معارك "عرسال".. هل تُنهي تأثيرات أزمة سوريا على اقتصاد لبنان؟

للمعارك على الحدود اللبنانية - السورية العديد من الأبعاد

للمعارك على الحدود اللبنانية - السورية العديد من الأبعاد

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 21-08-2017 الساعة 15:13


يعيد انتهاء معركة جرود عرسال والقاع وبعلبك، بتفاصيلها العسكرية كاملةً، ترتيب المشهد الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة الفاصلة بين سوريا ولبنان، بعد فترة احتقان تشهدها من فترة.

وعلى مدار سنوات الأزمة السورية، شكَّل اللاجئون السوريون في لبنان عبئاً اجتماعياً أكثر من كونه اقتصادياً، لكنهم في منطقة عرسال وبعلبك ومحيطهما شكَّلوا عدم استقرار اقتصادي واجتماعي.

ويعود ذلك للتوتر الأمني مع انتشار عناصر من تنظيم الدولة، وجبهة "النصرة" وفصائل "الجيش الحر"، على شريط حدودي يمتد من جرود عرسال في لبنان إلى جرود "فليطا" المشرفة على سوريا، بالإضافة للبيئة الاقتصادية المتردية للمنطقة، وذلك نتيجة الإهمال الحكومي طيلة السنوات الطويلة الماضية.

وبالنسبة للاقتصاد اللبناني عموماً، لم يؤدِّ اللجوء السوري بشقّيه، الفقير والغني، إلى نشوء كتلة اقتصادية ذات هوية سورية واضحة كما جرى في تركيا.

وبعبارة أخرى، لم تنشأ في لبنان دورة اقتصادية سورية كاملة، تبدأ من المنتج وتمر بالبائع وتنتهي عند المستهلك، ويعود ذلك لأسباب مرتبطة بطبيعة الواقع الاقتصادي اللبناني، لا علاقة للاجئين السوريين بها.

اقرأ أيضاً:

بيروت تعلن إحباط عملية انتحارية استهدفت طائرة إماراتية

- اقتصاد لبنان والسوريون

ومع ذلك، فقد أسهم وجود اللاجئين السوريين في حدوث تطورات اقتصادية إيجابية في لبنان، وإن كانت ذات حدود اجتماعية محدودة.

ومن هذه التطورات: نشوء مشاريع صغيرة ومتوسطة مدعومة من الأمم المتحدة، ودخول مشاريع وأموال سورية إلى لبنان. كما انعكس وجود الأيدي العاملة السورية إيجاباً على أرباب العمل، على الرغم من تأثيره سلباً على اليد العاملة اللبنانية.

وأدى وجود السوريين إلى انتعاش الحياة السياحية؛ لكون لبنان المكان الأمثل لالتقاء اللاجئين من أقاربهم، خصوصاً ممن يقطنون في الخليج.

كما استفادت المتاجر الغذائية التي اشتركت مع المنظمات الدولية المانحة للهبات للاجئين. وتدفقت الأموال من المنظمات الدولية؛ ما أسهم في ارتفاع السيولة بالسوق المالية.

اقرأ أيضاً:

مقتل 3 عسكريين في كمين نصبه "داعش" شرقي لبنان

من جهة أخرى، تعاني منطقة بعلبك عامة، وعرسال خاصة، تردِّي البنى الاقتصادية بشكل ملحوظ، ليأتي اللجوء السوري ويفاقم من أزماتها الاقتصادية، ويضيف إليها أزمات اجتماعية وأمنية.

ويأتي ذلك نتيجة ملاصقتها للحدود السورية، ولم يجد المدنيون السوريون الهاربون من معارك القلمون الغربي عام 2014 سوى عرسال وبعلبك وجرودهما للاستقرار فيه بعيداً عن الملاحقات الأمنية.

كما لم تجد الفصائل المعارضة سوى الجرود السوري اللبناني للاحتماء به وإعادة ترتيب أوراقها بعيداً عن ضربات النظام السوري وحزب الله اللبناني.

يضاف إلى هذا المشهد، انتشار عناصر من تنظيم الدولة، وجبهة النصرة في هذه المنطقة، وتستّر بعضهم تحت عباءة اللاجئين، لينشأ مشهد أمني اقتصادي واجتماعي معقَّد.

