نزاع ملياري يقترب من الحل.. هذه قصة أكبر وأطول أزمة ديون بالسعودية

إمبراطوريتا مال سعوديتان اقتربتا من حلّ نزاعهما
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/dr85mn

السعودية قد تشهد نهاية أطول خلاف مالي بين قطبين من أثريائها

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 13-01-2020 الساعة 20:46

عشرة أعوام مرت على واحدة من أكبر القضايا التي عرفها العالم في مجال تسوية ديون لشركات كبرى بلغت نحو 14 مليار دولار، بطلاها اثنتان من أكبر إمبراطوريات المال في العالم.

تلك القضية تعتبر أيضاً أكبر وأطول أزمة ديون في السعودية، وأكبر وأطول قضية خلاف بين اثنتين من أثرى عوائل المملكة، تشير الأحداث إلى أنها تقترب من الحل؛ بعد أن وافقت محكمة على مطالبات من دائنين بنحو 14 مليار دولار.

وأفادت وثيقتان من محكمة سعودية اطلعت عليهما "رويترز" مؤخراً، أن المحكمة وافقت على مطالبات بأكثر من سبعة مليارات دولار من دائنين ضد مجموعة "أحمد حمد القصيبي وإخوانه"، ونحو 6.5 مليار دولار ضد رجل الأعمال الكبير "معن الصانع" وشركته التي تحمل اسم "مجموعة سعد".

ودب خلاف حاد بين أفراد عائلة القصيبي والصانع (وهو متزوج من عائلة القصيبي)، بشأن من يتحمل مسؤولية انهيار الشركتين عام 2009.

وينكر كلا الطرفين ارتكاب أي مخالفات، لكن على الرغم من ذلك خلّف توقف عمل الشركتين ديوناً بمليارات الدولارات لعشرات البنوك المحلية والدولية لم تسدَّد.

ولن تقدم النهاية التي تضعها المحكمة للأزمة نوعاً من المساعدة لأولئك الدائنين فحسب، وإنما على نطاق أوسع ستكون مؤشراً هاماً للمستثمرين الدوليين، إذ سيجري حل القضايا بموجب قانون جديد للتفليسات في المملكة بدأ تطبيقه في 2018، في إطار إصلاحات ترمي إلى جعل المملكة أكثر وداً مع المستثمرين.

 بداية القصة

يُعد حمد القصيبي أحد أكبر رجال الأعمال في السعودية، ويعمل في قطاعات عديدة في بلدان وقارات مختلفة.

أما بالنسبة إلى معن الصانع فهو ملياردير سعودي ذو أصولٍ كويتية، وهو أيضاً رئيس مجموعة السعد، التي هي في الأساس شركة استثمارية، ويُعد ثاني أكبر مساهم في بنك "إتش إس بي سي".

وفي مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبينما كان النفط يجعل من الشرق الأوسط مركزاً للقوة الاقتصادية، تزوّج الصانع من عائلة القصيبي، ثم أصبح مسؤولاً عن شركات الخدمات المالية لمجموعة القصيبي، وسرعان ما ذاع صيته داخل الشركة.

كان لمجموعة القصيبي قسم للصرافة، وكان بدوره يقترض مبالغ ضخمة من بنوكٍ عالمية.

                                                                                    (معن الصانع)

ويشير أحد التقديرات إلى أن القروض وصلت قيمتها إلى 120 مليار دولار من عام 2000 إلى عام 2009. وقد يصعب تصديق ضخامة المبلغ نفسه، نظراً إلى طبيعة عمل الصرافة.

لكن الأكيد في هذا الأمر أن أغلب تلك القروض جرى الحصول عليها من خلال المؤسسة المصرفية العالمية في البحرين، التي بدورها جمعت الأموال من أسواقٍ وسيطة.

في مايو 2006، تعثّرت المؤسسة المصرفية العالمية في سداد التزاماتها، وبالتتابع، تعثّر قسم الصرافة بمجموعة القصيبي هو الآخر.

