ضيق عيش وغلاء فاحش.. أين باتت الليرة السورية؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/JvpyEm

ارتفاع بالأسعار وصل إلى 40% على السلع كافة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 03-12-2019 الساعة 19:22

يعيش المواطنون السوريون في الداخل السوري أسوأ أيامهم الاقتصادية، بسبب غلاء الأسعار بشكل جنوني، نتيجة هبوط سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار إلى مستويات قياسية، وهو الهبوط الأكبر في تاريخها.

فبعد أن فقدت السوق السورية أغلب شبابها بين قتيل وجريح ونازح ولاجئ؛ نتيجة الحرب التي أشعلها نظام الأسد ضد الشعب منذ عام 2011 وحتى الآن إبان الثورة المطالبة بالديمقراطية، زاد من ذلك دخول عدة دول كبرى وإقليمية على الصراع، وتسبب قمع النظام في فرض عقوبات اقتصادية دمرت اقتصاد البلاد- لا يجد النظام السوري أي حلول لإعادة الليرة السورية إلى سابق عهدها، ولا يبدو أنه قادر في ظل بلد مفتَّت واقتصاد منهار.

أكبر هبوط

وسجَّلت الليرة، يوم الثلاثاء (3 ديسمبر 2019) ، 870 ليرة للشراء و900 للمبيع مقابل دولار أمريكي واحد، في العاصمة دمشق بمناطق سيطرة نظام الأسد، في حين سجلت 800 للشراء و830 للمبيع في مدينة إدلب بمناطق سيطرة المعارضة، بحسب موقع "الليرة اليوم".

في حين يسجل المصرف المركزي السوري سعر صرف الليرة مقابل الدولار عند 435 للشراء و438 للمبيع، في تجاهُل كامل لما يجري في سوق العملة.

وسجلت الليرة انخفاضاً في سعر صرفها منذ بداية نوفمبر 2019 حين وصلت إلى 680، بانخفاضٍ قدره 40 ليرة، بعد ثبات سعر الصرف عند 634، عدة أسابيع.

وذكرت مصادر محلية لموقع "الخليج أونلاين"، أن أسواق العاصمة دمشق تشهد ارتفاعاً غير محدود في أسعار السلع الغذائية الرئيسة، بسبب انخفاض سعر صرف الليرة؛ وهو ما دفع وزارة التجارة وحماية المستهلك التابعة لنظام الأسد، إلى فرض حزمة من الإجراءات، محاوِلةً ضبط الأسعار في الأسواق.

وأشارت المصادر إلى أن ارتفاع الأسعار تجاوز 30% في معظم أسواق دمشق، لتصل بعض السلع إلى 40% زيادة على الأسعار السابقة خلال الشهر الماضي.

ورغم أن الليرة صعدت، بشكل غير مسبوق، إلى أن وصلت إلى ألف ليرة مقابل دولار  واحد في الأيام القليلة الماضية، وشهدت تحسُّناً هامشياً، فإن الأسعار ما زالت على حالها، بل تزداد ارتفاعاً في بعض المناطق، بحسب مصادر محلية لـ"الخليج أونلاين". 

كما أوضحت المصادر أن سوق الذهب والصاغة في دمشق شهد غياباً واضحاً لليرات الذهبية والأونصات، بسبب الإقبال الواسع عليها، في ظل عدم بيع شركات الصرافة للدولار، والاقتصار على شرائه فقط.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي السوري أن التحسن الطفيف في سعر الصرف قد يكون مردُّه تحسُّن الأوضاع المالية نوعاً ما بلبنان، في ظل إفراج الولايات المتحدة عن بعض أموال الجيش اللبناني، وهو ما قد يفتح المجال أمام النظام للتحرك في حديقته الخلفية (لبنان)، أو تحرُّك روسي أو إيراني لدعم الليرة، وهو ما يظل في إطار التكهنات، إذ لا تأكيدات عليه.

ليرة

وسبق أن حاول النظام السوري أن يدعم الليرة عبر عدد من التجار ورجال الأعمال الذين يدورون في فلكه؛ حيث اجتمع معهم حاكم مصرف سوريا المركزي، حازم قرفول، في فندق "الشيراتون" بدمشق، في 29 سبتمبر 2019.

وتمكنت تحركات النظام من رفع قيمة الليرة وخفض سعر صرفها إلى أقل من 600 ليرة سورية مقابل الدولار، ليعود الارتفاع في سعر الصرف ويقترب من 800 ليرة مقابل كل دولار.

وعلّق مصرف سوريا المركزي، في 17 نوفمبر الماضي، على هبوط الليرة إلى مستويات قياسية بأنَّ نشرة سعر الصرف الرسمية لديه لم تتغير، متهماً ما وصفها بصفحات التواصل الاجتماعي المعارضة المدارة من خارج سوريا وفق أجندات خارجية، بالوقوف خلف "الأنباء" التي تشير إلى تغيُّر سعر صرف النشرة الرسمية، أو أنها تنشر سعراً مخالفاً لسعر الصرف الرسمي، بحسب تعبيره.

