سوق الساحل للتمور.. حضر تجار القاهرة والحمالون وغاب المشترون

ارتفاع الأسعار يمثل أزمة كبيرة بالنسبة للبائعين والمشترين على السواء

ارتفاع الأسعار يمثل أزمة كبيرة بالنسبة للبائعين والمشترين على السواء

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 06-06-2016 الساعة 14:12


في قلب القاهرة، وفي منطقة "الساحل" على كورنيش النيل، يقع المركز الأكبر والأهم لبيع التمور في مصر، وهو سوق سنوية مؤقتة تعقد في شهري شعبان ورمضان فقط من كل عام، وتزخر بأنواع التمر التي لا تخلو منها مائدة في رمضان، وهي تجارة تعيش عليها مئات الأسر المصرية، حيث تجلب كميات كبيرة من التمور من "سوق العبور" ليتم فرزها وتوزيعها وفقاً للجودة، لتجد أمامك أنواعاً رائعة من التمور مختلفة الأنواع والمذاق والسعر.

تلك مقدمة تقليدية للتعريف بسوق "الساحل" للتمور، وهي المقدمة التي تصلح لكتابتها مع قدوم رمضان من كل الأعوام السابقة، منذ إقامة هذه السوق، التي تهدد الحكومة أهلها بأنها سوف تنقلها إلى مكان آخر بعيداً عن قلب القاهرة، كما فعلت بسوق الكتب المستعملة "سور الأزبكية"، والمدابغ، وغيرهما.

أما هذا العام، فلا يمكن أن أبدأ التقرير بتلك المقدمة التقليدية؛ لأن ما حدث في السوق ليس تقليدياً؛ حيث كشفت جولة "الخليج أونلاين" في "شارع عبيد"، وهو الشارع الرئيس في المنطقة، والذي تتوزع فيه كميات كبيرة من التمور على الأرصفة، عن أزمة خانقة يعانيها التمر وبائعوه ومشتروه على السواء، والتي ترتبط بارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وشراء القوات المسلحة كميات كبيرة من التمور من المزارعين مباشرة، أو من سوق العبور؛ للبيع في منافذ توزيع المنتجات الغذائية للجيش، والتي انتشرت في أنحاء مصر مؤخراً، بالإضافة إلى الركود الشديد لحركة البيع والشراء.

IMAG1392

رحلة البحث عن مشترٍ

اللقطة الأبرز في السوق أنه "لا مشترين"، حيث زرنا السوق في أكثر الأيام التي يتوقع أن تشهد زحاماً لشراء التمور قبل رمضان بيومين، وهي الفترة التي كانت تشهد زحاماً غير عادي كل عام، لا يستطيع أحد أن يضع خلالها قدمه في السوق من شدة الزحام على الشراء، إلا أن ذلك الوضع اختلف، فقد حضر التجار والحمالون والتمر، وغاب المشترون؛ بسبب الأسعار التي تعرفت عليها من أحد التجار، محمد، الذي قال: "أسعار التمور زادت بشكل واضح، وأضرت بالتجار بشكل واضح، حيث اضطروا إلى جلب كميات أقل بكثير من التي اعتادوا عليها كل عام، فضلاً عن عدم رواج تلك الكميات رغم قلتها".

ويشير إلى أن ارتفاع أسعار التمور يأتي في سياق ارتفاع أسعار كل السلع الغذائية، موضحاً أن الأعوام الماضية كانت تشهد ارتفاعاً في أسعار سلعة أو اثنتين، إلا أنها ارتفعت في هذا العام بالنسبة لكل السلع.

ويشير إلى أن الأزمة امتدت إلى الياميش (المكسرات والحلويات المجففة)، الذي تضاعفت أسعاره بشكل غير مفهوم، حيث ارتفع سعر "الفستق" من 150 إلى 200 جنيه، مقارنة بالعام الماضي، فيما زاد سعر "لفة قمر الدين" المصري إلى 5-10 جنيهات، بعد أن كان سعرها لا يتجاوز 3 جنيهات، أما "القمر الدين السوري" فوصل سعره إلى 40 جنيهاً، و"المشمشية" ارتفع سعرها إلى 60 جنيهاً بعد أن كانت لا تتجاوز 40 جنيهاً.

ويلفت إلى أن ارتفاع الأسعار أثر في التجار والمشترين على حد سواء، قائلاً: "الناس.. ربنا يكون في عونها"؛ حيث اضطر التجار إلى شراء كميات محدودة، وقلّت بالتالي نسبة أرباحهم، فيما أثرت الزيادة في الكميات التي يشتريها المستهلك، والتي انخفضت بشكل لافت.

