لنيل رضا السلطة.. التاريخ الإسلامي يهان في برنامج سعودي

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GaRYj9

المديفر يقدم برنامجين تلفزيونيين على قناة روتانا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 23-05-2019 الساعة 12:55

مع سياسة تكميم الأفواه التي تنتهجها السعودية بشكل واضح منذ أن تولى محمد بن سلمان منصب ولي العهد في يونيو 2016، لم يعد بإمكان المواطنين السعوديين طرح آراء مخالفة لما تنتهجه حكومتهم؛ فقد أثبتت الوقائع أن مصير المعترضين هو السجون.

وليس بجديد القول إن كبار الشخصيات، من دعاة ومفكرين ونشطاء، من كلا الجنسين، يقبعون منذ سنوات خلف قضبان السجون السعودية، لمجرد أن آراءهم تخالف توجهات السلطة، وهو ما أدانته دول ومنظمات حقوقية دولية، لكن وجود هذه النخبة في السجون من رسائله أيضاً تهديد مختلف أطياف المجتمع بألا يجهروا بمخالفة السلطة.

تلك الرسالة باتت واضحة لجميع الشخصيات السعودية المعروفة في البلاد وخارجها، لا سيما العاملين في حقول الإعلام، حيث انجرف عدد من الإعلاميين المشاهير بعيداً جداً عن ساحل الرسالة الإعلامية السامية الأهداف، لنيل رضا السلطة.

الإعلامي السعودي عبد الله المديفر برز من بين الإعلاميين الذين أثبتوا جدارة في تطويع الإعلام لا لخدمة سياسات السلطة فحسب، بل وصل الأمر إلى تشويه الحقائق التاريخية والتقليل من شأن الأحداث الإسلامية التي يتفاخر بها المسلمون.

لكن المديفر لم يكتفِ حتى بهذا القدر من السياسة التي يتبعها في برنامجين يقدمهما من شاشة "روتانا" السعودية، حيث ظهر في برنامجه مؤخراً مستضيفاً شخصية تروج للإلحاد في شهر رمضان.

فقد أثارت مقابلة الكاتب منصور النقيدان، الذي حل ضيفاً على برنامج "الليوان"، الذي يقدمه المديفر من قناة "روتانا خليجية" السعودية، الثلاثاء (21 مايو الجاري)، جدلاً واسعاً بعد أن تحدث عن الإلحاد والإسلام.

وتحدث النقيدان، وهو سعودي حاصل على الجنسية الإماراتية، خلال اللقاء عن ظاهرة الإلحاد، قائلاً: إن "الإلحاد عقيدة، وعليك أن تحترم الإلحاد لأنه خيار للإنسان"، على حد قوله.

وفي رأي مثير للجدل يرى الكاتب أن الإيمان القلبي هو الإيمان الحقيقي، دون النظر إلى القيام بالعبادات، كالصلاة، التي يراها غير ضرورية.

النقيدان ذكر أن "عقائد أهل السنة والجماعة التي كنا ندرسها في المدارس ونتعلمها في المساجد ويتم ترسيخها الآن، هي عبارة عن مدونات كُتبت في القرن الثالث وتولى تدوينها نخبة من أهل الحديث والأثر، وخرج عن هؤلاء المعتزلة وغيرهم".

وفي حين أعطى المديفر للكاتب النقيدان حرية طرح الرأي البعيد عن المجتمع السعودي المحافظ، وضع الشيخ عائض القرني، الذي يعدّ من أبرز الدعاة وعلماء الدين بالسعودية في موقف محرج، حيث ظهر وهو يلمع صورة ولي العهد، خلافاً لما ذكره في وقت سابق بأنه لن يخوض في السياسة.

الداعية القرني ظهر متردداً وغير متزن، وفي موقف المتهم الذي كان يجب عليه تبرير إجابة كل سؤال يوجه له، خلال استضافته من قبل الإعلامي عبد الله المديفر، على فضائية "روتانا خليجية" في وقت سابق من مايو الجاري.

وبدا القرني الذي نجا من حملة اعتقالات وملاحقات سابقة قادها بن سلمان، منذ سبتمبر 2017، حازماً في الدفاع عن سياسات الأخير وخطواته الجديدة التي شهدتها المملكة، خلال لقائه.

وحرص القرني، الذي يصفه النشطاء السعوديون بأنه من ضمن المشايخ الذين يعملون تحت عباءة الملك، خلال لقائه، على تبرير إعلان بن سلمان انتهاء "الصحوة" الإسلامية في المملكة، التي كان من أبرز مشايخها والمنظرين لها.

وخلال اللقاء الذي استمر ساعة وعشرين دقيقة، هاجم القرني، بعد سؤاله من المذيع، قطر وتركيا وإيران، زاعماً أنهم يكنّون العداء للسعودية.

وعمل المذيع السعودي على جلب فيديوهات قديمة للقرني، يظهر فيها المديح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ثم الطلب من جديد موقفه منه، وهو ما قابله الداعية السعودي بالهجوم على أنقرة إرضاءً للموقف السعودي العام في السياسة الخارجية الجديدة.

القرني كرر دعمه لبن سلمان أكثر من مرة خلال حديثه للمذيع، مؤكداً أن هناك ثلاثة خطوط حمراء بالنسبة له، أولها "الدين المعتدل الوسطي، والمملكة، وسلمان وابنه"، وأنه سيعمل على تسخير قلمه في مشروع "الاعتدال" الذي يقوم عليه ولي العهد "من هذه الليلة".

إرهابي يمتدح محمد بن سلمان ورؤيته!

من بين الحوارات الغريبة التي أجراها المديفر لقاؤه بالقيادي السابق في تنظيم القاعدة بجزيرة العرب، علي الفقعسي، المعتقل منذ نحو 15 سنة، الذي وصل مجموع أحكام سجنه إلى 45 سنة، وقد أجرى الحوار معه من داخل السجن في وقت سابق من مايو الجاري.

في هذا اللقاء سعى المديفر إلى استنطاق الفقعسي وتوجيهه إلى مهاجمة قطر، وجعلها شريكاً أساسياً لتنظيم القاعدة.

الفقعسي قال إن القيادي السابق تركي الدندني (قُتل) كان يهرِّب السلاح من العراق وقطر إلى السعودية، وإن قناة "الجزيرة" كانت على علاقة جيدة بتنظيم القاعدة، وقائده أسامة بن لادن، لهدف مشترك، وهو مهاجمة السعودية.

وأشار إلى أن ذهابه إلى الشيشان وأفغانستان كان بسبب تحريض أشرطة رموز تيار الصحوة، والخطاب المتشدد في حينه، إضافة إلى "مذكرة النصيحة" التي قدَّمها رموز إسلاميون وحقوقيون للملك فهد، مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وبيَّن أنه  متأثِّر برموز تيار الصحوة: "سفر الحوالي، وسلمان العودة، وعائض القرني، وسعد البريك"، بحسب قوله، وجميع من ذكرهم الفقعسي معتقلون باستثناء القرني، بدا واضحاً أن المديفر وجهه إلى هذا القول.

المديفر والفقعسي اللذان أكدا، بداية اللقاء، عدم وجود ضغوط عليهما من حيث الأسئلة والإجابات، تطرقا إلى دافع الأخير لتسليم نفسه، ليجيب بأن ورود اسمه بصفته "مهندساً" لتفجيرات الرياض، رغم عدم علاقته بها، كان السبب.

وحاول المديفر إقحام جماعة الإخوان المسلمين ضمن الجماعات الإرهابية، بسؤاله الفقعسي عن علاقة "أبو مصعب السوري" بـ"الإخوان"، وعن دور "الإخوان" في تنشئة الجماعات المتطرفة.

وفي نهاية اللقاء، تغزَّل الفقعسي الذي مكث بزنزانة انفرادية ست سنوات، بولي العهد محمد بن سلمان، قائلاً إنه قائد الصحوة الحقيقية برؤيته 2030، وإنه لو كان موجوداً قبل 20 سنة، لما انضم هو إلى الجماعات المتطرفة.

