محاكمة "دونالد ترامب": القواعد والمغزى والمعطيات

ليس هدف الديمقراطيين الواقعي من وراء إجراءات عزل "ترامب" هو إدانته وعزله وإخراجه من حلبة السلطة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/JvZAjq
الاثنين، 16-12-2019 الساعة 23:20

يمنح القانون الأمريكي رئيس أمريكا حصانه أمام الدعاوى القانونيه، فلا تجوز ملاحقته ومحاسبته أو محاكمته أو اعتقاله أثناء فترة حكمه للبلاد عند ارتكابه مخالفات قانونيه أو جنايات أو جنحاً. غير أن صلاحية محاسبة الرئيس أنيطت بمجلسي النواب والشيوخ، إذ لهما القدرة على التحقيق والتحري عن مخالفات وجرائم الرئيس، ومن ثم محاكمته وإدانته وعزله من منصبه حال ثبوت ارتكابه جرائم أو مخالفات سواء كانت قانونية أو دستورية. رغم أنه ليس كل الجرائم تعتبر سبباً لعزل الرئيس في مجلسي النواب والشيوخ، ولا كل إجراءات عزل الرئيس يجب أن يكون سببها جريمة، أي بمعنى آخر ليس كل جريمة تستوجب عزل ولا كل عزل يجب أن يكون سببه جريمة، فهناك جرائم لا تستوجب العزل، وهناك تصرفات تستوجب العزل لكنها بنظر القانون ليست جرائم.

إجراءات عزل الرئيس التي تتم من خلال مجلسي النواب والشيوخ تشبه إلى حد كبير الإجراءات القانونية التي يجريها القضاء في التحقيق والمحاكمة. حيث إن هناك لجاناً قانونية متخصصة في مجلس النواب تقوم بإجراءات التحقيق؛ من جمع معلومات مفيدة واستدعاء شهود والاستماع لهم، إضافة الى استشارة أهل الاختصاص من أكاديميين وأهل الخبرة والمعرفة. بتراكم المعرفة الصحيحة وبوجود أدلة دامغة تثبت تورط الرئيس بجرائم أو مخالفات دستورية معززة بشهادات موثوقة وحقائق موثقة، يجري مجلس النواب على أساسها تصويتاً على لوائح عزل الرئيس مستنداً إلى الاتهامات المثبتة والمدعومة بالبراهين. بمعنى آخر يقوم مجلس النواب من خلال تحقيقات لجانه الخاصة بدور "المحقق". حينما تكون الأغلبية البسيطة "نصف عدد النواب+1" متفقة على قرار إدانة الرئيس يرفع هذا القرار مع لوائح الاتهام غلى مجلس الشيوخ. في مجلس الشيوخ تتم المحاكمة الفعلية للرئيس وتتم إدانتة وعزله على شرط أن يصوت 67% من أعضاء مجلس الشيوخ على قرار الإدانة والعزل، أي إن مجلس الشيوخ يقوم هنا بدور "الحاكم" الذي ينطق بالحكم النهائي.. ليس من الضروري أن يأخذ الحاكم "مجلس الشيوخ" بوجهة نظر المحقق "مجلس النواب"! فلحدّ هذا اليوم لم يعزل في تاريخ أمريكا رئيس أمريكي واحد، رغم أن مجلس النواب رفع لوائح الاتهامات الموثقة لمجلس الشيوخ!

التحقيق في مجلس النواب أظهر، من خلال الوقائع والشهود، أن "ترامب" استغل منصبه كرئيس لأمريكا في محاولة للحصول على منافع انتخابية شخصية نحو السباق الانتخابي المزمع خوضه في 2020، وكان ذلك من خلال الاستعانة بدول أخرى من أجل الحصول على معلومات مشينة ومخالفات مفترضة اتهم بها غريمه الانتخابي "جو بايدن"، وكانت أوكرانيا هدفاً رئيسياً لجهود الرئيس بهذا النحو. كما اتهم الرئيس أيضاً بأنه تعامل بأسلوب المقايضة مع رئيس أوكرانيا فجعل الإفراج عن حزمة المساعدات المالية الأمريكية المحجوزه لأوكرانيا ثمناً تقايضياً لفائدة خاصة يجب أن يقدمها رئيس أوكرانيا له، وهو التحقيق في فساد مزعوم لمنافسه الانتخابي "بايدن"، ويعني هذا في المصطلح القانوني "الرشوة". إضافة إلى لوائح اتهام أخرى تخص إعاقة تحقيقات اللجان القضائية والاستخباراتية والشؤون الخارجية وغيرها من اللجان في مجلس النواب، وذلك لمنع الشهود من الإدلاء بشهاداتهم وحجب الوثائق الهامه التي داعت بها تحقيقات هذه اللجان. وقد كان من الممكن أيضاً إدراج محاولات "ترامب" في إعاقة القضاء حسبما جاء ذلك في مذكرات التحقيق الذي قام به المحقق القانوني الخاص "روبرت مولر" في دور روسيا وتدخلاتها بشأن انتخابات عام 2016. وهكذا فلوائح الاتهام المزمع التصويت على أساسها في مجلس النواب لعزل الرئيس ، قبل نهاية شهر "ديسمبر" الحالي وربما خلال فترة أعياد الميلاد، قد اختزلت مؤخراً بفقرتين فقط وهما: "استغلال السلطة وعرقلة تحقيق لجان مجلس النواب المختصة". في حال صوتت الأغلبية البسيطة في مجلس النواب على لوائح الاتهام هذه لعزل الرئيس فسيرفع هذا القرار مع لوائح الاتهام إلى مجلس الشيوخ حيث تبدأ المحاكمة الفعلية للرئيس في مطلع العام القادم.