وزير الاتصالات السابق في الحكومة اللبنانية، عصام نعمان، يقول: إن "لبنان يتعرض لهجمات إرهابية على حدوده مع سوريا، ولا سيما في جرود عرسال ورأس بعلبك؛ بهدف شلِّ لبنان سياسياً وأمنياً؛ ومن ثم تأثر الوضع الاقتصادي اللبناني بذلك وتراجعت جميع المؤشرات الاقتصادية فيه".

ويضيف نعمان لـ"الخليج أونلاين"، أن "أهالي المنطقة يعوِّلون على حدوث تغيرات اقتصادية ما إن تحطّ المعارك أوزارها، فاقتلاع تنظيم الدولة من المناطق الحدودية في رأس بعلبك، من شأنه أن يوطد الأمن ويسهم في استقرار الوضع السياسي بلبنان عن طريق الالتفاف السياسي والشعبي وراء الجيش".

وعليه، فإن معارك الجرود ستعيد تنظيف المشهد اللبناني بحمولاته السياسية والأمنية والاقتصادية الثقيلة، فالمعركة لم تطلَق لأسباب عسكرية؛ لأنها ساقطة منذ عام 2014 حين استولى النظام السوري وحزب الله على القلمون الغربي في سوريا.

وللبعد الاقتصادي، شقان؛ الأول: لبناني، مع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، حيث سيكون للمناطق اللبنانية الحدودية دور مهم كمعبر جغرافي في إعادة الإعمار داخل سوريا.

والآخر سوري مع رغبة النظام في عودة اللاجئين إلى بلداتهم لتحريك الاقتصاد المتهاوي في عموم القلمون الغربي، من "عسال الورد" في ريف دمشق جنوباً إلى "حسيا" شمالاً بريف حمص.

بُعد سياسي يرتبط بالاقتصاد

وللمعركة بُعد سياسي يتمثل بمحاولة "حزب الله" وإيران تنظيف الجرود اللبناني السوري بعد نشوء ما يمكن تسميته مرحلة مناطق خفض التصعيد في سوريا وما نتج عنها من تقسيمات جغرافية.

ويفسر ذلك تراجع الحزب عن معركة بعلبك والقاع لصالح الجيش اللبناني، عكس ما حصل في جرود عرسال المتداخل مع الجرود السوري.

وبناءً عليه، يؤكد الصحفي اللبناني محمود علوش أن "أهمية معارك القاع وبعلبك تكمن في بُعدها السياسي من زاويتين؛ الأولى تتمثل في إعادة ثقة اللبنانيين بالمؤسسة العسكرية والدولة بشكل عام، بعدما تعرضت لهزات كبيرة جراء هيمنة الحزب وتورُّطه في الصراع السوري من دون أن يعطي أي اعتبار للحكومة اللبنانية".

أما الثانية وهي الأهم، وفق ما صرح به علوش لـ"الخليج أونلاين"، فتتمثل في أن "عدم إشراك حزب الله في الهجوم يعني أنه لا يمكن أن يكون في المدى القريب جزءاً من المنظومة العسكرية اللبنانية فيما لو طُرحت هذه الصيغة في المستقبل على غرار الحشد الشعبي بالعراق".

وتحاول السلطات اللبنانية الاستفادة من معركة فجر الجرود التي يخوضها الجيش في "رأس بعلبك" وجرود عرسال على أكثر من اتجاه؛ فهي تريد إرسال رسالة طمأنة للداخل اللبناني على اعتبار أن انتهاء المعركة بطرد عناصر تنظيم الدولة سيفتح الباب لإعادة ترميم الوضعين الاقتصادي والمالي، وحافز للتجار اللبنانيين لاستئناف نشاطهم الاقتصادي بالمنطقة.

أما الرسائل الخارجية، فهي تخص المستثمرين الأجانب، ومفادها أن لبنان "تمكن من دحر الإرهاب" في الداخل وعلى الحدود، وباستطاعة الحكومة التعامل مع أي طارئ وضبط الوضع.

ويجري الحديث الآن عن إنشاء معبر جديد لأول مرة بين لبنان وسوريا في منطقة القلمون، قرب بلدة المعرة السورية، ومن شأن هذه الخطوة أن تسهم في تنشيط الحياة التجارية والاقتصادية للمناطق المحيطة بالمعبر من الجهتين السورية واللبنانية.

مكة المكرمة