تشويه التاريخ

الباحث في التاريخ المعاصر، سلطان الأصقه، شكَّك في تاريخ الدولة العثمانية وكون فترة حكمها تعتبر خلافة إسلامية.

وتحدَّث "الأصقه"، على مدى ساعتين، لبرنامج "في الصورة" ومُقدِّمه المديفر أيضاً، عُرض في مايو الماضي، بصورة مغايرة ومغلوطة وغير معهودة عن الدولة العثمانية التي حكمت العالم العربي ومناطق واسعة من العالم نحو 4 قرون.

وهاجم "الأصقه" مؤسِّس الدولة العثمانية أرطغرل، واصفاً إياه بالشخصية الأسطورية الباهتة التي "لا نعلم عنها شيئاً، وأصوله مغولية وليست تركية"، مضيفاً: إنه "ليس ثابتاً أن (أرطغرل) هو من أنشأ الدولة العثمانية، بل كان مقاتلاً مرتزقاً، والأقوى في أقوال المؤرخين أنه كان وثنياً وغير مسلم".

وزاد "الأصقه" قائلاً: إن "الدولة العثمانية كانت دولة صوفية، عندها شركيَّات وانحرافات، وخلطت بين هذا التصوف والتشيُّع، وسلاطين الدولة العثمانية من أولهم إلى آخرهم، لم يكن واحد منهم على عقيدة أهل السُّنة".

وزعم أن الحديث النبوي الذي امتدح به الرسول عليه الصلاة والسلام، من يفتح القسطنطينية (إسطنبول) ليس المقصود به السلطان العثماني محمد الفاتح الذي فتح المدينة، وإنما سيكون الفتح المقصود بالحديث النبوي الشريف، في آخر الزمان.

وقال: إن "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يُثني على شخصٍ مثل محمد الفاتح، تربَّى على وحدة الوجود ويعتقد في الحلول ومغالٍ في القبورية".

وعن السلطان عبد الحميد، زعم "الأصقه" أن آخر السلاطين العثمانيين "كان على الطريقة الشاذلية، وفيها من الغلو والانحراف الذي يصل أحياناً إلى حد الكفر بالله".

الاستهانة بالفتوحات الإسلامية

علي الهويريني، الفنان السعودي السابق والمفكر الحالي، ظهر ضيفاً على المديفر في برنامج "الليوان"، حيث أدلى بتصريحات أثارت الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، زعم فيها أن الفتوحات العربية كانت نكسة على الإسلام، بالإضافة إلى عدم إيمانه بنظريات الجاذبية الأرضية وقوانينها.

وتساءل الهويريني: "لماذا نتجه إلى الأندلس؟! هل أمرنا الإسلام بعبور البحر لمحاربة النصارى؟ الفتوحات العربية كانت نكسة على الإسلام، والإسلام ليس توسُّعاً؛ هو بلاغ ورسالة".

ووصف الوصول إلى الأندلس بأنه كان تخلُّفاً عربياً، متابعاً: "الأندلس 800 سنة، دخلناها بالخيل والنفير وخرجنا منها حفاة على ظهور الحمير، ولم نَسلَم، حروب صليبية لحقتنا، أكلت الأخضر واليابس".

وهاجم الهويريني من يتغنى بالحروب الإسلامية، فقال: "تفاخَر بمجد لا يستحق الفخر به"، وبيَّن أن الفخر الذي يشعر به هو فخر العرب، وليس الإسلام.

وباتت السُّلطة في السعودية تبحث عمن يحاول تحسين سمعتها التي تضررت بسبب موجة انفتاح غير مسبوقة في البلاد، والترويج لتلك الأفكار والخطوات البعيدة عن المجتمع، والتي أدت إلى إباحة ما كان محرَّماً في المملكة، كما يواجه ولي العهد اتهامات بارتكاب انتهاكات في حرب اليمن، وإعطاء أمر قتل الصحفي جمال خاشقجي بقنصلية بلاده.

مكة المكرمة