في تاريخ أمريكا السياسي حصلت ثلاثة إجراءات لعزل الرئيس وستكون إجراءات عزل "دونالد ترامب" هذه هي الرابعة في هذا التاريخ. الأولى كانت عام 1868م ضد الرئيس الأمريكي "أندري جونسون"، بسبب خرقه للقانون الاتحادي، والثانية عام 1974م ضد "ريتشارد نيكسون" في فضيحة "ووترغيت"، والثالثة عام 1998م ضد "بيل كلينتون" في قضية "لوينسكي". لم تفلح كل من هذه الإجراءات في عزل أيٍّ منهم. لم يصوت مجلس الشيوخ على عزل الرئيس في قضية "أندري جونسون" وقضية "بيل كلينتون"، بينما استقال "ريتشارد نيكسون" قبل محاكمته. هنا يتساءل المراقب هل هذه المرة ستفضي إجراءات العزل إلى إدانة وعزل الرئيس عن السلطة ليكون أوّل رئيس جمهوري في تاريخ أمريكا يعزل من منصبه؟

في ظل الظروف التي تبيّنها المواقف والأحداث على الساحة السياسيّة الأمريكيّة فإنه من غير المعتقد أن تفضي إجراءات العزل الجارية حالياً إلى إدانة الرئيس وعزله من منصبه، ذلك للأسباب الهامة التالية: يتحكم في مجلسي النواب والشيوخ الحزبان الأمريكيان الرئيسيان وهما الحزب الديمقراطي المعارض حالياً والحزب الجمهوري الحاكم. الحزب الديمقراطي يحظى بأغلبية مقاعد مجلس النواب، وأغلبية أعضاء مجلس الشيوخ هم من الجمهوريين. أي بمعنى آخر "المحقق" ديمقراطي و"الحاكم" جمهوري، ومهما جاء المحقق بثبوتيات الجريمة، فللحاكم القول الفصل..! السؤال الذي يطرح نفسه دائماً: هل الحاكم الذي سيوجه الحكم بشأن المتهم "ترامب" سيكون عادلاً في حكمه؟ الجواب سيكون على الأغلب وفي ظل المعطيات الحالية هو " النفي"!

من المتوقع أن تصدر محكمة مجلس الشيوخ حكم البراءة لدونالد ترامب رغم ثوابت الخلل والخطأ الواضحة والمخالفات الدستورية المثبتة، لأن روح العدالة والموضوعية غابت عن فضاء السياسة الأمريكيّة أمام المصالح الحزبية وأمام التعنت والانقسام في الرأي والرؤى في أمريكا خلال فترة حكم "ترامب". هذا التغاضي عن عين الحقيقه والتمادي في تجاوز القانون ليس ظاهرة سياسيّة محصورة بمجلس النواب والشيوخ فقط، بل نرى مداها يتعدى مجالس الدولة ليصل إلى الشارع ومن فيه. أمريكا شعبيّاً اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، منقسمة على نفسها بين موالٍ لترامب بشكل أعمى فلا يرى الجنح ولا يشعر بالجنايات، وبين معارض له يتفهم خطورة خطاباته وتصرفاته وتجاوزاته. الانقسام الحاد في رأي الشارع شجع بانقسام ممثليه في مجلسي النواب والشيوخ إلى الحد الذي يجعل المتابع لا يصدق بأن أعظم دولة في العالم وأكبر مشرّع للديمقراطية -كما تزعم- تبدي إشارات خفية وواضحة على خطر انهيار الديمقراطية أو ضعضعة أسسها!

ليس هدف الديمقراطيين الواقعي من وراء إجراءات عزل "ترامب" هو إدانته وعزله وإخراجه من حلبة السلطة، لأنهم على ثقه واطلاع تام بأن قرار العزل لن يصدره مجلس الشيوخ لسبب بسيط وهو أن غالبية الأعضاء في المجلس هم من الجمهوريين، والجمهوريون واضحة مواقفهم إزاء عملية العزل وواضحة تعاملاتهم مع أخطاء الرئيس! هنا قد نتساءل: "ما هو هدف الديمقراطيين إذن من وراء كل هذه الإجراءات المضنية والمكلفة التي تحملتها الدولة من بحث وتحرٍّ ومساءلة وتحقيق، إن باتت براءة الرئيس أكيدة أمام محكمة مجلس الشيوخ"؟!
الجواب يكاد يكون واضحاً أمام السائل؛ وهو أن هذه الإجراءات القانونية التي اتبعها الديمقراطيون هي تنفيذ لما تتطلبه المسؤولية المناطة بهم كحزب معارض في مراقبة سلوكيات الرئيس والتفاعل والاحتجاج على تصرفاته المنحرفة بما يلزم. هذه سمة من سمات الديمقراطية وملزماتها، إذ إن سكوت الديمقراطيين يعني قبولهم وموافقتهم بالأمر الواقع وقبولهم بمخالفات الرئيس للقانون والدستور! هذا سيكون خللاً تاريخياً يبقى يلاحق الحزب الديمقراطي الأمريكي إلى أجل غير مسمّى!. ومهما يكن من أمر فالحكم النهائي لبقاء ترامب على رأس هرم السلطة سيصدره الشعب الأمريكي نفسه في انتخابات عام2020م المقبلة، والتي ستبين نتائجها أمراً من أمرين: إما رحيل "ترامب" النهائي عن السلطة والتكفير عن أخطائه التي طالت بقاع العالم في أثرها وتأثيرها.. أو بقاء هذا الرجل بالسلطة لدورة ثانية وهذا يبرهن بأن الشعوب هي التي تصنع الديكتاتور وستستمر دوامة "ترامب" المضنية ربما إلى أجل غير مسمّى! وعندها سيكون لتحليل أحداث قابل السنين بقيّة!

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة