أحداث لبنان تنذر بعودة الحرب الأهلية.. هل يخمدها اتفاق طائف جديد؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/vzxyV8

اتفاق الطائف نجح في وقف الحرب الأهلية بلبنان عام 1990

Linkedin
whatsapp
الخميس، 14-10-2021 الساعة 21:30

- ما أحدث تطورات الأزمة الأمنية في لبنان؟

تبادل إطلاق النار بين مسلحين لحزب الله وحركة أمل تسبب بمقتل 6 أشخاص وإصابة 16 آخرين.

- ما سبب إطلاق النار؟

  • تجمع لأنصار حزب الله وحركة أمل لإبعاد القاضي طارق البيطار، عن تحقيقات قضية مرفأ بيروت.
  • مسلحون من أنصار حزب الله وحركة أمل اشتبكوا مع قوات الأمن.
  • رئيس الحكومة أمر القوات الأمنية بالتصدي للمسلحين.

مظهر مسلح جديد يشهده لبنان يعيد إلى الذاكرة الحرب الأهلية البشعة التي شهدها هذا البلد، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، واستمرت على مدى 15 عاماً، وبلغت خسائرها البشرية نحو 150 ألف قتيل، في وقت يعيش فيه اللبنانيون أزمة اقتصادية خانقة، مع انخفاض كبير للعملة المحلية على حساب الدولار.

ما يجري في بيروت ينذر بأزمة أمنية لا يستبعد مراقبون أن تعيد مشاهد ما كان يجري قبل عام 1990 من قتل وتشريد للبنانيين على أيدي مليشيات وفصائل مسلحة محلية.

الخميس (14 أكتوبر 2021)، وثق بداية مؤلمة قد تنهي الهدوء الذي ساد بين الطوائف اللبنانية منذ 30 عاماً، حيث شهد محيط قصر العدل بمنطقة الطيونة في بيروت توتراً كبيراً، على أثر تجمع أنصار حزب الله اللبناني، وحركة أمل، للاعتصام ضد القاضي طارق البيطار، قاضي تحقيق انفجار مرفأ بيروت.

جرى خلال التجمع إطلاق نار كثيف من الموجودين، قتل على أثره 6 أشخاص وأصيب العشرات.

سبب التجمع

جاءت الاحتجاجات بعد رفض محكمة التمييز المدنية في لبنان طلب "كف يد" المحقق العدلي في القضية رغم الضغوط التي يمارسها حزب الله.

سعى حزب الله من قبل مرات عديدة لإبعاد القاضي طارق البيطار عن تحقيقات قضية مرفأ بيروت؛ في محاولة لإطالة أمد التقاضي، ووجه تهديدات علنية مستخدماً الترهيب من أتباعه وحلفائه في حركة أمل، لكف يد البيطار عن التحقيقات.

ويقود وزراء حزب الله القوة السياسية والعسكرية الأبرز في لبنان، وحليفته حركة أمل، الموقف الرافض لعمل بيطار، ويتهمونه بـ"الاستنسابية والتسييس".

لبنان

والخميس، ازداد التوتر ليتحول إلى مجزرة، إذ أطلق مجهولون النار بكثافة في منطقة الطيونة (مختلطة بين شيعة في الجنوب ومسيحيين بالشمال) على مؤيدين لـ"حزب الله" وحركة "أمل" (شيعيتان)، خلال مظاهرة منددة بقرارات المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار.

تسبب إطلاق النار بمقتل 6 أشخاص وإصابة 32 آخرين، بينهم 2 في حالة حرجة، خلال اشتباكات متفرقة ببيروت، وفق وزارة الصحة، فيما تعهد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بإعادة بسط الأمن وضبط المتورطين في العنف وإحالتهم على القضاء.

اتهام لقوات جعجع

واتهمت مليشيا "حزب الله" وحركة "أمل"، "مجموعات مسلحة" تابعة لحزب "القوات اللبنانية" بزعامة سمير جعجع، بقتل وجرح مؤيدين لهما خلال المظاهرة.

وقالت قيادة "حزب الله" و"أمل"، في بيان مشترك، إن مشاركين في "تجمع رمزي" أمام قصر العدل في بيروت تعرضوا لـ"اعتداء مسلح من قبل مجموعات من حزب القوات اللبنانية، التي انتشرت في الأحياء المجاورة، وعلى أسطح البنايات، ومارست عمليات القنص المباشر للقتل المتعمد، مما أوقع هذا العدد من الشهداء والجرحى".