كما يشير "محمد" إلى أن الحل يكمن في تطبيق المثل القائل "اضرب المربوط يخاف السايب"، وأن عدم معاقبة التجار الذين رفعوا الأسعار منذ بداية الموسم، وخاصة في الأرز، سمح لباقي التجار برفع أسعار كل السلع بشكل غير مسبوق.

IMAG1372

للأزمة أسباب أخرى

ويرى زميله التاجر محمد سمير، أن شراء القوات المسلحة للتمور للمرة الأولى هذا العام أثر في السوق بشكل كبير، حيث قامت بسحب كميات كبيرة من التمور لوضعها في الكراتين التي يتم توزيعها في المنافذ التي أنشأتها القوات المسلحة، موضحاً أن المستهلكين فضلوا الحصول على التمور ضمن "الكرتونة" بسعر مناسب، بدلاً من الشراء من السوق، رغم أنه في هذه الحال لا يختار نوع البلح أو جودته.

ويبيّن أن هناك عجزاً كبيراً في كميات التمور التي يتم توريدها من الفلاحين إلى سوق العبور، بعد أن حصل الجيش على كميات كبيرة منها من المصدر.

ويلفت إلى أن أقل أنواع التمور جودة هي التي يتم توزيعها للفقراء، والتي تجاوز سعرها 5 جنيهات، بعد أن كان سعرها 3 جنيهات فقط.

أسماء مبتكرة

اعتاد التجار أن يطلقوا على التمور أسماء معينة لتمييزها، وتسويقاً لها بين المستهلكين بشكل مبتكر وساخر، وتتشابك الأسماء مع الحالة السياسية في مصر، ويوضح أحد تجار السوق (حسام)، أن أهم الأسماء هذا العام هي: 55 إسعاف، والذي يصل سعر الكيلو منه إلى 20 جنيهاً، و"سيسي" يصل سعره إلى 25 جنيهاً، و"أبو تريكة" الذي ارتفع من 20 إلى 30 جنيهاً، و"ليلى علوي" الذي ارتفع سعره من 16 إلى 28 جنيهاً.

ويشير (حسام) إلى أن بعض التجار يطلقون أسماء زوجاتهم على أنواع معينة من التمور؛ لإثبات قدرها الكبير لديه، مثل "أم أحمد"، كما أطلقوا على البلح الطويل اسم "الطيار"، إضافة إلى أسماء أخرى مثل: "السمسمية، ملس، دماغ".

أما الأسماء التقليدية للتمور فهي: السكوتي 25 جنيهاً، البارتمودا 15 جنيهاً، الشامية 10 جنيهات، الجنديرة، ويعتبر "الشبح" أغلى أنواع التمور.

الأسعار نار

أما (إسلام) فيشير إلى أن سوق "الساحل" سوف يتم نقلها إلى جوار سوق العبور، ويتردد أن المحلات التي تقع على الكورنيش سوف يتم إزالتها، وستحول المنطقة إلى مزار سياحي.

ويلفت إلى أن ارتفاع الأسعار يمثل أزمة كبيرة بالنسبة للبائعين والمشترين على السواء، "المشترون يتخيلون أن البائع هو الذي يغلي عليهم الأسعار، وهم لا يعلمون أن هناك أرضية يتم دفعها، تصل إلى 2000 جنيه لمساحة لا تتجاوز عدة أمتار، فضلاً عن رسوم للكهرباء والمياه يتم تحصيلها من جانب الحي".

IMAG1363

"حمال" بمؤهل عال

ويشير (فتحي) إلى أنه يعمل حمالاً في السوق منذ 15 عاماً حين كان طالباً، وحتى اليوم، وأن عمله لم يتوقف في نفس المهنة رغم حصوله على شهادة جامعية في أصول الدين من جامعة الأزهر بتقدير جيد جداً؛ لأنه لم يجد وظيفة أخرى؛ بسبب عدم امتلاكه "واسطة" تتيح له الالتحاق بوظيفة "محترمة" تدر عليه دخلاً مناسباً.

ويشير إلى أنه ليس الوحيد الذي يعمل "شيالاً" في السوق ويحمل مؤهلاً جامعياً؛ حيث إن معظم الحمالين معه في السوق يحملون مؤهلات جامعية مماثلة، ويضطرون للعمل في السوق بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة، واشتراط معرفة حيثية، أو دفع مبالغ مالية كبيرة للالتحاق بوظائف حكومية، أو في القطاع الخاص.

ويؤكد أنه لا يخرج من اليوم إلا بثلاثين جنيهاً تقريباً؛ بسبب ضعف البيع والشراء الذي أثر في كل أطراف العملية التجارية في السوق.

مكة المكرمة