وقد أعلن القصيبي في النزاع القانوني الناشئ عن هذا التعثّر أن مجموعته ليست الطرف الجاني، بل ضحية جريمة احتيال تُقدر بتسعة مليارات دولار بطلها هو الصانع نفسه، الذي ــــ على حد ادعاء المجموعة ــــ سيطر على شركات التمويل داخل المجموعة بالكامل.

"أحمد حمد القصيبي وإخوانه"، تعتبر شركة خاصة مقرها في السعودية، عمل مؤسسها أحمد حمد في البداية في إنتاج العملات الفضية لشركة أرامكو النفطية. وفي خمسينيات القرن الماضي، عزز حمد تلك الروابط بدعم أعمال أرامكو في مجالات التموين، والتخزين، وأنابيب النفط، والمعدات.

ثم بدأ لاحقاً توريد الإطارات والقوارب، ثم امتد عمله إلى بيع الوقود وقطع غيار السيارات.

عندما كبر أبناؤه أسهموا في تطوير التجارة، فأُنشئت مجموعة أحمد حمد القصيبي وإخوانه.

افتتحت المجموعة لاحقاً أول مصنع لتعبئة البيبسي في المنطقة الشرقية من المملكة. ومع مرور الوقت، أصبحت للمجموعة مشروعات عديدة في مجالات التصنيع، والإنشاء، والمنتجات الاستهلاكية، والطاقة، والسياحة، والفنادق.

الصانع يدير الصرافة

طُلب من الصانع، بعد زواجه من عائلة القصيبي، إدارة قسم الصرافة في مجموعة أحمد حمد القصيبي وإخوانه.

كانت الصرافة فكرة ممتازة، حيث منحت العاملين بالخارج إمكانية إرسال حوالات إلى بلادهم، ووفرت خدمات مالية أساسية أخرى.

عمل القسم أيضاً على شكل مصرف داخلي لعائلة القصيبي. كبر القسم تحت إدارة الصانع وأصبح له تأثير كبير على المصارف.

مع مرور الوقت، تعرّف الصانع على جلين ستيوارت الذي عمل لاحقاً مديراً تنفيذياً للمؤسسة المصرفية العالمية.

كان ستيوارت أحد خريجي جامعة أكسفورد، وكان مهتماً بشؤون الشرق الأوسط. استغل درايته باللغة العربية والتمويل الإسلامي لإقامة علاقات تجارية وتقديم خدمات تمويل إسلامي.

بعد أن قضى ستيوارت بعض مهام العمل في البحرين، انتقل إلى السعودية في عام 1989 لينضم إلى مجموعة القصيبي.

كان ستيوارت يقدم المشورة للصانع بشأن العديد من آليات التمويل القصير الأجل، ومن ضمن ذلك الإجراءات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وفي عام 2001 واجه قسم الصرافة في مجموعة القصيبي وإخوانه بعض القيود القانونية، فاقترح ستيوارت إنشاء مصرف في البحرين.

كانت خطوة حاذقة لسببين؛ الأول أن المصرفيين العالميين كانوا مرتاحين في العمل مع البحرين، حيث كانت تحتل المركز الحادي عشر في مؤشر الحرية الاقتصادية، والثاني أنهم سيتمكنون من إقراض مصرف لا شركة.

في عام 2003، نشأت المؤسسة المصرفية العالمية، وكان معن الصانع مديراً لإدارتها، وجلين ستيوارت مديراً تنفيذياً لها.

كانت المؤسسة ملكاً لمجموعة أحمد حمد القصيبي وإخوانه؛ مما دفع المصرفيين للوثوق بأن المجموعة ستعوض أي خسائر تجارية قد تحققها المؤسسة.

أقرضت المؤسسة المصرفية العالمية الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية، وقدمت التمويل لها من خلال قسم الصرافة.

في عام 2004، أنشأ الصانع البنك الأول في البحرين، وعلى إثر ذلك استقال من مجلس إدارة المؤسسة المصرفية العالمية، في حين ظل منخرطاً في شؤونه.