لكن جعجع بدوره استنكر ‏الأحداث التي شهدتها منطقة الطيونة، معتبراً أن السبب الرئيس لهذه الأحداث هو السلاح المتفلت، داعياً الحكومة إلى "إجراء تحقيقات كاملة ودقيقة لتحديد المسؤوليات عما جرى".

وكان رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، أكد أن الجيش يواصل تصديه للاشتباكات في منطقة الطيونة في بيروت، لافتاً إلى أنه مستمر في إجراءاته الميدانية لضبط الوضع في العاصمة. 

استفزاز للمسيحيين

المحلل السياسي اللبناني مفيد مصطفى أفاد في حديثه لـ"الخليج أونلاين" بأنه لم يكن يستبعد حصول مثل هذه الأحداث، مشيراً إلى أن العديد من المراقبين كانوا يتوقعون نسخة أخرى من "أحداث أيار".

تعد "أحداث أيار" التي وقعت في عام 2008 في العاصمة اللبنانية بيروت وبعض مناطق جبل لبنان، الأكثر عنفاً وخطورة منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، ونفذها مسلحون تابعون لحزب الله وحركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي. وأسفرت عن مقتل نحو 71 شخصاً، ودمار كبير في الممتلكات، مما يدفع المراقبين إلى توقع عودة أحداث مشابهة لما جرى في 2008 -وفق مفيد مصطفى- وهو التهديد الذي أطلقه حسن نصر الله، ثم تصريح مقابل لسمير جعجع بأن الشارع سيقابله الشارع، في إشارة لمواجهة أي عمل عسكري بآخر مماثل له.

لبنان

ويستشهد مصطفى بوسائل إعلام تابعة لحزب الله كانوا يشيرون إلى أن تصعيداً سيشهده الشارع، مبيناً أن أنصار حزب الله وحركة أمل مروا خلال مظاهرتهم بمناطق مسيحية، وهي نفسها التي شهدت شرارة أحداث الحرب الأهلية في عام 1975، لافتاً إلى أن دخول المتظاهرين إلى هذه المنطقة استفز المسيحيين، مما أدى إلى التصادم.

ولا يستبعد المحلل السياسي اللبناني أن تذهب الأحداث إلى "تصعيد أكبر"؛ إذ يقول: "إن تم عزل القاضي البيطار بحسب ما يريد نصر الله وفريقه فستشهد الأوضاع هدوءاً على الرغم من أن حركة أمل وحزب الله لديهم قتلى وجرحى، حيث ستكون هذه بتلك، أما في حال لم يتنحَّ البيطار وأصر داعموه على بقائه فإن الأمور قد تذهب إلى تصعيد أكبر".

يعتقد مفيد أن الأمر متوقف على قرار من حسن نصر الله، واستشهد بحادث قريب وقع في عرب خالدة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وسقط فيها أربعة قتلى لحزب الله على خلفية ثأر، "لكن نصر الله عض على الجرح"، بحسب قوله.

عودة الحرب الأهلية

الخوف من المستقبل المجهول بدأ يذهب باللبنانيين إلى التفكير بالهجرة كما فعل مواطنوهم منذ عقود إبان الحرب الأهلية.

يقول الصحفي اللبناني محمد سعيد لـ"الخليج أونلاين" إنه أنهى جميع أعماله في بيروت، ويستعد لـ"الهرب" إلى حيث يسكن أقاربه في البرازيل.

سعيد الذي يعمل مراسلاً لوكالة أجنبية أكد أن "الوضع الاقتصادي الذي تمر به البلاد، خاصة مع استمرار تدني سعر الليرة اللبنانية، دفع كثيرين إلى الهجرة، لكن الأحداث الحالية تنذر بكارثة أمنية ستتضاعف على أثرها المشاكل الاقتصادية. كل شيء ينذر بكارثة على الأبواب، ولا أستبعد عودة الحرب الأهلية من جديد".

اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وكانت حرباً طاحنة، استمرت 15 عاماً، حيث انتهت عام 1990، وبلغت خسائرها البشرية نحو 150 ألف قتيل، وتشرد نحو مليون آخرين.

لبنان

ووُصفت بأنها "حرب الآخرين على أرض لبنان"، وانتهت بوضع ركائز النظام السياسي اللبناني الحالي، وبتسويات إقليمية.

