الجزائر.. ثروات مدفونة واقتصاد على حافة الهاوية

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/15a7bk

الجزائر تمتلك العديد من الثروات الهائلة

Linkedin
whatsapp
الخميس، 12-12-2019 الساعة 21:40

لا تجتمع المتناقضات بدولة كما هو الحال في الجزائر؛ فهي غنية بالثروات والموارد الاقتصادية والطبيعية التي يمكن أن تقودها إلى قائمة الدول الأكثر ثراء في العالم، إلا أن مؤشرات اقتصادها والأوضاع المعيشية لسكانها تنحدر نحو الأسوأ يومياً، في ظل إجراءات حكومية باهتة للخروج من عنق الزجاجة.

وتعاني الدولة العضوة في منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك"، منذ انهيار أسعار النفط في العام 2014، من أزمة مالية واقتصادية خانقة، فهي كانت تعتمد على الواردات النفطية والغازية بنسبة 60% من إنفاقها العام.

وانعكست تلك الأزمة على الأوضاع المعيشية للجزائريين، حيث ارتفعت نسبة البطالة في البلاد العام الماضي إلى 12.3%، مقارنة بـ10.5% بالعام 2016، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة لتصل إلى 13.02%.

وبسبب هذه النسبة المرتفعة من البطالة وصل معدل الفقر في البلاد إلى 7%، بحسب الإحصاءات الرسمية، أو 20% وفق تقديرات خبراء اقتصاديين نشرتها صحيفة "الجزائر"، في سبتمبر 2017.

ويتوقع تقرير للبنك الدولي، صدر في سبتمبر الماضي، اتساع رقعة الفقر في الجزائر ، ونزول 10% من الجزائريين تحت خط الفقر.

وطبقاً لتقديرات البنك فإن كل فرد يقل دخله اليومي عن دولار ونصف دولار يعد من هذه الفئة (تحت خط الفقر)، ويبلغ عدد الجزائريين حالياً الذين يقل دخلهم اليومي عن 1.5 دولار خمسة ملايين شخص، من بين أكثر من 40 مليوناً هو عدد سكان البلاد.

وتنبأ التقرير بأن ينضم 4 ملايين آخرون إلى العدد الإجمالي، ما يعني أن ربع سكان الجزائر تقريباً سيعيشون تحت عتبة الفقر حتى العام الماضي.

وأشار تقرير البنك العالمي إلى توقع انكماش نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد بالجزائر إلى مستوى سلبي؛ في حدود 0.6%.

ارتفاع بالأسعار

وإضافة إلى ارتفاع مستويات الفقر والبطالة لتلك النسب القياسية، فإن الأسعار ارتفعت في الجزائر لأرقام قياسية أيضاً، فقد تضمنت موازنة البلاد للعام الجاري رفع قيمة ضرائب حالية، وفرض ضرائب جديدة على بعض المنتجات المستوردة والمحلية، في محاولة لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن صادرات المشتقات النفطية.

ومع بدء تطبيق الموازنة ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تقترب من 17%، في حين زادت أسعار اللحوم بنسبة 4.2%، وارتفعت أسعار الفاكهة إلى 20%.

كما تظهر معالم الأزمة جلية في جميع المؤشرات الاقتصادية للدولة؛ فالبنك الدولي توقع في تقريره للآفاق الاقتصادية للجزائر (أكتوبر 2017)، أن يتراجع معدل نمو اقتصاد الدولة بشدة.

وقدم صندوق النقد الدولي توقعات سوداء للاقتصاد الجزائري خلال العام الحالي، بتراجع نموه لـ0.8%، مقارنة بـ2% في 2017، و3% في 2016.

وذكر صندوق النقد، في تقريره حول آفاق الاقتصاد العالمي لسنة 2018، أن الاقتصاد الجزائري سيكون الأضعف من بين كل بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ وذلك بسبب الارتفاع في نسب البطالة في البلاد.

وإلى جانب ضعف توقعات نمو الاقتصاد الجزائري للسنة الجارية، فإن احتياطي النقد الأجنبي للبلاد هبط خلال 2017 بما يقارب الـ17 مليار دولار، ليصل إلى 97 مليار دولار؛ وذلك بسبب تراجع عائدات النفط التي تشكل 97% من مصادر العملة الأجنبية.

