عزت باشا العابد.. أنصفه التاريخ وظلمته الدراما التركية

السلطان عبد الحميد وصفه في مذكراته بـ"الصديق الحميم"

السلطان عبد الحميد وصفه في مذكراته بـ"الصديق الحميم"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 04-03-2018 الساعة 15:28


حقق مسلسل "عاصمة عبد الحميد"، الذي يعرض سيرة آخر "خليفة" فعلي للمسلمين، مستويات مشاهدة قياسية، ليس فقط على مستوى تركيا؛ بل أيضاً على مستوى العالم العربي.

ويسلط المسلسل التركي الضوء على فترة كانت مقدمة لكل الأحداث التي وقعت في العالم الإسلامي، خصوصاً بالمنطقة العربية وتركيا، وكيف كان السلطان عبد الحميد يحاول جاهداً التصدي للأطماع البريطانية والصهيونية في أراضي المسلمين.

كما يوثق المسلسل أبرز الأحداث في الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، فضلاً عن التطورات التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه.

والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني وُلد عام 1842 في مدينة إسطنبول، وهو السلطان الـ34 بين سلاطين الدولة العثمانية، والـ26 بين سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة، والخليفة الـ98 للمسلمين، تولى الحكم عام 1876 حتى عام 1909، ووُضع رهن الإقامة الجبرية حتّى وفاته يوم 10 فبراير 1918 بإسطنبول.

وتقول قناة "تي آر تي1" التركية إن عدد مشاهدي المسلسل في تركيا بلغ ما بين 15 و20 مليوناً، وهو عدد المشاهدين في اليوم الذي يُعرض فيه المسلسل فقط، وهناك متابعون يشاهدون إعادة المسلسل وموجزه في وقت لاحق ليوم العرض.

وقالت إدارة إنتاج المسلسل إنها تلقَّت طلبات من أمريكا اللاتينية ومنطقة البلقان والشرق الأوسط وقطر وألبانيا، لشراء حقوق بث المسلسل، الذي بدأت قناة "تي آر تي1" التركية عرض حلقاته كل يوم جمعة في فبراير 2017، ويسعى المنتجون لتصوير 100 حلقة من المسلسل.

- بعيداً عن التاريخ

لكن المسلسل الذي جذب أنظار العرب إليهم، وقع في "خطأ تاريخي جسيم"، عندما أظهر الباشا العثماني عزت باشا العابد، وهو العربي الوحيد الذي يُظهره المسلسل، "مرتشياً وخائناً"، ما أثار سخطاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

وخلاف التاريخ، يظهر الباشا العربي السوري، ذو الأصول الحجازية، عزت باشا العابد، في المسلسل بأنه يتلقى الرِّشا من رجالات الصهيونية الناشئة حينها، ومن الدول الأجنبية، لتسيير مصالحها على حساب الدولة العثمانية، بالإضافة إلى تعاونه مع البريطانيين لكي يصبح "صدراً أعظم"، أي "رئيس وزراء"، مقابل أن يسهم في إشعال تمرُّد القرويين البلغار ضد الدولة العثمانية.

ورداً على الصورة التي ظهر بها الباشا في مسلسل "عاصمة عبد الحميد"، بادر مجموعة من الناشطين العرب إلى إطلاق حملة تطالب بإنصاف الرجل، من خلال وسم باللغة التركية "#izzet_paşa_rüşvetçi_dğeil Bu adama İnsaf edin"، أي إن "عزت باشا ليس مرتشياً، أنصِفوا هذا الرجل"، وقد نُشرت عشرات من هذه التعليقات على صفحة المسلسل في "إنستغرام".

وكان الشاب اللبناني المقيم في تركيا صلاح شطح، هو صاحب المبادرة التي طالبت بإنصاف عزت باشا العابد، وقال لـ"الخليج أونلاين" إن عزت باشا في الأصل ثري؛ أي لا يحتاج إلى تلقي رِشا؛ بل أنفق من ماله الخاص على خط تلغراف دمشق-المدينة؛ ومن ثم فإن "تشويهه كان مفاجئاً ويضع علامات استفهام كبيرة، خاصة أن المسلسل هدفه توعية الأمة، ومن غير المعلوم ما إذا كان لدى المنتج أو المخرج عنصرية أم أنه مجرد خطأ".

وأوضح أن الهدف من الوسم هو الضغط على القائمين على المسلسل، مبيناً أنه تواصل مع حفيد السلطان عبد الحميد (أورهان) في هذا الشأن.