وقال المحلل السياسي السوري عبد الرحمن عبارة، في حديث خاص مع "الخليج أونلاين": "ثمة أسباب مباشرة وغير مباشرة وراء تدهور وانهيار قيمة الليرة السورية في الأشهر الأخيرة؛ وأهمها السياسات النقدية للمصرف المركزي، التي أثبتت فشلها على مدار سنوات؛ مثل إفراغ خزينة الدولة لتمويل حرب النظام على الشعب، وعدم وجود بدائل وطنية لتأمين موارد مالية لرفد خزينة الدولة، وهو ما أصابها بالعجز عن تأمين النقد الأجنبي المطلوب لعمليات التجارة الخارجية والتحويلات المصرفية".

وأضاف: إن "انتشار الفساد والنهب والسرقات من المؤسسات الحكومية، وبلوغه أعلى المستويات ضمن مؤشرات الفساد العالمي، من الأسباب غير المباشرة لفقدان الثقة بالليرة السورية، وتهريب الطبقة الفاسدة المقرّبة من الأسد أموالها إلى الخارج؛ خوفاً من فرض مزيد من الإتاوات عليها لتمويل الحرب".

ليرة سورية

أسباب سياسية

ولطالما أعاد نظام الأسد أسباب انهيار العملة إلى المؤامرات والعقوبات والحصار، لكن الحقيقة أن هناك عوامل مهمة يغفلها النظام عن السوريين الذين يعملون ليلاً ونهاراً لسد رمقهم في بلد يعيش 83% من سكانه تحت خط الفقر، و33% منهم يعيشون في انعدام من الأمن الغذائي، وفق آخر تقارير الأمم المتحدة لعام 2019.

ولعل من أهم الأسباب التي زادت من أزمة الليرة، العقوبات الأمريكية الخانقة على إيران، التي تعد أبرز داعميه مالياً خلال السنوات الثماني الأخيرة.

ومنها أيضاً الحراك الشعبي في لبنان، والذي يمتد من شماله إلى جنوبه مروراً بالعاصمة بيروت التي فيها مقرات عشرات البنوك وشركات الحوالة التي يعتمد نظام الأسد عليها في تأمين العملة الأجنبية، والتي لم تفتح أبوابها إلا مؤخراً، حيث لا يمكن سحب أكثر من 1500 دولار أسبوعياً، وأي مبلغ يزيد على ذلك يمكن سحبه بالليرة اللبنانية، وفق سعر صرف يقل بأكثر من 15% عن سعر الصرف السائد في السوق.

وذكرت صحيفة "المدن" اللبنانية أن حركة تنقُّل الشاحنات بين سوريا ولبنان انخفضت بنسبة 10% من حجمها العادي على الأقل، وكذلك الحال مع الأردن، حيث انتهت المواسم الزراعية.

ولم يكن حراك العراق بأفضل حالاً على نظام الأسد؛ حيث تسببت المظاهرات الشعبية في خسائر كبيرة على تكلفة تشغيل معبر "البوكمال" في محافظة دير الزور على الحدود العراقية-السورية، بحسب ما كشفه نظام الأسد.

وكانت وسائل الإعلام المحلية المرتبطة بنظام الأسد تحرّض خلال الفترة الماضية، على سحب الأرصدة والودائع من البنوك اللبنانية، مع بداية الحديث عن أزمة مالية في القطاع المصرفي اللبناني، قبل اندلاع مظاهرات لبنان، محذرةً أصحاب الحسابات من تقييدها أو حتى خسارتها بالكامل مع استمرار الأزمة المالية في لبنان.

وأوضح "عبارة" أن "العقوبات الأمريكية المفروضة على النظام الإيراني ومسؤوليه تركت ندوباً على الاستثمارات الإيرانية بسوريا، حيث شهدت تراجعاً في الآونة الأخيرة، وهذا التراجع مع العوامل الأخرى أضعف قيمة العملة".

وأردف: إن "ما يجري من حراك شعبي في لبنان قد أرخى بظلاله على الوضع الاقتصادي السوري، حيث تعتبر المصارف اللبنانية الوجهة الأولى للإيداع بالنسبة لمسؤولي النظام والتجار السوريين، وأي سياسات تحدُّ من عمليات السحب والتحويل في المصارف اللبنانية تؤثر سلباً في الحركة التجارية والمصرفية بسوريا".

برلمان الأسد

ميزانية خاسرة وحياة غير محمولة

وأعلن نظام الأسد الموازنة العامة في أكتوبر الماضي، وأقرها البرلمان التابع له يوم 26 نوفمبر 2019، وخسرت منذ إعلانها حتى إقرارها أكثر من مليار دولار، بسبب انهيار سعر صرف الليرة وأسعار الذهب.  

