لماذا تشعل أبوظبي والرياض نار الخلاف مع تركيا "درامياً"؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/kZppyY

المسلسل يتناول تاريخ الدولة العثمانية بأسلوب مشوه

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 18-11-2019 الساعة 21:09

بعد إخفاق كل الطرق التي اتبعتها في المواجهات السياسية والاقتصادية لجأت الإمارات، ومعها السعودية، إلى الدراما التلفزيونية لتشويه التاريخ العثماني، الذي يتصل بطبيعة الحال بالدولة التركية الحالية وحكومتها، التي لم تدخر أبوظبي والرياض جهداً للنيل منها.

وبعد فشل كل المحاولات في تخريب الوضع الداخلي التركي؛ من خلال دعم الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو عام 2015، ثم محاولة كسر الاقتصاد التركي بعدة طرق منها التخطيط لخفض سعر الليرة عام 2018، وحث السياح على عدم الذهاب إلى الأراضي التركية المفضلة للسائحين في الخليج العربي والعديد من الدول الأوروبية خلال العامين الحالي والمنصرم، ها هي الإمارات تحاول مجدداً عن طريق إنتاج مسلسل تاريخي بتمويل هائل لتعرضه السعودية على أبرز قنواتها "إم بي سي".

ممالك النار

وأنتجت الشركة الإماراتية "جينو ميديا" مسلسلاً عربياً مشتركاً باسم "ممالك النار" من تأليف السيناريست المصري محمد سليمان عبد الملك، وإخراج المخرج البريطاني بيتر ويبر، صور بكامله في تونس بميزانية بلغت 40 مليون دولار.

ويحكي المسلسل الحقبة الأخيرة من دولة المماليك وسقوطها على يد الإمبراطورية العثمانية الصاعدة في بدايات القرن السادس عشر، مسلطاً الضوء على مرحلة في التبدلات التاريخية المفصلية في تلك الفترة في مصر وبلاد الشام، مبدياً وجهة نظر سياسية ترعاها الإمارات في العصر الحالي.

ويركز المسلسل على ولاية السلطان العثماني "سليم الأول" الذي حكم الدولة العثمانية من عام 1512م حتى عام 1520م، وحروبه المتلاحقة مع الدولة الصفوية ثم دولة المماليك، وما تلا ذلك من توسع فتوحات الدولة العثمانية وصولاً إلى أوروبا.

ويضم المسلسل نخبة النجوم السوريين والمصريين والتونسيين بالإضافة لآخرين، من بينهم منى واصف، ورفيق علي أحمد، وعبد المنعم عمايري، وخالد النبوي، ومحمود نصر، ورشيد عساف، وغيرهم.

كما ضم فريق عمل المسلسل عدداً كبيراً من النجوم العالميين في مجالات صناعة الدراما منها الديكور والملابس والماكياج من إيطاليا وكولومبيا وأستراليا، ومنهم لويجي ماركيوني الذي عمل مع مخرجين عالميين مثل جوزيبي تورناتوري وريدلي سكوت.

وبدأ عرض أول حلقة منه يوم الأحد (17 نوفمبر 2019)، على قنوات "إم بي سي 1"، و"إم بي سي مصر"، "إم بي سي برسيا" و"إم بي سي العراق" و"إم بي سي 5" (مملوكة بكاملها للسعودية)، وسيعرض لاحقاً عبر شبكة نتفليكس (أمريكية عالمية) في بقية بلدان العالم.

وذكرت الشركة المنتجة مع بدءالإعلان عن المسلسل أنّه سيكون أحد أضخم الأعمال الدرامية على مستوى العالم في عام 2019، حيث تم تصميم وإنتاج العمل ليتناسب مع تطورات الدراما العالمية التي تتميز بالمؤثرات البصرية المبهرة، والمعارك الضخمة، والقصص المتشابكة والشخصيات المركبة، وهو ما يظهر مدى اهتمام حلف الإمارات -السعودية بتقديم قصة تاريخية درامية بأيديولوجيا سياسية حالية.

كما بدت الحلقة الأولى من المسلسل ببعد سياسي "فج"، حيث تناولت شخصية السلطان الشهير الذي قام بفتح مدينة القسطنطينية (إسطنبول حالياً)، وأنه عام 1451 وحين وصل إلى الحكم، أمر بقتل أخيه الرضيع أحمد خوفاً على العرش ثم مات فجأة، ليكتشف الطبيب ابن عرب موته مسموماً بيد رجال ابنه بايزيد، ويتولى بايزيد الحكم ويشتعل الصراع بينه وبين أخيه.

ويتعارض ذلك مع ما تتناوله أقوى المصادر التاريخية، حول شخصية السلطان محمد الفاتح بأنه الشاب المسلم الذي أعاد للدولة الإسلامية هيبتها عبر فتح القسطنطينية وتوسيع سلطنة إسلامية قوية بعد انحطاط الدولة العباسية وتهالكها.

دراما إشعال "النار"

ومن ممارسة الأدوار المشبوهة في التحركات السياسية، تحاول الإمارات أن تعبث في تاريخ الأمم والشعوب في المنطقة، مع إشعال نار الفتنة بين الأتراك والعرب، عبر تشويه تاريخ قديم لا جدوى من نبشه والعبث به لأهداف سياسية، وفق مراقبين.

ورأى البعض في توقيت عرض المسلسل، 17 نوفمبر 2019، بالتزامن مع عرض المسلسل التركي "عثمان المؤسس" في 20 نوفمبر، محاولة لمنافسة الدراما التاريخية التركية، ومحاولة لتقديم بديل ناطق بالعربية لعله يحقق نجاح "قيامة أرطغرل" في الوطن العربي، ويحد من تأثير القوة الناعمة التركية.

