بعد أن احتكرتها القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد.. عواصم الخليج منارات ثقافية جديدة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/rJyxzn

دعم كبير يتلقّاه قطاع الثقافة في الخليج

Linkedin
whatsapp
الأحد، 02-01-2022 الساعة 10:30

ما الذي مكَّن دول الخليج لتصدُّر المشهد الثقافي العربي؟

الإستراتيجية التي تعتمد على استغلال الفرص والإمكانات المتاحة.

لماذا تراجع دور  العواصم العربية التي عُرفت بأنها منارات ثقافية؟

بسبب الصراعات والانهيارات المالية وإخفاقات الدولة.

كيف تحوَّل الخليج لبيئة جالبة للمبدعين؟

الاهتمام، والحرص على احتواء وتبنِّي جميع الفنون في عملية بنائية حاضرة ومستقبلية.

أوصل التخطيط السليم مدن الخليج ليس إلى فقط أن تتبوأ مكاناً بين منارات الثقافة العربية التي عُرفت منذ زمن طويل بريادتها الطباعة والكتابة والقراءة وصنوف الثقافة بين بلدان العرب، بل لتكون منطلقاً نحو آفاق أرحب في فضاء الثقافة والفنون بمختلف تفرعاتها.

"القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ"، المقولة الأشهر التي تناقلها العرب ومُحبو العربية من متعلميها الأجانب أو المستشرقين، وهي إشارة إلى أن هذه العواصم تمثل منارات ثقافية قديمة متجددة عُرف عن شعوبها الشغف بالأدب وفنونه، وبالطبع فات صاحب هذه المقولة أن يضيف دمشق منارة الثقافة التي لا تتوقف شعلتها، تنير كما الفنار الذي يستدل به البحارة حين يرومون الوصول إلى بر آمن. 

لكن دول الخليج يبدو أنها صنعت منارات ثقافية وفنية صارت تنافس بمُنجزها ومنتجها العواصم العربية القديمة المشهورة بغزارة ثقافتها، وفنونها، وإنتاجها الثري الإبداعي الذي أغنى الثقافة العربية بكنوز من المعارف الأدبية والفنية على مدى زمن طويل جداً.

إستراتيجية ثقافية

الأمانة العامة لمجلس التعاون اتخذت إستراتيجيات لتطوير الثقافة مثلما اتخذت إستراتيجيات لتطوير قطاعات أخرى؛ وهو ما أسهم بتطور ملحوظ للثقافة الخليجية.

وتطمح دول الخليج إلى أن تحقق الإسراتيجيةُ الجديدة 2020-2030، قفزاتٍ أكبر ، خاصة مع دخول دول الخليج مرحلةً جديدةً مُهمةً تتجسد في تحوُّلها إلى مراكز مالية وتجارية مهمة.

وفق الإستراتيجية فإن ما تتمتع به دول الخليج من فرص يُمكِّنها من النجاح في تحقيق نجاحات ثقافية أكبر.

وتبرز هذه الفرص في الموقع الجغرافي لدول مجلس التعاون وتنوعها الثقافي، وامتلاكها خبرات ثقافية محلية ودولية في مختلف مجالات العمل الثقافي، واهتمامها بقيم التسامح وقبول الآخر داخلياً وخارجياً.

كما يوجد فيها عدد كبير من شركات ومؤسسات القطاع الخاص التي تملك ميزانيات ضخمة، ويمكن توجيه جزء من مسؤوليتها الاجتماعية ناحية القطاع الثقافي.

ومن بين الفرص المتاحة في دول الخليج وجود السياحة الثقافية، وامتلاك الدبلوماسية الثقافية، وانتشار التقنية والتحول الرقمي، وإمكانات كبيرة في تنظيم واستضافة الفعاليات العالمية، فضلاً عما تشهده من تحولات اقتصادية.

نقاط قوة

الإستراتيجية التي تعتمدها دول الخليج، بحسب ما تذكره الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج، تتطرق إلى ضرورة العمل على استغلال نقاط القوة التي تمتلكها الدول الخليجية.

وأبرز نقاط القوة وجود إرث وزخم ثقافي وحضاري مشترك أصيل ومتنوع، وتواصُل وانفتاح ثقافي وحضاري مع الثقافات العالمية، مع امتلاك مؤسسات ثقافية رسمية راسخة وبنى تحتية أساسية متنامية.

ومن أبرز نقاط القوة أيضاً، استقرار ورسوخ بعض التقاليد والأنشطة الثقافية في إطار زمني ممتد، وإقبال جماهيري كبير عليها مثل: معارض الكتب، والمواسم الثقافية، والمهرجانات الأدبية والفنية.

كما تشمل نقاط القوة ظهور مؤسسات مجتمع مدني ناشئة ومتطورة معنيَّة بالقطاع الثقافي، وانتشار واسع لتقنيات الاتصال في المجتمع الخليجي.

الإبداع النسائي

كذلك ووفق الإستراتيجية، فإن من بين أبرز نقاط القوة؛ تجذُّر ظاهرة الإبداع النسائي في مختلف المجالات الفنية والأدبية.

وفي السنوات القليلة الماضية، أخذ الأدب النسائي الخليجي يلفت الأنظار إليه ويحصد الجوائز.

ومع مرور الوقت تزداد أسماء الخليجيات المُبدعات في الأدب، وقد برزت في كل بلد خليجي كوكبة منهن، ومن اللاتي لفَتنَ الانتباه العُمانية جوخة الحارثي التي حصدت مؤخراً جائزة "الرواية العربية في فرنسا"، وسبق أن حصدت جائزة "مان بوكر" العالمية للرواية عام 2019.