وأشار إلى أن النقطة الأهم، هي أن البعض قد يحاول الاصطياد في الماء العكر من خلال ما جرى، مشدداً على أن "العلاقة بين العرب والأتراك وتاريخهم واحد وأكبر من مجرد خطأ حصل في مسلسل".

ولفت "شطح"، الذي يتابعه أكثر من مليون شخص على "إنستغرام"، إلى أنه سينشر فيديو باللغتين العربية والتركية، يعرّف بالرجل ويكون موجَّهاً للأتراك خصوصاً، مبيناً أن خطوته لتوضيح هذا الخطأ تعكس "محبته للتاريخ العثماني والأتراك على حدٍ سواء".

حفيد السلطان عبد الحميد "أورهان"، تحدث لـ"الخليج أونلاين"، وقال: إن "عزت باشا" الذي يظهر في المسلسل حالياً، ليس "عزت باشا العابد" الذي توقَّع ظهوره لاحقاً، علماً أن "العابد" لازم السلطان عبد الحميد منذ عام 1890، في حين أن المسلسل يعرض حالياً الحقبة من عام 1899، كما أن المصادر التاريخية لم تتحدث إلا عن شخص واحد عربي، كان من باشوات السلطان المقربين هو "عزت باشا العابد".

- تاريخه

المصادر التاريخية التي بحث فيها "الخليج أونلاين"، لا سيما مذكرات السلطان عبد الحميد نفسه المنشورة عن "دار القلم" في دمشق، وصفته بـ"الصديق وقت الضيق".

وعقب إلغاء مؤسِّس الدولة التركية الحديثة، كمال أتاتورك، الخلافة الإسلامية وطرده أسرة آل عثمان في عام 1924، استقبل "أحمد" ابن عزت باشا، في دمشق، عدداً من أفراد آخر أسرة حكمت المسلمين أكثر من خمسة قرون.

ينتمي عزت باشا العابد إلى عشيرة عربية تُعرف بقبيلة الموالي، وهي ذات أصول عريقة تعود إلى قبيلة بكر بن وائل الحجازية، وُلد في دمشق وبها نشأ وتعلَّم، وأجاد التركية والفرنسية والإنجليزية.

بعد أن انتهى من أخذ العلم عُيِّن كاتباً في جهاز المخابرات العثمانية بسوريا، وترقَّى حتى عُيِّن رئيساً لقلم المخابرات سنة 1873م.

وَلِي رئاسة محكمة الحقوق بسوريا عام 1878م، وبعدها بعام عُيِّن رئيساً لجميع المحاكم في سوريا ولبنان وفلسطين؛ نظراً إلى كفاءته القانونية.

رُقِّي بعدها إلى منصب مفتش عام لمحاكم ولاية سلانيك عام 1884، ثم نُقل إلى إسطنبول، عاصمة الخلافة، رئيساً لمحكمة الاستئناف بها، ولم يمكث بهذا المنصب سوى شهرين، حتى رُقِّي رئيساً عاماً لمحاكم التجارة الأهلية والمختلطة، وظل في منصبه ستة أعوام، عُيِّن بعدها سنة 1891 عضواً بدائرة التنظيمات في مجلس شورى الدولة.

اشتهر "العابد" حتى وصلت شهرته للسلطان عبد الحميد، فانضم إلى بلاط السلطان ككاتب خاص له، عهد إليه السلطان بعدها بعضوية اللجان المالية، ووثق به حتى جعله صديقاً خاصاً له وأمين سره، وقال عنه في مذكراته: "الصديق الحميم الذي وجدته في النهاية".

لازم عزت باشا، السلطان عبد الحميد مدة قاربت ثلاثة عشر عاماً، أدى فيها أعمالاً عدة، أبرزها إشرافه على إنشاء خط سكة الحديد بالحجاز من دمشق، حيث انطلق الخط باتجاه الجزيرة العربية، والذي كان يرى البعض أنها فكرته، وكذلك تنفيذ خط التلغراف بين إزمير وبنغازي، والفكرة الأهم ربط دمشق كمركز للمنطقة ومنطلق للحجاج الذين يتجمعون بدمشق وينطلقون إلى المدينة المنورة.

كما ترجم العديد من الأعمال من التركية إلى العربية، منها: كتاب "حقوق الدول" لحسن فهمي باشا، والمجلد الأول من "تاريخ جودت"، وكتاب "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية".

بعد خلع السلطان عبد الحميد عام 1909، غادر عزت باشا إلى مصر حتى توفاه الله في سنة 1924، ونُقِل جثمانه فيما بعد إلى دمشق ليُدفن بها، ويشار إلى أن ولده "محمد" هو أول رئيس لسوريا بعد قيام الجمهورية عام 1932.

مكة المكرمة