لم تندلع الحرب الأهلية اللبنانية فجأة، وإنما سبقتها أزمات بنيوية وأسباب متصلة بموقع لبنان الإقليمي وتحوله إلى ساحة صراع.

يُمكن إيجاز هذه الأسباب في وجود عوامل اقتصادية اجتماعية طبقية ناتجة عن انتشار الفقر والعوز، وعوامل سياسية طائفية يجسدها انقسام بين مطالب المسلمين والمسيحيين، وعوامل خارجية محورها قضية المقاومة الفلسطينية والكفاح المسلح وخطر التوطين.

بدوره فإن المحلل السياسي مفيد مصطفى لا يستبعد حصول حرب أهلية أخرى، ولكن "ليس شرطاً أن تكون شبيهة بالحرب الأهلية الماضية"، موضحاً: "يمكن أن تشهد أمناً ذاتياً بمعنى أن كل طائفة تحمي منطقتها، ومن ثم يصبح هناك نوع من السواتر بين الطوائف".

وزاد مشيراً في حديثه إلى ما جرى في الطيونة بين الشيعة والمسيحيين إلى أن "كل طرف أصبح يرى أنه مستهدف، وهذا يثبته وقوف الجيش بين منطقتين، وبات على كل طرف أن يحمي نفسه ويعتمد على أمنه الذاتي، وهذا قد ينسحب على كل الطوائف، وعليه تصبح هذه المناطق تشهد اشتباكات ومناوشات بين الفينة والأخرى".

يتطرق مصطفى إلى حديث الأطراف السياسية في الآونة الأخيرة عن الفيدرالية، مشيراً إلى أن الحديث يدور في الأوساط اللبنانية بأن البلاد ذاهبة إلى تقسيم طائفي معين، مضيفاً أن "المسيحيين" طرحوا فكرة الفيدرالية.

اتفاق طائف جديد

انتهت الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً (1975 - 1990) بتوقيع اتفاق الطائف، الذي مثل نهاية رسمية للحرب الطاحنة.

وأسهم رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، في فترة حكم العاهل السعودي آنذاك الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، في التوصل إلى الاتفاق، وأُقر برعاية (أمريكية-سعودية-سورية)، وأفضى إلى شراكة وطنية قائمة على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الحكم.

في يناير 1989، بدأت لجنة عيَّنتها جامعة الدول العربية صياغة حلول للنزاع. وفي مارس 1991، سنّ البرلمان اللبناني قانوناً للعفو عن جميع الجرائم السياسية حتى تاريخه، وحُلّت المليشيات العسكرية، باستثناء حزب الله، في حين بدأت القوات المسلحة اللبنانية إعادة البناء ببطء، باعتبارها المؤسسة الوحيدة الرئيسة غير الطائفية في لبنان، كما بقيت التوترات الدينية بين السُّنة والشيعة بعد الحرب.

وحددت المادة الرابعة من الاتفاق كيفية العلاقة بين سوريا (نظام حافظ الأسد) ولبنان؛ حيث أكّدت العلاقات المميزة التي تجمع لبنان وسوريا، مشيرة إلى عدم سماح بيروت بأن تكون الجغرافيا اللبنانية ممراً أو مركزاً لأي نشاط يستهدف الأمن السوري.

لكن مع حصول الأزمة الحالية يرى المحلل السياسي اللبناني مفيد مصطفى أن هناك حاجة إلى "عقد اجتماعي جديد غير عقد الطائف".

وأضاف: "الطائف جاء ليعدل الخلل الذي حصل في العلاقة بين القوى المسيحية والقوى الإسلامية".

وأشار إلى أن اليوم هناك ثلاث فئات أساسية هي المسيحية والسنية والشيعية، لافتاً إلى أن الحديث اليوم مركز على أن السلطة يجب أن تقسم على هذه الأطراف الثلاثة "مستدركاً "لكن هذه المثالثة التي تطرح بين الحين والآخر تطرح على استحياء".

ووفق مصطفى فإن "هذا العقد الثلاثي لم يعد صالحاً، وبحاجة إلى اتفاق جديد"، مؤكداً أن الحل الذي يمكن أن يعيد الهدوء للبنان لن يكون "إلا باعتماد العلمنة والدولة المدنية".

مكة المكرمة