في الوقت ذاته، اتهمت وسائل إعلام حكومية تركية المسلسل بتشويه التاريخ، والانتقاص من الإمبراطورية العثمانية، واتخاذ اسم "ممالك النار" للإساءة لفترة حكم السلطان يافوز سليم.

فقد نشرت قناة "TRT Haber" (حكومية) فيديو إعلان "ممالك النار" مترجماً للغة التركية عبر موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت، قائلة في تقرير حول ذلك: "لقد ألغوا عرض المسلسلات التركية أولاً، والآن يعرضون مسلسلاً ينتقص من الإمبراطورية العثمانية، المسلسل يحكي الأيام الأخيرة لحكم المماليك وهو من إنتاج إماراتي ويتم عرضه على قناة مملوكة لرجل أعمال سعودي".

وأضافت أن المقطع الترويجي من المسلسل يحكي قصة تدمير (دولة) المماليك من قبل الدولة العثمانية، مستخدماً عبارة "قانون دولي حكم إمبراطورية فأصبح لعنة تطاردهم".

وأشارت إلى أن العداء من قناة "MBC" للعثمانيين لا يقتصر على هذا، فقد شارك ياسر حارب، منتج المسلسل، مقطع المسلسل على تويتر مستخدماً عبارة "محتل" عن الإمبراطورية العثمانية.

إصرار على العداء

المحلل السياسي التركي حمزة تكين قال، في حديث خاص مع "الخليج أونلاين": "يوماً بعد يوم تثبت بعض الجهات المعادية لتركيا أنها مصممة ومصرة على العداء للجانب التركي، رغم أن أنقرة لم تقابل هذه الدول بهذه الطريقة ولم تتناول أياً من الواقع والتاريخ بهذا المستوى من التجني".

وأضاف أن "هذا المسلسل هو حلقة من حلقات استهداف تركيا، ليس فقط الدولة العثمانية، فالتاريخ مضى سواء تم تناوله سلباً أو إيجاباً، هم بهذا الأسلوب يثبتون أنهم ضعفاء أمام تركيا الجديدة، لأنهم لو كانوا أقوياء لواجهوا تركيا وجهاً لوجه، خصوصاً مع فشلهم السابق بالسياسة والاقتصاد، ولذلك يستهدفون الدولة العثمانية لأنهم غير قادرين على استهداف الدولة التركية، والتي أثبتت نفسها في الشرق الأوسط والمحافل الدولية".

وشدد على أنهم "لجوؤا إلى الدراما لأنهم وجدوا أن الدراما التركية أثرت إيجاباً ليس بالملايين فقط بل بالمليارات، وفق المراكز البحثية، ولذلك يحاولون أن يكون لهم نفس التأثير، ولكن هيهات أن يستطيع مسلسل نواته الباطل والكذب والافتراء أن يواكب مسلسلاً يتكلم عن حق وحقيقة، خصوصاً أننا في زمن العلم والبحث وسهولة الوصول إلى المعلومة التاريخية".

ويعتقد "تكين" أن "المسلسل لن يلقى رواجاً في العالم العربي، فعلى سبيل المثال قامت شركات تركية بإنتاج مسلسل عن السلطان محمد الفاتح تناولته بطريقة غير صحيحة وتشويهية، فتم إيقافه من الحلقة الثانية، ما يعني أن الناس واعية ولا يمكن خداعها لا عبر الدراما ولا غيرها".

وحول الرد التركي الرسمي على ذلك أشار "تكين" في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن تركيا ترد من خلال تطورها وإنجازاتها السياسية والعسكرية، وتفوقها في الدراما إنتاجياً وتقنياً ومعلوماتياً على الأكاذيب والافتراءات، وهو خير رد برأيي على مثل هذه التحركات".

محاولات سابقة

وخلال السنوات الماضية، زادت وسائل الإعلام السعودية والإماراتية من وتيرة معاداتها لتركيا، حيث زادت لغتها العدائية تجاه أنقرة.

يأتي هذا خصوصاً بعد وقوف تركيا إلى جانب قطر في مواجهة السعودية والإمارات والبحرين، التي فرضت حصاراً على الدوحة عام 2017، فضلاً عن موقفها، الذي اعتبره الكثيرون "أخلاقياً"، من قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أنَّ تعدي وسائل الإعلام السعودية والإماراتية وصل إلى درجة تجاوزت تحريف الحقائق التاريخية، من خلال وصفها الإمبراطورية العثمانية بـ"الاحتلال"، وأنها "احتقرت العرب على مدار التاريخ".

بل خرج الأمر من دوائر الإعلام إلى دائرة السياسيين، حيث اتهم وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، أواخر عام 2017، القائدَ العثماني فخر الدين باشا بسرقة أموال المدينة المنورة.

هذه الحادثة أثارت جدلاً واسعاً وتوتراً بين البلدين، حتى إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ردَّ على الوزير الإماراتي قائلاً: "أيها البائس، يا من تفتري علينا، أين كان جدّك عندما كان فخر الدين باشا يحمي المدينة المنورة؟".

كما روجت قناة "روتانا" السعودية أكاذيب تزعم أن الدولة العثمانية ليست دولة خلافة، إنما "دولة احتلال"، وأنه لم يسبق أن زار سلطان عثماني بيت الله الحرام للحج أو العمرة، وأن أرطغرل بن سليمان شاه، ليس بطلاً تاريخياً، إنما "مقاتل مأجور"، وهو ما ينافي الحقائق التاريخية.

مكة المكرمة