بحلول عام 2008، أصبح للمؤسسة ثالث أكبر رأس مالٍ مخاطر بين المصارف العربية. فما بين عامي 2004 و2009 قدمت المؤسسة قروضاً بمقدار 6.3 مليارات دولار لأكثر من 100 عميل.

بلغت ضخامة بعض تلك القروض 67 مليون دولار، وجدد الكثير من العملاء القرض مرات عديدة.

وكان هناك بعض القروض الغريبة، مثل قرض قيمته 7.5 مليون دولار لتاجر منسوجات، وقرض قيمته 12 مليون دولار لتاجر ديكورات، وقرض قيمته 35 مليون دولار لتاجر قطع غيار سيارات.

بداية المشكلة

في مطلع الأزمة المالية العالمية، تعثّرت المؤسسة المصرفية العالمية في اقتراضها، وتوقع الدائنون أن توفي مجموعة "أحمد حمد القصيبي وإخوانه" بالدين، غير أن المجموعة لم تكن تنوي ذلك، حيث ادعت بأنها وقعت ضحية لعملية نصب مقدارها عدة مليارات دولار، وأنها لم تكن على دراية باختلاس المبالغ التي كانت تحدث داخل الشركة.

قُوّضت هذه الادعاءات عندما أبرزت المستندات أن هناك شريكاً للمجموعة كان على دراية ببعض العمليات؛ وبناءً على ذلك رفضت محكمة إنكليزية ادعاء المجموعة.

خلّفت الأزمة المالية التي بدأت في "وول ستريت" تبعات غير مقصودة حول العالم. فقد أدى انهيار بنك "ليمان براذرز" إلى مطالبة البنوك المؤسسة المصرفية العالمية أن توفي بالدين، ونظراً لاستحالة هذا الطرح، أجرى ستيوارت ترتيباً مؤقتاً من خلال صفقة صرف مقسّمة القيمة.

تستغل الصفقة مقسّمة القيمة واقع أن البنوك التي تعمل في صرف العملات تعمل في مناطق زمنية مختلفة وفترات إجازةٍ متباينة.

لنفترض مثلاً أن "بنك نيويورك" دفع للمؤسسة المصرفية العالمية 100 مليون دولار بعد ظهر يوم الخميس في مقابل ريالات سعودية، لن توفي المؤسسة المصرفية العالمية بالسداد قبل يوم الأحد، وهذا لأن البنوك في البحرين تُغلق يومي الجمعة والسبت.

في الأسبوع الأخير من شهر أبريل 2009، طلب ستيوارت، في محاولة منه للإبقاء على المؤسسة المصرفية العالمية، من "بنك المشرق" الكائن في دبي إقراض مجموعة أحمد حمد القصيبي وإخوانه مبلغاً قدره 150 مليون دولار.

تعهّد ستيوارت بإعادة المبلغ بعد أسبوع واحد. وعندما أصبح القرض مستحق السداد يوم الخامس من مايو، طلب ستيوارت الحصول على مبلغٍ إضافي مقداره 75 مليون دولار، بدلاً من سداد المبلغ المستحق، وهو ما وافق عليه بنك المشرق.

أكّد ستيوارت للدائنين دعم القصيبي الكامل في إعادة سداد القرض، وما كان من الأخير إلا أن أكد ما صرح به ستيوارت لبنك المشرق.

بعد ذلك، وفي 11 مايو 2009، تعثرت المؤسسة المصرفية العالمية، وصارت مجموعة أحمد حمد القصيبي وإخوانه مدينة لبنك المشرق بمبلغ قدره 250 مليون دولار، بالإضافة إلى أنه كانت هناك ديون أخرى لنحو 62 بنكاً آخر تعثّرت المجموعة في الإيفاء بمستحقاتها.

في فبراير 2011، عيّنت الحكومة البحرينية شركة "كرول"، وهي شركة تحقيقات خاصة، دفع لها القصيبي.

