مملكة صفراء.. دولة مزيّفة

ما هو مؤكد أنّ المختبئين خلف حملة "مملكة الجبل الأصفر⁩" الغامضة يستغلون تطلّع أجيال العرب إلى مأوى بديل عن العيش في أكناف دولهم.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/6D24Ar
الثلاثاء، 10-09-2019 الساعة 15:42

تمّ الإعلان عن ⁧"مملكة الجبل الأصفر"⁩ العربية، وصار لها شعار وراية وبلاغات، وتكاثرت مناصبها وتباهت بتلقِّي التهاني من العالم. لكن أين تقع هذه الدولة تحديداً التي أوحت بأنها مخصصة للعرب الذين تفرّقوا في الأرض؟

انشغل متابعون بتخمينات، وباشر بعضهم تحليل الموقف، رغم أنّ موقع "المملكة" واضح ومعروف، فهي تقع في قارّة المغرِّد "تويتر"، وحسابها فيه غير مؤثَّق أيضاً.

تشير هذه المزحة الثقيلة إلى القفزة الحاصلة من مستوى المواد المزيّفة؛ إلى مستوى الدولة المزيّفة التي توزِّع مناصب وهمية على محرري بلاغاتها.

بلغ التزييف مبلغه بإعلان "المملكة الصفراء" أنها تلقّت "التهاني" من زعماء حول العالم بمناسبة الإعلان عنها.

تحاول حملة التضليل والخداع هذه استغفال الجماهير العربية، ولا حاجة لتحرِّي البواعث المحرِّكة للحملة؛ فهذه تبقى احتمالات لا يمكن التسليم بأي منها، وقد يخرج من يتحدث من بعد أنها ما كانت إلا تجربة لقياس منسوب تصديق الخرافات مثلاً. لمَ لا؟!

ما هو مؤكد على أي حال أنّ المختبئين خلف حملة "مملكة الجبل الأصفر⁩" الغامضة يستغلّون تطلّع أجيال العرب إلى مأوى بديل عن العيش في أكناف دولهم؛ وهذا ما اشتغلت عليه داعش بكفاءة أعلى في التضليل بعد إعلان "دولتها"، وقد كانت تسيطر على أراضٍ شاسعة وليس على حسابٍ للتغريد.

تتلاعب حملة التضليل بمشاعر شعوب عربية تقاسي النزوح واللجوء وتتقطّع بها السبُل في الأرجاء.

يقتضي الموقف تشديد النكير على هذا المنسوب المُغالي في التزييف والاستغفال والسُّخف والخداع. لو افترض متابع أنّ "دولة" ما⁩ ستقوم حقاً على هذا النحو؛ فستكون معسكر اعتقال مفتوحاً لبعض العرب، وإن حمل السجين فيه صفة مواطن والسجّان صفة ملك.

صحيح أنّ الأفكار المتعلقة بتجميع لاجئين في أماكن خاصة بقيت تتردّد بين الحين والآخر، ومنها أفكار محسوبة أحياناً على مشروع ترامب - نتنياهو، وأخرى تداولتها عواصم أوروبية مع بلدان عربية سنة 2018؛ إلاّ أنّ حملة "الجبل الأصفر" الموغلة في بثّ الأوهام لا تستحق تداول موادها وكأنها قابلة لأن تؤخذ على محمل الجدّ.

المزاعم الساذجة التي تروِّجها هذه الحملة الصفراء تريد من الجمهور العربي أن يصدِّق أنّ إعلان دولة أو مملكة لا يتطلّب سوى: مصمم مقاطع وشعارات، ومدير عام حساب تويتر غير موثّق، وقارئ نصوص برتبة "رئيس وزراء".

وينبغي لإذاعة البلاغ رقم واحد إتقان الحبكة؛ بالتصوير من موقع ترفرف فيه أعلام الدول، من قبالة فندق مثلاً!

ينجرف بعض متابعي حبكة "المملكة" المزعومة إلى بحث عن "الدوافع" وراء اختلاق القصة المشوقة، ومَن يكون هؤلاء أو من يقف وراءهم.

ما يجدر التنبّه إليه في المقام الأوّل قبل أي شاغل آخر؛ هو ما يفعله منسوب التزييف المتعاظم بوعي الجماهير وإدراكها لما يجري حولها، وما يترتب على قصور الوعي هذا من انعكاسات على المواقف والاختيارات والتصرّفات، ومن جاهزية لقبول مزيد من التلفيق والتدليس في مجالات عدّة.

وعندما تميل بعض النخب إلى التعامل مع الخرافات المتداولة شبكياً على أنها حقائق محتملة؛ يصير الشكّ واجباً في رشدها ومنطق نظرتها إلى الواقع والعالم.

ليست "المملكة الصفراء" أوّل التزييف ولن تكون آخره، فمنسوب الاستغفال في الزمن الشبكي يتعاظم كل يوم.

وفي النهاية ستتندّر الأجيال على هذه القصّة .. وعلى من أفسحوا لمزاعمها في وعيِهم أيضاً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة