصحراء، على طول 1200 كم؛ لحماية مناطقه التي تضم معدن الفوسفات وغالبية السكان من هجمات البوليساريو.

وتعود فصول الأزمة التي رهنت وما زالت ترهن المنطقة المغاربية، إلی ما قبل انسحاب الاحتلال الإسباني، الذي كان يتقاسم النفوذ علی المنطقة مع نظيره الفرنسي من الصحراء الغربية في العام 1975.

ولطالما طالب المغرب باسترجاع الإقليم باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أراضيه التي تقاسمت استعمارها كلّ القوی الإمبريالية في حقبة الاحتلال.

وخلال المفاوضات الإسبانية مع المغرب، طالبت موريتانيا بجزء من الصحراء، بينما طالبت "جبهة البوليساريو"، وهي الحركة التحريرية التي تأسّست في 20 مايو 1973، بإقامة دولة جديدة منفصلة في الصحراء الغربية.

- أزمة قديمة

وبدأ النزاع حول إقليم الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحوّل النزاع بين المغرب و"البوليساريو" إلى نزاع مسلّح، استمرّ حتى عام 1991، وتوقف بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.

وفي فبراير 1976، أعلنت جبهة البوليساريو قيام ما يعرف بـ "الجمهورية العربية الصحراوية"، من طرف واحد، وقد اعترفت بها بعض الدول بشكل جزئي، لكنها ليست عضواً في الأمم المتحدة.

وتصرّ الرباط على أحقيّتها في إقليم الصحراء، ومن أجل الحل تقترح حكماً ذاتياً موسّعاً تحت سيادتها، بينما تطالب البوليساريو بتنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم، وهو طرح تدعمه الجزائر، التي تؤوي النازحين الفارين من الإقليم بعد استعادة المغرب له إثر انتهاء الاحتلال الإسباني.

الباحث في العلاقات الدولية، محمد لحريري، يقول إن المشكلة مفتعلة وتحمل طابعاً استراتيجياً بامتياز، مضيفاً: "إسبانيا الدولة الاستعمارية السابقة للمنطقة، والتي ما زالت تحتل أجزاء من شمال المغرب (سبتة ومليلية والجزر الجعفرية) ليس من مصلحتها إنهاء هذا الصراع؛ لأنه سيزيد ولا شك من مطالبة المغرب بأراضيه المحتلة في الشمال".

كما أن الجزائر، التي تحتضن البوليساريو علی أراضيها، لا تريد هي الأخرى إنهاء النزاع لصالح المغرب؛ لكون هذا إذا ما حدث سيزيد من زعامة المغرب في المنطقة، ويكسبها نقاطاً أخری علی حسابها، خاصة مع انفراد المغرب بمراقبة الصحراء، بحسب لحريري.

- دور أوروبي

وفي حديث لـ "الخليج أونلاين"، يضيف الباحث المغربي: "المغرب بات شريكاً أساسياً في المعادلة الأمنية الأوروبية، ما يجعل من الفرقاء الشماليين للحوض المتوسط مستعدّين للقبول بالطرح المغربي حول تمتيع منطقة الصحراء بالحكم الذاتي، أو علی الأقل إبقاء الوضع على ما هو عليه، خاصة مع الدور المغربي الرائد في مكافحة الإرهاب بالمنطقة".

ويرى لحريري أن "أي اختلال في المعادلة القائمة من شأنه أن يزيد من التحديات الأمنية القائمة بهذه المنطقة، خصوصاً مع تزايد ظاهرة عدم الاستقرار التي تواجهها جل دول جنوب المتوسط، والتي تؤثر مباشرة في الوضع الأمني الأوروبي".

ويعتقد أن "الجبهة تحاول اللعب علی أوتار بائسة؛ من قبيل المحاولة التي باءت بالفشل، والمتمثلة في محاولة احتجاز سلطات ميناء "بورت إليزابيث" في جنوب أفريقيا سفينة فوسفات وهي محمّلة بـ 54 ألف طن من الفوسفات المغربي، متجهة إلى نيوزيلندا، بعد شكوى تقدمت بها جبهة البوليساريو.

وتابع: "هذا الأمر سبقه سقوط أطروحة الجبهة بشأن ما تسميه الجبهة الأراضي المحررة، بعد أن اضطرت للانسحاب من منطقة الكركرات، التي لو كانت محررة كما ادعت الجبهة ذلك لما انسحبت منها".

وتشرف الأمم المتحدة على مفاوضات بين المغرب والبوليساريو؛ بحثاً عن حل نهائي للنزاع حول الإقليم، منذ توقيع الطرفين الاتفاق.

اقرأ أيضاً :

المسيحيون المغاربة.. كنائس سرية واتهامات بالتبشير

وتبدو العديد من الأوراق اليوم في صالح الطرح المغربي لحل الأزمة، بدءاً من تأييد الإدارة الأمريكية الجديدة لتسوية النزاع بشكل سلمي، مروراً بالوضع الإقليمي الذي لا يحتمل أزمات جديدة، وتراجع عدد المعترفين بـ "الجمهورية الصحراوية"، وانشغال الجزائر بمشكلاتها الداخلية.

غير أن القضايا التي تشغل العالم حالياً، وهي كثيرة وكبيرة، قد لا تجعل من حل قضية الصحراء أولوية للأمم المتحدة، كما أن الحل في إطار المنظمة الأفريقية هو أمر غير وارد وغير مطروح، علی الأقل في الوقت الحالي. كما أن أي تغيير في الوضع القائم من الممكن أن يزيد من أزمة المنطقة، خاصة علی المستوی الأمني، ما يجعل مصير النزاع غامضاً، بحسب لحريري.

من المفترض أن يبقى الوضع حالياً كما هو عليه، برأي الباحث المغربي، خصوصاً مع عدم القدرة علی إرضاء جميع المتدخّلين في النزاع؛ لتعدّدهم وتضارب مصالحهم، وتعدّد مخاوفهم الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.

إسبانيا أيضاً باتت تواجه أطروحة انفصال إقليم "الباسك"، في حين تزداد مكانة المغرب في أفريقيا والشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، وكل هذا يوحي بأن المغرب قاب قوسين أو أدنی من حلٍّ للأزمة في إطار طرحه المؤسّس علی تنمية المنطقة في ظل تمتيعها بحكم ذاتي.

في 28 أبريل 2017، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2351، والذي يشدد على ضرورة بناء توافق سياسي مبنيّ على الواقعية وروح التوافق بين الأطراف.

في أغسطس 2017، عُيّن الرئيس الألماني السابق، هورست كوهلر، مبعوثاً خاصاً لأمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في إقليم الصحراء، لإحداث اختراقات في النزاع.

ولا يُنتظر أن يقوم الوسيط الأممي بتحقيق اختراق كبير في الملف؛ لأن الإطار الأممي ضيّق مجال التفاوض، كما أن الارتباك والتردّد والانتكاسات التي يتعرّض لها مشروع الدولة الديمقراطية في المغرب يجعل من الصعوبة إحداث اختراقات حقيقية في الملف، بحسب الخبير المغربي في نزاع الصحراء، عبد المجيد بلغزال.

ويشير الخبير إلى أن ضمان مشاركة فعالة ومكثّفة للسكان في العملية الديمقراطية، وضمان حقوق الإنسان في المغرب، مدخل أساس لحل قضية إقليم الصحراء؛ من خلال مقترح المغرب؛ القاضي بتمكين الإقليم من الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية.

أما الخبير في القانون الدولي، صبري الحو، فيرى أن "العهد الجديد" في تدبير هذا النزاع ستكون سمته "الواقعية"، سواء فيما يتعلق بغوتيريش، أو مبعوثه كوهلر، لافتاً إلى أن تقرير الأمين العام حول الصحراء، الصادر في وقت سابق، والذي دعا فيه إلى "التحلّي بالواقعية" لحل النزاع.

وفي تصريحات صحفية، أكد الحو أن هذا النزاع "سيتجه نحو الحل في المرحلة المقبلة؛ نظراً لاتحاد التصوّرات، واتحاد فهم الأطراف المكلّفة بالتفاوض، ولكون مجلس الأمن عبّر عن أن الحل هو حل سياسي".

وخلص إلى أن التفاوض سيعرف تقدّماً خلال هذه المرحلة؛ لكون شروطه ستكون قائمة، وأن العمل سينصب على إزالة كل العوائق التي تحول دون ذلك.

مكة المكرمة