يشير تقرير "كرول" إلى أن الصانع قدم أغلب الأسماء ومستنداتهم ذات الصلة إلى ستيوارت. ويفيد التقرير بأنه كان هناك أسماء لشركات حقيقية في سجلات قروض المؤسسة المصرفية العالمية، وأجريت من دون رضا الشركة.

وفي أعقاب انهيار المؤسسة المصرفية العالمية، فُرض حظر سفر على ستيوارت على خلفية التحقيقات الجارية بشأن المؤسسة المصرفية العالمية على يد شركة التدقيق المعروفة باسم إرنست ويونج.

زاد سعود القصيبي، صهر معن الصانع، تفاقم المشكلة، حيث جلب محامين للتحقيق فيما كان يدور داخل المؤسسة المصرفية العالمية.

قاد إيريك ليويس، المحامي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، دعوى قضائية في كاليفورنيا رفعها على ستيوارت متهماً إياه بالتآمر مع معن الصانع للاحتيال على عائلة القصيبي بمبلغ قدره 9 مليارات دولار.

في عام 2011، تجمّعت خمسة بنوك في رفع دعوى قضائية على القصيبي في المملكة المتحدة على خلفية دين مجموعة أحمد حمد القصيبي وإخوانه.

أصرت البنوك على أن القصيبي، بكونهم مالكي المؤسسة المصرفية العالمية وقسم الصرافة، ملزمون بالإيفاء بالتزاماتهم.

أنكر القصيبي تحمّل أي مسؤولية، وأفادوا بأنهم لم يكونوا على دراية بمدى أنشطة الصانع أو حتى وجود المؤسسة المصرفية العالمية.

فازت البنوك بالقضية بظهور مستندات تفيد بأن أفراد عائلة القصيبي كانوا على دراية بالعمليات، وفي عام 2013، وافق القصيبي على إسقاط التهم عن ستيوارت للتركيز على استعادة المليارات من الصانع.

قابلت مجموعة أحمد حمد القصيبي وإخوانه الدائنين الأجانب، في محاولة لتسوية تلك الدعوات، في صيف عام 2014، وعرضوا سداد عشرين سنتاً على الدولار الواحد، بالإضافة إلى نصف أي مبالغ مُستعادة على الأقل على خلفية الدعاوى القضائية ضد الصانع.

وفي تلك الأثناء، أصدرت مجموعة السعد بياناً يفيد بأن حساباتها التجارية كانت خالية من أي فساد، ولكن الدائنين هم من أرادوا تسوية الأمر بسرعة.

وأفادت دراسة استقصائية أجرتها "ستاندرد آند بورز" على 30 بنكاً تجارياً بأنه على الرغم من ضخامة إجمالي ديون مجموعتي السعد والقصيبي، وأنه سيضيف المزيد من الضغط على المؤشرات والبنوك، فإنهما وبشكل عام قادرتان على النجاة من أي سقوط.

كانت البنوك الموجودة في السعودية، بلد المجموعتين المتنازعتين، والإمارات، المركز المالي للمنطقة، أكثر من تعاملت مع كلتا المجموعتين.

وعلى الرغم من عدم رضا الجهات التنظيمية عن أي اتفاق لا يتضمن البنوك السعودية، فإن بعض الدائنين رأوا أن الحكومة كانت أكثر رغبة، ولو بقليل، في دفع البنوك المحلية لقبول الاتفاق، لأن هذا من شأنه أن يبعث رسالة إيجابية إلى المستثمرين العالميين. ووقّعت مجموعة القصيبي على "اتفاقية دعم التسوية" مع دائنيها.

كانت لأزمة القصيبي تداعيات أقل نسبياً، حيث تتمتع السعودية باحتياطي نقدي هائل يكفي لإنهاء الأزمة، فضلاً عن أن قرار الحكومة بتجميد أصول الصانع عزز من موقف المملكة.

مكة المكرمة