وكانت الشاعرة العُمانية بدرية البدري أول امرأة تفوز بجائزة "كتارا-شاعر الرسول"، منذ تأسيسها عام 2016.  

واختارت جريدة "الغارديان" الكاتبة الكويتية سعدية مفرّح ممثلةً لدولة الكويت في خريطة الشعر العالمي، واختارتها حركة شعراء العالم سفيرة للشعر الكويتي.

وفي دولة قطر حصدت الروائية شمة الكواري جائزة الدولة لأدب العالم 2014، مناصفة مع الأديب المصري الكبير يعقوب الشاروني، وفازت الكاتبة السعودية رجاء عالم، بجائزة البوكر للرواية العربية عام 2011.

نجاح التخطيط

الدليل على نجاح تخطيط دول الخليج في تطوير القطاع الثقافي بكل تفرعاته، أكده تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، نُشر الثلاثاء (28 ديسمبر 2021)، وسُلط الضوء فيه على تطور الحركة الثقافية في السعودية، مؤكداً أن الرياض أصبحت مركزاً ثقافياً وقوة سينمائية في الشرق الأوسط بديلاً عن القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد.

وأوضح أنه خلال السنوات الماضية، تراجع دور تلك العواصم العربية، بسبب الصراعات والانهيارات المالية وإخفاقات الدولة، حيث دمرت الحرب استوديوهات التلفزيون السوري، وناشري الكتب في بغداد، فيما ترك الانهيار الاقتصادي السينما اللبنانية تكافح لأجل البقاء، في وقت شهدت فيه صناعة السينما المصرية تراجعاً فنياً لسنوات، علاوة على سيطرة أجهزة المخابرات على العروض التلفزيونية بهدف الترويج للدولة، بحسب الصحيفة الأمريكية.

قالت الصحيفة إن السعودية تنفق مبالغ طائلة لتصبح مركزاً ثقافياً في المنطقة؛ من خلال ابتعاث صانعي الأفلام السعوديين للدراسة في الخارج، وإنشاء مدارس تدريب محلية ومسارح واستوديوهات تسجيل صوتية، إضافة إلى تمويل مبادرات لتشجيع الفنانين التشكيليين والموسيقيين والطهاة السعوديين.

وتعكس كل هذه الجهود السعودية تحولات عميقة في الصناعات الإبداعية عبر العالم العربي- بحسب الصحيفة- مع بروز المملكة كمركز ثقافي جديد بالمنطقة، وتلاشي هذا الدور لمدن القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد التي كانت فيما مضى، منارات ثقافية عربية.

بيئة جالبة للمبدعين

يقول الشاعر العراقي محمد السويدي لـ"الخليج أونلاين"، إن الثقافة بطبيعتها تحتاج حاضنة أو أرضاً صالحة للظهور، مؤكداً أن هذا ما عليه الآن البيئة الخليجية.

"السويدي" يصف البيئة الثقافية الخليجية بأنها "بيئة حية يقِظة جالبة للصوت المُبدع من هنا وهناك"، مبيناً أن سبب تحوُّلها إلى بيئة جالبة للمبدعين هو "ما تمتلكهُ من إمكانات حقيقية مؤهلة ورؤية قابلة للاستيعاب".

وأضاف :"لقد لمست من خلال مشاركتي في أضخم برنامج شعري عربي هو أمير الشعراء، أن البنية الثقافية هناك قوية فاعلة، نجح القادة هناك في صناعتها".

ووفق الشاعر السويدي فإن "العالَم الخليجي صهرَ جميع الثقافات وصبَّها في قالب واحد ليخرج رؤية متكاملة حول الأدب والفن من خلال المؤسسات والدُّور الثقافية التي تهتم وتحرص على احتواء وتبنِّي جميع الفنون بنجاح منقطع النظير، في عملية بنائية حاضرة ومستقبلية".

ومن المؤشرات التي يسجلها "السويدي" على علو ثقافة الخليج المعاصرة "حضور بعض الأسماء الخليجية في البوكر ومنها ما أحرز المراكز الأولى، وهذا يدل على سعة العطاء المؤسساتي الداعم للمواهب والمُنمِّي لها".

قطاع السينما

باعتباره أحد تفرعات الثقافة شهد قطاع السينما وصناعة الأفلام في دول الخليج تطوراً لافتاً؛ ومن بين ما يؤكد ذلك إقبال شركات الإنتاج العالمية -ومنها هوليوود- لتصوير أفلامها في المنطقة الخليجية.

آخر ما جرى تنفيذه في منطقة الخليج فيلم للمخرج البريطاني، جاي ريتشي، في قطر، وهو الفيلم الذي يؤدي بطولته نجم الأكشن البريطاني جيسون ستاثام، هذا فضلاً عن أفلام ومسلسلات عالمية أخرى نُفذت في قطر.

أما سلطنة عُمان ولِما تتميز به من مناظر طبيعية فريدة من نوعها، تعتبر موقعاً جذاباً للغاية لشركات الأفلام المختلفة في جميع أنحاء العالم، وعليه جرى تصوير عدد كبير من الأفلام الأجنبية في هذا البلد الخليجي.

أما دبي، فيرى صناع الأفلام وكبار المخرجين فيها وجهة استثنائية لتصوير أفلامهم التي يشترك فيها أفضل وأشهر الفنانين والممثلين العالميين من بوليوود وهوليوود، ومن أبرزها فيلم "المهمة المستحيلة" الجزء الرابع، للممثل المشهور توم كروز، إضافة إلى فيلم "ستار تريك"، وفيلم "سيريانا "مع نخبة من أفضل الممثلين الذين شاركوا فيه، منهم مات ديمون وجورج كلوني.