ولن يتوقف نزيف احتياطي النقد الأجنبي في الأعوام المقبلة؛ فقد توقعت وزارة المالية الجزائرية تراجع هذا الاحتياطي إلى 85.2 مليار دولار بنهاية العام الحالي، ثم 79.7 مليار دولار في 2019، وقرابة 76.2 مليار دولار أواخر 2020.

وسجلت احتياطيات النقد الأجنبي الجزائرية أعلى مستوياتها في 2013 بقيمة 194 مليار دولار، لكنها تراجعت تدريجياً بفعل انخفاض أسعار النفط الخام.

الموازنة العامة للدولة تأثرت أيضاً بهذه الأزمة الطاحنة، فارتفع توقع عجزها للعام الجاري إلى 2000 مليار دينار، أي ما يقارب 16.6 مليار دولار، مقارنة بـ20 مليار دولار العام الماضي.

وتتوقع الحكومة الجزائرية من خلال موازنة 2020 ارتفاع الإيرادات إلى نحو 6 آلاف و239 مليار دينار جزائري، أي ما يقارب نحو 52 مليار دولار، بالإضافة إلى زيادة الإيرادات النفطية بنسبة 2% مقارنة بـ2019.

كل تلك المؤشرات الاقتصادية السلبية كان يمكن أن تقفز إلى المنطقة الخضراء لو تم استغلال الموارد الطبيعية للدولة مبكراً، فالجزائر غنية بالنفط والغاز، وتملك ثروات من الحديد والفوسفات والزنك والزئبق والرصاص والنحاس والذهب واليورانيوم، إضافة إلى إمكانية استغلال الطاقة الشمسية فيها لتوليد الكهرباء بطاقة عالية. كما أن البلاد غنية بالمياه والثروة الحيوانية والغطاء النباتي، وتنتشر الغابات فيها على مساحة 4 ملايين هكتار.

وفي بيانات أكثر دقة حول ثروات الجزائر، فإن احتياطاتها المؤكدة من مادة "الفوسفات" تبلغ نحو 3 مليارات طن، وتحتل البلاد المرتبة الخامسة عالمياً بين الدول المصدرة له، والعاشرة عالمياً من حيث الإنتاج.

ولا يتجاوز إنتاج الجزائر من الفوسفات حالياً 5 ملايين طن سنوياً، في حين تسعى لرفع هذا الرقم لـ10 ملايين بحلول العام 2020.

ثروات الجزائر 

وتملك الجزائر ثروة ضخمة أخرى من الحديد؛ فاحتياطات "غار جبيلات" (أكبر منجم للحديد بالعالم)، الواقع أقصى جنوب غربي البلاد، وحده من الحديد تصل إلى 1.7 مليار طن.

ورغم هذا الاحتياطي الضخم فإن الجزائر تستورد 5 ملايين طن من الحديد سنوياً، بقيمة 10 مليارات دولار، فاحتياجاتها من هذه المادة تبلغ 10 ملايين طن سنوياً، في حين تنتج 5 ملايين طن فقط.

كما تملك الجزائر احتياطياً واسعاً من اليورانيوم يصل إلى 30 ألف طن، إلا أنه لا يوجد أي استغلال حقيقي له.

الذهب أيضاً له موقع ضمن الكنوز الجزائرية، فاحتياطات البلاد المؤكدة من المعدن الثمين تبلغ 100 طن، ولكنها لا تنتج منه سوى 137 كغ سنوياً، وتأمل أن يرتفع هذا الرقم إلى 286 كغ مع نهاية سنة 2018.

أما الطاقة الشمسية، رغم توفرها بكثرة في الجزائر، فإن استغلالها ما زال في بداية الطريق، فقد صدقت حكومة البلاد، في 2016، على مخطط لإنتاج نحو 4000 ميغاواط من الكهرباء عن طريق الطاقة الشمسية، وذلك لتمكين البلاد من إنتاج 27% من طاقتها الكهربائية عبر طاقة الشمس، ما سيقلص من نفقاتها بهذا القطاع.

وتمتلك الجزائر ثروة كبيرة من الطاقة الشمسية، حيث تستفيد من ألفين إلى ثلاثة آلاف ساعة من إطلالة الشمس، مع وجود إمكانية إنتاج 2500 كيلوواط في كل متر مربع، وفقاً لتقديرات الكثير من الخبراء.

