هل تقود الإمارات حملات التلاعب بالليرة التركية؟

لا يمكن اعتبار الاقتصادي التركي متهاوياً من خلال التصنيف الائتماني

لا يمكن اعتبار الاقتصادي التركي متهاوياً من خلال التصنيف الائتماني

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 23-05-2018 الساعة 14:48


انخفضت الليرة التركية لمعدلات قياسية الأسبوع الماضي، حيث وصلت إلى 4.95 للدولار الواحد؛ وهو ما أجبر البنك المركزي، لرفع سعر الفائدة لإيقاف الانخفاض الأكبر منذ قرابة 17 عاماً.

وأسهمت العديد من المعطيات والمتغيرات في هذا الانهيار الدراماتيكي لليرة، ومنها اتساع الفجوة بين الرئيس التركي والبنك المركزي فيما يتعلق بالسياسات النقدية، واستغلال المؤسسات الدولية لذلك في زعزعة استقرار الاقتصاد التركي من خلال حجم التقارير السلبية المرتفعة وتيراتها خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي شكل مزيداً من الضغوط على المؤشرات الرئيسة، وخصوصاً سعر صرف الليرة.

- الاقتصاد التركي والتقارير السلبية

على وقع قرب موعد الانتخابات؛ لوحظ في الآونة الأخيرة حجم التقارير السلبية المتعلقة بالاقتصاد التركي، في مشهد قرأه البعض على أنه محاولة منها للتأثير على الموقف الانتخابي للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه قبل الانتخابات العامة المبكرة بعد نحو شهر من الآن.

وكان آخر هذه التقارير ما صدر عن وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، التي حذرت بشأن مسعى أردوغان لتعزيز السيطرة على البنك المركزي، قائلة إن خطاب الرئيس قد يفرض مزيداً من الضغوط على تصنيف الدين السيادي التركي.

وكان الرئيس التركي قد أدلى بتصريحات، قبل نحو أسبوعين، خلال زيارة إلى لندن، قال فيها إنه يريد فرض سيطرة أكبر على السياسة النقدية بعد الانتخابات الرئاسية والنيابية المقرر إجراؤها في 24 يونيو المقبل.

فبرغم تحقيق الاقتصاد التركي معدلات نمو قياسية في عام 2017، وتحقيق معظم القطاعات الاقتصادية معدلات نمو في الربع الأول من عام 2018 (قطاع السياحة، والاستثمارات، والتجارة وغيرها)، فإن وكالات التصنيف ما زالت تمنح تركيا تصنيفاً منخفضاً مع نظرة سلبية غير مستقرة. هذا الأمر استفز الرئيس التركي ودفعه للتعليق على تلك التقارير، قائلاً: إن "التقييم الذي تقدرونه لنا لا قيمة له عندنا.. المهم عندنا بالدرجة الأولى هو تقييم شعبنا لنا".

كما صرح أردوغان منتقداً القرار، قائلاً: "الشغل الشاغل للوكالات هو وضع تركيا في مأزق لمنح الفرصة لمن يرغب في الاستفادة من هذا الوضع".

- لماذا تركيا؟

في ظل هذه التباين الواضح؛ يُطرح التساؤل عما إذا كانت تلك الوكالات الدولية تحاول تصفية حسابات سياسية مع الرئيس التركي وحزبه الحاكم من خلال التأثير على الاقتصاد (الذي تدرك أنه الرافعة الأساسية لأردوغان وحزبه).

بعد مراجعة التصنيفات الائتمانية لمجموعة من الدول العربية والأوروبية، التي تعاني اقتصادياً على أصعدة مختلفة؛ يتبين أن التصنيف الائتماني لتركيا ليس إلا مجرد تصفية حسابات معها، وأن هذه الوكالات تتغاضى عن الظروف الحقيقية للمؤشرات الاقتصادية، وأنها تدعم الدول التي لها مصلحة في دعمها أو لها مصلحة في الحفاظ على النظام الحاكم فيها.

فعلى سبيل المثال ودون الدخول في تفاصيل كل دولة؛ فإن معدل الديون الخارجية لإسبانيا وصل إلى 99.3% من إجمالي الناتج المحلي، ومعدل البطالة 17.1%، ولديها أقل من 70 مليار دولار احتياطات نقدية؛ إلا أنه تم تصنيفها بدرجة "BA" مع نظرة مستقبلية موجبة.

اليونان كذلك؛ بلغ معدل الدين الخارجي أكثر من 220% من إجمالي الناتج المحلي (شبه مفلسة)؛ نمو اقتصادي 1.4% فقط في 2017، وبطالة 20%، واحتياطات أجنبية فقط 6 مليارات دولار، ومع ذلك تم تصنيفها (B) مع نظرة مستقبلية مستقرة.

كما أن حجم الدين الخارجي لدى مصر يبلغ 97% من إجمالي الناتج المحلي (100 مليار دولار تقريباً)، كما وصل التضخم إلى 26% مع انهيار كبير في قيمة الجنيه، وهناك حجم قروض هائل، إلى جانب غياب الاستقرار الأمني؛ ومع ذلك حصلت على تصنيف (B) مع نظرة مستقبلية مستقرة!

- أزمة حقيقية أم تصفية حسابات؟

لا شك في أن المكانة التي أصبحت عليها تركيا على الصعيدين الإقليمي والدولي خلال العقد الأخير، كان الاقتصاد هو الرافعة الأساسية لها.

وفي ظل اتساع رقعة العداء للرئيس أردوغان وسياسته الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، ومواقفه الواضحة إزاء العديد من القضايا، جعلت محاولة تقويض حكمه وزعزعة استقراره هدفاً أساسياً للعديد من الجهات الخارجية، كما عبر عن ذلك مسؤولون أتراك.

فعلى الصعيد الأوروبي وصلت حالة التوتر بين ألمانيا وتركيا إلى مراحل متقدمة، خصوصاً مع اقتراب افتتاح مطار إسطنبول الثالث، الذي يُشكل خطراً حقيقياً على مطارات فرانكفورت بألمانيا، ومطار هيثرو في بريطانيا، ومطارات أخرى مثل مطار دبي الدولي ومطار باريس.

كما أسهم ارتفاع وتيرة العداء بين أنقرة وتل أبيب في سعي الأخيرة للضغط على الرئيس التركي بشتى السبل، لا سيما الاقتصادية، خصوصاً بعد مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتهديد أردوغان بقطع العلاقات الاقتصادية مع "إسرائيل" واستغلاله كل الفرص في محاولة فضح ممارسات سلطات الاحتلال العنصرية ضد الفلسطينيين.

أما في العلاقات التركية - الإماراتية؛ فقد اتسعت دائرة الحرب الباردة بينهما، فكل منهما تحاول زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتوجيه ضربات ناعمة لغريمتها في محاولة لإضعافها.

تركّز الصراع بين أنقرة وأبوظبي في السنوات الأخيرة على النفوذ بالقارة السمراء، وخاصة منطقة القرن الأفريقي المطلة على طرق التجارة الدولية البرية والبحرية، التي تمثل نقطة اتصال مع الجزيرة العربية الغنية بالنفط، والموانئ الاقتصادية الحساسة الموجودة هناك، كما أن حاملات النفط والغاز والبضائع وحتى الأسلحة تمر من تلك المنطقة.

وامتدت الحرب إلى ظهور محاولات إماراتية لإيجاد موطئ قدم لها في المؤسسات المالية التركية الخاصة، والانضمام إلى اللوبي المالي في البلاد المعارض لحزب الرئيس التركي، في محاولة لإضعاف حكومته.

وفي سياق هذا الصراع، الذي يقوده التوتر السياسي بين تركيا والإمارات، أقدمت الإمارات ورغم أجواء الضبابية التي تحيط بالاقتصاد التركي، خصوصاً قبيل الانتخابات، وفي ظل عدم استقرار أسعار الصرف، على شراء ملكية بنك "دنيز" التركي بصفقة وصلت قيمتها إلى 3.2 مليارات دولار أمريكي.

تدل هذه الخطوة، بحسب خبراء، على أحد تفسيرين وهما: أن الإمارات تدرك قوة الاقتصاد التركي وسرعة تعافيه؛ لذلك أقدمت على شراء حصة البنك التركي بهذه القيمة العالية على الرغم من الظروف غير المستقرة في السياسات النقدية.

أما التفسير الآخر، فهو أن الإمارات بغض النظر عن أي ثمن مالي أرادت أن تُوجد لها مكاناً في النظام المصرفي التركي، واستغلت الفرصة قبل الانتخابات؛ تجنباً لتعثر الصفقة في حال فوز أردوغان.

وقد يعبر موقف رئيس الحكومة التركية، بن علي يلدرم، بأن بلاده تتعرض لما سماه "إرهاباً اقتصادياً"، عما تعيشه تركيا، وقال: "الجهات التي تتآمر على تركيا تحاول ضربها عن طريق الإرهاب الاقتصادي، بعد أن فشلت في محاولاتها الرامية إلى زعزعة استقرار تركيا عن طريق التنظيمات الإرهابية".

وأكد رئيس الحكومة التركية معلقاً على التقارير الدولية بشأن التصنيف الائتماني لتركيا قائلاً: إن "محاولات هذه الجهات المتآمرة ستبوء بالفشل، وتركيا ستواصل تعزيز قوتها الاقتصادية وتمكين أُطر ديمقراطيتها خلال الفترة القادمة".

مكة المكرمة