وأقر برلمان النظام السوري الموازنة العامة التي حددتها حكومته بـ4 تريليونات ليرة سورية، أو ما يعادل نحو 4.5 مليارات دولار تقريباً حسب سعر صرف الدولار  يوم الثلاثاء (3 ديسمبر 2019)، الذي يقارب 900 ليرة للدولار.

وكانت قيمة الموازنة حين عُرضت على البرلمان، يوم 27 أكتوبر الماضي، 6.1 مليارات دولار، إذ كان سعر صرف الدولار نحو 650 ليرة، وهو ما يعني أنها تراجعت بنحو أكثر من 18%، وبمقدار مليار دولار، خلال شهر مناقشتها وإقرارها.

وتبلغ تكاليف معيشة أسرة بدمشق، في نهاية سبتمبر الماضي، 360 ألف ليرة (نحو 350 دولار أمريكي)، أي بارتفاع أكثر من 900% في المستوى العام الفعلي للأسعار، في حين لا يتجاوز الدخل الشهري للموظف 40 ألف ليرة سورية، بحسب مؤشر (قاسيون).

وتبعاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن "سوريا بحاجة إلى أكثر من 250 مليار دولار، من أجل إعادة تحريك الاقتصاد"، ولا يبدو أن دولة ما قد تستطيع تقديمه للنظام.

ومنذ نحو عامين تعيش العائلات السورية على أمل زيادة مرتباتها الشهرية، بحسب تسريبات إعلامية مقربة من النظام، حيث أصدر رأس النظام بشار الأسد، يوم 21 نوفمبر 2019، مرسوماً تشريعياً يقضي بزيادة 20 ألف ليرة سورية (نحو 23 دولاراً) على الرواتب والأجور الشهرية للعسكريين والمدنيين.

إلا أن الزيادة مع ارتفاع الدولار خفضت راتب الموظف الشهري من 100 دولار قبل نحو شهر ونيف إلى نحو 92 دولاراً، أي إن الراتب تراجع ولم يزد، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار السلع كافة.

وأكّد "عبارة" أنّ "عملية زيادة الرواتب التي ينتهجها النظام السوري منذ سنوات، تعتبر محاولة بائسة لذرّ الرماد في العيون، وفي كل مرة يلجأ النظام إلى مثل هذه الخطوة تقفز الأسعار بشكل جنوني، ومؤخراً أصبح الفارق ما بين الأسعار والأجور مخيفاً وغير مسبوق في تاريخ البلاد، ما ينذر بكارثة على كل الأصعدة".

وبيَّن المحلل السوري أنه "لتقليل الفارق بين الأجور والأسعار يجب أن تزداد الأجور سنوياً على الأقل 100 دولار، ولوقف تدهور قيمة الليرة السورية ينبغي أولاً إعادة الثقة بالليرة السورية عبر وقف النظام حربه على الشعب ودعم العملية السياسية، ووقف طبع مزيد من الأوراق النقدية من دون غطاء من النقد الأجنبي، والحد من تهريب الأموال خارج البلاد".

أسواق دمشق

تدهور من الأب إلى الابن

ومنذ استيلاء حافظ الأسد على سدة الحكم في سوريا عام 1970، بدأت الليرة السورية تخسر قيمتها شيئاً فشيئاً؛ بسبب السياسات الاقتصادية التي كانت تمارَس في عهده، وارتباطها بالإجراءات السياسية والسوق المغلق في البلاد.

ووثق موقع "اقتصاد" المحلي سعر صرف الليرة أمام الدولار تاريخياً منذ قدوم عائلة الأسد إلى الحكم وحتى الآن؛ "عام 1970 -3.65 ليرات، عام 1976 -3.90 ليرات، عام 1981 -5.56 ليرات، عام 1986 -11.25 ليرة، عام 1990 -42.5 ليرة، عام 2000 -46.5 ليرة".

وبذلك تكون العملة السورية تراجعت بمقدار 12.7 ضعفاً خلال 30 عاماً من حكم عائلة الأسد، حيث بلغت النسبة المئوية لهذا التراجع 1273.7% مقارنة مع سنة 1970؛ أي بمعنى آخر إنّ الليرة السورية كانت تفقد كل سنةٍ ما يقارب 42% من قيمتها؛ أي إنّ التضخم قد عبث بجوهر الاقتصاد وبشكل مخيف.

ومنذ عام 2011 بدأت الليرة مرحلة جديدة كلياً؛ حيث بدأت بالانهيار رويداً رويداً خلال سنوات الحرب الثماني، وهي اليوم تخسر أضعاف ما خسرته في العقود الأربعة التي سبقت الثورة السورية.

مكة المكرمة