أما القدرات الشمسية الحرارية فإنها تمثل خزاناً معتبراً، حيث تعادل نسبة مضاعفة 10 مرات الاستهلاك الطاقوي على المستوى الدولي.

وبحسب أحدث الدراسات العالمية عن الطاقة الشمسية فإن الجزائر من بين أحسن ثلاثة حقول شمسية في العالم، حيث صُنفت الجزائر وإيران ومنطقة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر وأحسن حقول الطاقة الشمسية.

وإضافة إلى المعادن ومصادر الطاقة، فإن الجزائر تملك ثروة زراعية هائلة غير مستغلة، فمساحة أراضيها الصالحة للزراعة من إجمالي المساحة الكلية للبلاد تقدر بنحو 3.5%، أي ما يعادل 8.5 مليون هكتار، إلا أن أكثر من 3 ملايين هكتار من هذه الأراضي الفلاحية غير مستغلة، ما يشكل عائقاً أمام تنمية هذا القطاع.

وبسبب عدم الاستغلال الأمثل للأراضي الزراعية فإن القطاع الفلاحي في الجزائر يعاني عجزاً بنسبة 30% في مجال الإنتاج الزراعي، وتحديداً في جانب الحليب واللحوم الحمراء والحبوب، التي تستورد منها الجزائر سنوياً أكثر من 50% من احتياجاتها.

ومعلقاً على هذه البيانات يقول المحلل الاقتصادي وليد سيف: إن "الحكومات الجزائرية المتعاقبة اكتفت بعائدات البلاد من النفط والغاز التي كانت تشكل أكثر من 60% من إجمالي نفقاتها، وأهملت استغلال بقية الموارد الطبيعية فيها".

ويضيف سيف لـ"الخليج أونلاين": "لم تملك الجزائر بُعد نظر؛ فهي لم تتوقع أن تنهار أسعار النفط في العام 2014، ولذلك عندما وقعت الأزمة كانت أكبر المتضررين بين بقية الدول النفطية؛ فقد خسرت 70% من عائدات النفط والغاز التي كانت تشكل 97% من صادراتها ومن مصادر العملة الصعبة".

ويشير إلى أن الجزائر تملك ثروات ضخمة لو تم استغلالها بشكل مثالي بشكل مبكر لما وقعت البلاد في هذه الأزمة.

ويقول: "على سبيل المثال فإن لدى الجزائر احتياطات مؤكدة من مادة الفوسفات تبلغ نحو 3 مليارات طن، تقدر قيمتها بترليون و80 مليار دولار، لكنها لا تنتج منها سوى 5 ملايين طن سنوياً، أي ما قيمته 1.8 مليار دولار فقط".

وفي مثال آخر على عدم استغلال موارد البلاد يرى المختص الاقتصادي أن القدرات الشمسية الحرارية في الجزائر تعادل 10 أضعاف استهلاك العالم من الطاقة الكهربائية، في حين أن حكومة البلاد بدأت بمشروع واحد في 2016 لإنتاج نحو 4000 ميغاواط من الكهرباء لتغطية 27% من احتياجاتها فقط.

ووفق سيف، فإن الحكومة الجزائرية بدأت بعد الأزمة الاقتصادية الحالية، في محاولات يائسة، استغلال موارد الدولة عبر رفع إنتاجها من المعادن كالذهب والحديد والفوسفات وغيرها، ووضع خطط لتنمية القطاع الزراعي.

ويُتوقع أن تحقق الجزائر نجاحات، في حال استغلت مواردها بالشكل الأمثل، تمكنها من تجاوز أزمتها، لكن يعتقد أن ذلك النجاح سيكون على المديين المتوسط والطويل.

ومن جانب آخر يرى المحلل الاقتصادي، أحمد مصبح، أن "بيئة الاستثمار في الجزائر تعاني من غياب الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية، فالبلاد لا يتوفر فيها تنوع اقتصادي؛ لأن النفط والغاز يسيطران على 97% من عائدات التصدير، والاستثمارات الأجنبية تتركز بشكل أساسي على قطاعات النفط فقط".

ويقول مصبح لـ"الخليج أونلاين": "لا تزال البيئة الاستثمارية بالجزائر تواجه بعض القيود في التوسع الاقتصادي والاستثماري، على الرغم من محاولات الحكومة لتعزيزها من خلال منح إعفاء ضريبي للمستثمرين الأجانب".

وتشمل القيود، بحسب المختص بالشأن الاقتصادي، عقبات تنظيمية وقانونية ولوجستية؛ من أهمها إجبار المستثمر الأجنبي على أن يكون لديه شريك محلي بنسبة 51٪ من استثماراته، إضافة إلى بطء إصدار التصاريح بالاستثمار، والإجراءات البيروقراطية الحكومية، والطلب المفرط للعديد من الوثائق الخاصة بالملف الاستثماري.

وتتضمن عقبات الاستثمار في الجزائر أيضاً ما تعانيه بيئة الأعمال هناك من غموض وتعقيد قانوني وتجاري، إلى جانب ما تفرضه الحكومة من قيود على بدء إجراءات العمل؛ فعلى سبيل المثال لا يسمح للمستثمر الأجنبي بتحويل أرباحه بسهولة بسبب الإجراءات الحكومية التي تتطلب وقتاً طويلاً.

ويعتقد مصبح أن صانعي السياسة في الجزائر بحاجة إلى تركيز جهودهم واهتمامهم بالأنشطة والنهج المبتكرة التي ستحسن قدرة بلادهم على استقطاب الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير.

حلول وبدائل

في المقابل يشدد الخبير الاقتصادي ناصر سليمان، على أن الحل "يكمن في العمل على إصلاح ضريبي حقيقي وشامل"، مشيراً إلى أن نسبة تسديد الضريبة في الجزائر "ضعيفة جداً مقارنة بالدول المتقدمة".

ويضيف سليمان في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن الحل يكون عن طريق عصرنة ورقمنة النظام الجبائي، ومحاربة الأسواق الفوضوية والموازية، أو إجبار أصحابها على دفع الضرائب مثل البقية.

ولا يعني ما سبق، برأي سليمان، "فرض المزيد من الضرائب لإرهاق المواطن وقتل النشاط الاقتصادي، وإنما محاربة التهرّب الضريبي الكبير"، فهذا الإجراء وحده "قادر على جلب مليارات الدنانير للخزينة العامة، في حين أن العجز في ميزانية 2017 يقدر بنحو 1200 مليار دينار (أكثر من 11 مليار دولار)، حسب قوله.

كما نوّه المحلل الجزائري بأهمية طرح الصكوك الإسلامية، بعد توفير الغطاء القانوني لها مثل معظم الدول الإسلامية، ومن ضمنها دول الجوار، إضافة إلى استرجاع الثقة في مثل هذه المبادرة؛ بعرض هذه الأداة على علماء ثقات ومحترمين لدى الشعب الجزائري ليصدروا فتواهم فيها بأنها حلال، وبشرط أن تتوجه للمشاريع الإنتاجية أو على الأقل لميزانية التجهيز.

وأكد سليمان أن الشعب الجزائري "سيتخوّف ويتردّد في البداية، ثم يتم الإقبال عليها بشكل عادي"؛ فالصكوك الإسلامية (خاصة السيادية)، حسب قوله، "أصبحت أداة لتمويل مشاريع البنية التحتية والمشاريع العملاقة في الخليج وفي ماليزيا، وهي المشاريع التي تنوي الدولة توقيف تمويلها لنقص الموارد المالية".

تتزايد المطالب بضرورة توسيع نشاط البنوك الإسلامية في الجزائر؛ للاستفادة قدر الإمكان من خدماتها في عمليات الادّخار والقروض وتمويل المشاريع، لكن ثمة عوائق إدارية تعترض إيجادها فعلياً في السوق البنكية.

ومنذ تأسيس أول بنك إسلامي بالجزائر، في أبريل 1990، والبنوك الإسلامية تواجه عقبات تحول دون انتشار المؤسسات المالية المُلتزمة؛ كمحدودية عددها بالسوق، وانتشارها في المناطق الداخلية بالبلاد، إلى جانب افتقارها إلى نظام تشريعي وتنظيمي.

 

ثروات الجزائر

مكة المكرمة