آثار "درعا" السورية.. بين سندان التدمير ومطرقة التنقيب السري

تضم درعا نحو 375 موقعاً أثرياً

تضم درعا نحو 375 موقعاً أثرياً

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 16-09-2017 الساعة 14:26


لم تقف تداعيات الحرب السورية، المشتعلة منذ نحو سبع سنوات، عند حد الخسائر المادية والبشرية الفادحة، وحسب، ولكنها امتدت لتطول الحضارة السورية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ؛ بعدما دفعت فوضى الحرب العارمة البعض إلى نبش المقابر التاريخية؛ بحثاً عما بداخلها من كنوز.

وفضلاً عن الدمار الذي طال أماكن تاريخية مهمة في مختلف المناطق السورية، فقد أدت عمليات التنقيب غير المشروعة إلى ضياع آلاف القطع الأثرية النادرة التي تؤرخ لحضارة السوريين على امتداد آلاف السنين.

مختصون في التاريخ والآثار وناشطون يقولون إن الخراب والتدمير طالا غالبية المواقع الأثرية في جل المحافظات السورية، ومن ضمنها محافظة درعا جنوباً، والتي كانت الأكثر تضرراً.

عمليات تدمير المواقع الأثرية وتخريبها، بحسب الخبراء والناشطين، كانت تتم تارة بالقصف المباشر والمتعمَّد للمواقع الأثرية خلال المعارك بين قوات النظام وقوات المعارضة، وتارة أخرى بالتنقيب السري الممنهج من قِبل قوات النظام وبعض المواطنين الذين يسعون لتأمين لقمة العيش.

- سرقة ممنهجة

الباحث أبو قاسم الدرعاوي، يقول إن النظام وحلفاءه الإيرانيين "قاموا بأعمال تنقيب على نطاق واسع في مدينة بصرى الأثرية، إبان سيطرتهما عليها"، لافتاً إلى أن هذه العمليات "شملت القلعة التاريخية والمواقع الأثرية الأخرى المحيطة بها".

ويؤكد الدرعاوي لـ"الخليج أونلاين"، أن مدينة بصرى (شرقي درعا)، كانت تشكّل متحفاً اثرياً مفتوحاً، وكانت تعج بعشرات المواقع وآلاف الكنوز، التي كانت تُعرض فيها قبل اندلاع الثورة عام 2011، مئات القطع الأثرية.

لكن هذه المتاحف ومعها "متحف درعا"، أصبحت الآن فارغة؛ بعدما نهبتها قوات النظام ونقلتها إلى مناطق سيطرتها بحجة حفظها هناك، كما يقول الدرعاوي.

وفي السياق، يقول محمد المقداد، وهو من مدينة بصرى الأثرية، إن قوات النظام والمليشيات الإيرانية "كانت تتخذ من قلعة بصرى ومسرحها اليوناني القديم قواعد عسكرية يُمنع الاقتراب منها".

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين"، يؤكد المقداد أن "أهالي بصرى كانوا يسمعون أصوات معدات حفر ثقيلة تعمل في المكان، وهو ما يؤكد أن تلك القوات كان تنبش أرض القلعة؛ بحثاً عن الآثار"، مضيفاً: "هذا الأمر تم إثباته وتوثيقه بعد اندحار تلك القوات من المدينة؛ حيث شوهدت عدة حُفَر في القلعة وتخومها".

أما الناشط أبو ضياء الحوراني، فيقول إن عمليات الحفر في مواقع درعا الأثرية "قصة قديمة تعود إلى فترات ما قبل الثورة"، مشيراً إلى أن "بعض الضباط المحسوبين على النظام كانوا يستقدمون الأجهزة والمعدات الثقيلة للبحث عن الآثار في أي مكان يريدون".

اقرأ أيضاً:

درعا.. نبش القبور بحثاً عن آثار مدفونة تسد رمق العيش

- مواجهة الجوع

هذه العمليات كانت تتم على مرأى ومسمع السلطات المحلية دون أي اعتراض، بحسب الحوراني، الذي أوضح لـ"الخليج أونلاين" أن التنقيب عن الآثار يعتبر جريمة وفق القانون السوري؛ ومن ثم فقد كانت عمليات الحفر والتنقيب حكراً على أولئك المقربين أو المدعومين من النظام".

تنقيب المواطنين العاديين عن الآثار، رغم خطورته وفداحته، بدأ مع خروج بعض المناطق من تحت سيطرة النظام، وبعد توقف الأنشطة التجارية والاقتصادية والزراعية وانتشار الفوضى والفقر والبطالة، بحسب الحوراني.

كما أن فقدان الكثيرين مصادر رزقهم دفع المئات، تحت ضغط الحاجة والجوع، إلى نبش الأرض بحثاً عما يُعينهم على إطعام أسرهم وإبقاء أطفالهم أحياءً، كما يقول الحوراني.

مواقع أثرية مثل: تل الأشعري، وتل شهاب، ومدينة بصرى، ومدينة درعا الأثرية، والمزيريب، والخرب الأثرية، وعشرات المواقع الأثرية الواقعة في مناطق خارجة عن سلطة النظام، "أصبحت هدفاً للصوص الآثار وللمنقبين الجوعى، حيث بات التنقيب عن الآثار مهنة كثير من السكان"، يضيف الحوراني.

عبد الجبار الحوراني، وهو عسكري منشق، يقول: "لجأت إلى نبش القبور بعد أن أُغلقت سبل العيش أمامي"، مضيفاً لـ"الخليج أونلاين": "أكثر ما كان يؤلمني أن أقف عاجزاً عن تقديم رغيف خبز لأطفالي".

العسكري المنشق يقول إنه عثر خلال الحفر على مشغولات معدنية صغيرة وبعض العملات، لافتاً إلى أنه كان يبيعها لتجار الآثار بمبالغ، تكفي بالكاد لشراء الطعام لأسرته.

ويتابع الحوراني: "نحن فقراء ويبدو أن أسلافنا كانوا أيضاً كذلك؛ ولم يحالفنا الحظ حتى الآن بشيء ذي قيمة مالية كبيرة. كل ما عثرنا عليه حتى الآن يكفي حاجتنا اليومية بالكاد".

وثمة مجموعات كبيرة من الرجال والشباب يمارسون هذه المهنة منذ بداية الحرب؛ بسبب عدم وجود جبهات عمل وتوقُّف مصادر الرزق لفئة كبيرة من الناس، وهم يبيعون ما يعثرون عليه لتجار في المنطقة وبأسعار قليلة، في حين يبيعها التجار من خلال سلسلة من الوسطاء خارج الحدود، وفق الحوراني.

- 80 في المئة من المواقع الأثرية منهوبة

محمد النصر الله، رئيس دائرة آثار درعا التابعة لمديرية الآثار والمتاحف التابعة للنظام، أكد أن "80 في المئة من المواقع الأثرية في محافظة درعا تعرضت للنهب والتخريب والتنقيب السري خلال سنوات الحرب".

ونقلت وكالة "سانا" السورية التابعة للنظام، عن النصر الله، أن "دائرة الآثار اتخذت كل الإجراءات القانونية، وطالبت الجانب الأردني، عن طريق وزارة الخارجية السورية، بضرورة ضبط الحدود، ومنع تهريب الآثار من خلال الأردن إلى أي بلد كان".

وبحسب مسؤول النظام، فقد رفعت دائرة الآثار عدة دعاوى قضائية بحق كل من تم التعرف عليه في المشاركة بنهب الآثار وتخريب المواقع الأثرية في محافظة درعا.

مجلس الأمن الدولي، بحسب النصر الله، أصدر قراراً لحماية الآثار السورية وكلف الشرطة الدولية (الإنتربول) تنفيذ القرار وإعادة كل القطع الأثرية المنهوبة إلى سوريا.

من جهته، كشف المدير العام لدائرة الآثار العامة الأردنية منذر الجمحاوي، أن الدائرة لديها عدد لا بأس به من القطع الأثرية التي ضُبطت خلال السنوات الماضية في أثناء محاولة تهريبها من سوريا إلى الأردن.

وفي تصريح لصحيفة "الغد" الأردنية، أوضح الجمحاوي أن دائرة الآثار عملت على إنشاء مستودع خاص للآثار السورية المضبوطة على الأراضي الأردنية، موضحاً أنه "تم حفظ الآثار بطرق علمية؛ للحفاظ عليها من العوامل الطبيعية وغير الطبيعية".

وأكد الجمحاوي أن الحكومة الأردنية سوف تعيد جميع هذه القطع إلى سوريا بعد أن يستتب الأمن وتستقر الأوضاع هناك، موضحاً أن لدى الأردن مخازن مخصصة للمضبوطات الأثرية؛ إذ تمت إعادة نحو 2500 قطعة أثرية إلى العراق، فضلاً عن إعادة قطع أثرية لكل من مصر وفلسطين.

وتضم محافظة درعا نحو 375 موقعاً أثرياً تعود لفترات تمتد إلى حقبة ما قبل التاريخ وصولاً إلى فترة الحضارة الإسلامية، ومن بين هذه المواقع 128 موقعاً مسجلة على لائحة التراث الوطني السورية.

مكة المكرمة